حياة كريمة.. المبادرة الرئاسية تستهدف تغيير تفكير وسلوك المواطن المصرى    ترامب: البحرية الأمريكية تتصرف "كالقراصنة" خلال حصار الموانئ الإيرانية    ترامب: أعدنا سفنًا إيرانية إلى الأماكن التي جاءت منها في مضيق هرمز    بيطارد بركات، سجل مميز ل حسين الشحات في تاريخ مواجهات القمة أمام الزمالك    القضاء يحبط خطة إدارة ترامب لترحيل آلاف اليمنيين من أمريكا    اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    "طاير يا هوى"| محمد رشدي صوت مصري أصيل ورمز الأغنية الشعبية    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    محافظة سوهاج ترد على عدم إنشاء كوبري بديل للكوبري المنهار في قرية العتامنة    مقتل 12 شخصًا بغارات إسرائيلية جنوب لبنان رغم الهدنة    البنتاجون: الولايات المتحدة تعتزم سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا    كبيرة الديمقراطيين في الشيوخ الأمريكي: إعلان ترامب انتهاء الحرب "لا يعكس الواقع"    محمد عبد الجليل يكتب: "فيزتك" فضيت ورصيدك اتبخر! هذه حكاية 6 شياطين نهبوا أموالك من البنوك تحت ستار "السياحة"    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    في ظهور مميز، عمرو دياب يغني مع نجله عبد الله وابنته كنزي بحفله بالجامعة الأمريكية (فيديو)    صلاح: كنت أركض أكثر من زملائي في منتخب مصر خلال كأس أمم أفريقيا    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    جامعة الدلتا تتألق في «Dare To Achieve» وتؤكد دعمها لابتكارات الطلاب    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    كرة طائرة - الأهلي يتفوق على بتروجت ويتأهل لنهائي إفريقيا    تفاصيل | وفاة شخص وإصابة 13 آخرين في حادث البهنسا بصحراوي المنيا    القبض على عاطل ظهر في فيديو مشاجرة بالسلاح الأبيض بالقاهرة    خناقة الديليفري وعمال المطعم.. معركة بين 11 شخصا بسبب الحساب    دفع ثمن شهامته.. اعتداء صادم على مسن الهرم والداخلية تضبط المتهم    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    ميناء دمياط يعزز الأمن الغذائي ويربط مصر بأوروبا والخليج    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    نصف فدان.. السيطرة على حريق نشب داخل زراعات القصب بقنا    جرح غائر وغرز، طبيب الأهلي يكشف تفاصيل إصابة تريزيجيه أمام الزمالك    رئيس هيئة تنشيط السياحة يلتقي مع ممثلي شركات إنتاج محتوى السياحة الروحانية    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء غداً السبت    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    ليدز يونايتد يسحق بيرنلي بثلاثية في الدوري الإنجليزي    زيادة تقابلها زيادة، مصدر ب"تنظيم الاتصالات" يحسم جدل ارتفاع ضريبة الآيفون في مصر    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    شرطي ينقذ الموقف.. تفاصيل حادث تصادم في الإسكندرية    صفحات مزيفة.. سقوط تشكيل عصابي دولي للنصب على راغبي زيارة الأماكن السياحية    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    الولايات المتحدة تحذر مواطنيها في بريطانيا من تهديدات محتملة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    "15 مايو التخصصي"تنجح في إنقاذ شاب من اختناق حاد بالمريء    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    القومي للبحوث يطلق قافلة طبية كبرى بالشرقية تستهدف 2680 مواطنا    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    أخبار الفن اليوم الجمعة.. أزمة بنقابة التشكيليين بسبب تفاوت الرواتب والمعاشات.. تكريم يسرا اللوزي وريهام عبد الغفور في ختام المهرجان الكاثوليكي    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    طلعت فهمي رئيسًا ل"التحالف الشعبي الاشتراكي" وحبشي وعبد الحافظ نائبين    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    وزير خارجية إيران: مغامرة نتنياهو كلفت واشنطن 100 مليار دولار حتى الآن    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الأوقاف" ترد على "دين السلفيين" بالضربة القاضية في "تصحيح المفاهيم"
نشر في البوابة يوم 22 - 07 - 2016

الإسلام يكفل حرية الاعتقاد.. والجماعات أساءت فهم «الحاكمية».. والشرع لا يمنع الاحتكام للقوانين الوضعية
الفتح لم يجبر أحدًا على الدخول في الإسلام.. و«الجهاد» في الدين هو درء الحرابة والاعتداء لا العدوان والحرب
لا يجوز تكفير المسلم مهما تكاثرت مؤيدات الحكم عليه بذلك.. وشيخ الأزهر: الخلافة ليست من أصول الدين
وزير الأوقاف: الخلافة في عصرنا الحاضر تعنى إقامة نظام حكم عادل له رئيس ومؤسسات
ابتدع منظرو التنظيمات الدينية غير الإسلام دينًا جديدًا، وذلك بفضل كثرة الفتاوى التي يبتغون بها مصلحة التنظيم قبل أن يقصدوا بها وجه الله تعالى، وبمرور الوقت تراكمت تلك الفتاوى والتفسيرات المغلوطة حتى أفسدت على الناس دينهم وحياتهم، فبات القتل جهادا، وأصبح التكفير لبانة تلوكها الأفواه بسهولة شديدة، وفسرت الحاكمية على خلاف حقيقتها، وانقلب الباطل حقا وسادت قيم رخيصة تتعارض مع أبسط قواعد العقل والمنطق، والأهم أنها تتعارض مع جوهر الأديان، وأصبح تصحيح تلك المفاهيم واجبا حتميا في ظل الدعوات المتكررة إلى تجديد الخطاب الديني.
بدورها تصدت وزارة الأوقاف للمسألة وأصدرت مؤخرا كتاب «مفاهيم يجب أن تصحح» وهو يعتبر الجزء الثانى في سلسلة الكتب التي تصدرها الوزارة، في سياق سعيها نحو تجديد الخطاب الدينى، وأعد هذه السلسلة عدد من علماء المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وذلك بعد نجاح الجزء الأول الذي صدر في رمضان الماضى بعنوان «حماية الكنائس في الإسلام» وتمت ترجمته إلى عدد من اللغات الأجنبية.
يفند الكتاب المفاهيم التي تعتمد عليها الجماعات الإرهابية المتطرفة لتبرير أعمال القتل والعمليات الإرهابية في جميع الدول لإثارة الفزع في قلوب المواطنين الآمنين، ويؤكد الكتاب في مقدمته أن الإسلام دين يكفل حرية الاعتقاد ف «لا إكراه في الدين»، وأنه يساوى بين الناس في المواطنة والحقوق والواجبات على اختلاف معتقداتهم دون تمييز، وأن عماده العدل والرحمة وصيانة القيم والدفاع عنها وقبول التنوع واعتباره سر الكون، مؤكدا أن الإسلام برىء مما يرتكبه بعض المنتسبين إليه من التكفير وترتيب بعض الأفعال الإجرامية عليه من ذبح وحرق وتمثيل بالبشر وتدمير وتخريب، إذ هو افتئات على حق الله المتفرد بالعلم بما في قلوب عباده، كما أنه افتئات على حق ولى الأمر، مشيرا إلى أنه لا يصح أن يحتج على الإسلام بأخطاء بعض المنتسبين إليه ولا بسوء فهمهم له أو انحرافهم عن منهجه.
الكتاب الذي أعده الدكتور عبدالله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية والدكتور محمد سالم أبو عاصى عميد كلية الدراسات العليا بجامعة الأزهر الشريف، تضمن تأكيدا على أنه على جميع أتباع الديانات النظر إلى الأديان الأخرى بمعيار موضوعى واحد، وأن توظيف بعض المنتسبين للإسلام لأغراض نفعية أو سلطوية إساءة إليه وإجرام في حقه.
في خطورة التكفير
فسر المؤلفان عددا من المفاهيم المغلوطة التي تستخدمها التيارات التكفيرية والمتشددة والتي سنتناولها في تلك الحلقة، وهى توضيح مفهوم التكفير والخلافة، وتفسير معنى الحاكمية، وشرح معانى الجهاد. ونبدأ أولا بمفهوم «التكفير» موضحين أنه الحكم على الإنسان المسلم بالكفر وأن الحكم بالكفر على مسلم هو أمر جد خطير تترتب عليه آثار دنيوية منها التفريق بين الزوجين وعدم بقاء الأولاد تحت سلطان أبيهم، وفقد حق الولاية والنصرة على المجتمع المسلم ومحاكمته أمام القضاء الإسلامى، وعدم إرجاء أحكام المسلمين عليه فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يورث ولا يرث، وأما الآثار الأخروية إذا مات على كفره فإنه يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته والخلود الأبدى في نار جهنم.
ولخطورة التكفير وآثاره كبيرة على المجتمع، فقد نهى الإسلام عن التعجل به أو إقراره إلا بعد التأكد من أسبابه دون أدنى شبهة، فلئن يخطئ الإنسان في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ومرده في الأمر إلى الله.
والقرآن الكريم نعى على الصحابى الجليل أسامة بن زيد رضى الله عنه قتله الرجل الذي ألقى إليه السلام وأمره وأمرنا جميعا بالتبين في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ»، كما حذر النبى «ص» من التكفير أشد التحذير فقال «إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما»، وقد أدرك العلماء خطورة الحكم بالكفر فتورعوا عن المسارعة إلى القول به إلا بدليل ساطع وبرهان واضح لا مدافع له، إذ الشهادة بالكفر على المسلم من أعظم الزور والظلم والبهتان.
وهكذا ينبغى ألا نسارع بتكفير أحد وإذا كانت بعض الفرق تكفر مخالفيها فنحن لا نفكرهم إلا إذا استحلوا دماء الناس وأموالهم وأعراضهم بغير حق، فقال الشوكانى رحمه الله: «اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغى لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار».
ومن الأصول المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز الحكم على المسلم بالكفر مهما تكاثرت مؤيدات الحكم عليه بذلك ما دام احتمال واحد لبقائه على الإسلام موجودا، لكن الفكر التكفيرى يعكس هذا الحكم فيذهب إلى أنه لا يجوز الحكم على المسلم بالإسلام مهما تكاثرت مؤيدات الحكم بإسلامه ما دام احتمال واحد لتحوله إلى الكفر موجودا، ومما سبق نستنتج أن التكفير حكم شرعى لا يصدر إلا عن أدلة شرعية قاطعة ومن ثم فإن مرده إلى أحكام الشريعة وفقه نصوصها، ولا يجوز في ذلك كله الخوض بلا علم ولا برهان من الله ومن هنا فإنه لا يجوز لواعظ أو عالم أو جماعة أيًا كانت أن تحكم على الناس بالكفر وإنما يكون ذلك لحكم القاضى أو المفتى لما لهما من علم بالأحكام الشرعية والإجراءات القضائية.
هل الخلافة من الإسلام في شيء
أيضا من المفاهيم المغلوطة التي قام الكتاب بسردها وتصحيحها نظام الحكم والمتاجرة بقضية الخلافة، موضحا أن الإسلام لم يضع قالبا جامدا صامتا محددا لنظام الحكم لا يمكن الخروج عنه، وإنما وضع أسسا ومعايير متى تحققت كان الحكم رشيدا يقره الإسلام، وتحت هذا العنوان تتداعى تفاصيل كثيرة تهدف في مجملها إلى تحقيق العدل بكل ألوانه السياسية والاجتماعية والقضائية بين البشر جميعا وعدم التمييز بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو العرق، ولا إكراه في الدين قال تعالى على لسان نبيه محمد «ص» في مخاطبة كفار مكة «لكم دينكم ولى دين»، فكل حكم يعمل على تحقيق ذلك ويسعى إلى توفير الحاجات الأساسية للمجتمع من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وبنى تحتية من صحة وتعليم وطرق ونحو ذلك مما لا تقوم حياة البلاد والعباد إلا به فإنه يعد حكمًا رشيدًا سديدًا موفقًا مرضيًا عند الله وعند الناس إلا من حاقد أو حاسد أو مكابر أو معاند أو خائن أو عميل.
ويؤكد أهل العلم والرأى والفكر أن الله عز وجل ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة، أما من يتخذون من قضية الخلافة وسيلة للمتاجرة بالدين واللعب بعواطف العامة محتجين ببعض النصوص التي يسقطونها إسقاطا خاطئا دون أي دراية بفقه الواقع أو تحقيق المناط من جهة، ويجعلونها أصل الأصول الذي عليه مناط الإيمان والكفر من جهة أخرى، فإننا نرد عليهم بما أكد عليه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر في كلمته التي ألقاها في مؤتمر «الأزهر في مواجهة الإرهاب والتطرف» من أنه لا نزاع بين أهل العلم المعتبرين أن الخلافة أليق بالفروع وأقرب لها، ومذهب الأشاعرة على أنها فرع لا أصل، وذكر فضيلته ما ورد في كتاب شرح المواقف الذي يعد أحد أعمدة كتب المذهب الأشعرى حيث ذكر مؤلفه في شأن الإمامة أنها ليست من أصول الديانات والعقائد عندنا بل هي فرع من الفروع، متسائلا «كيف صارت هذه المسألة التي ليست من أصول الدين عند أهل السنة والجماعة فاصلا عند هذا الشباب بين الكفر والإيمان وفتنة سفكت فيها الدماء وخرّب العمران وشوّهت بها صورة الدين الحنيف؟».
ويؤكد الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف أن جملة الأحاديث النبوية التي تتحدث عن الخلافة والبيعة يمكن أن تحمل في جملتها في ضوء معطيات عصرنا الحاضر على ضرورة إقامة نظام حكم عادل رشيد له رئيس ومؤسسات، يعمل على تحقيق العدل بين الناس وتحقيق مصالح البلاد والعباد ويستند إلى الشورى والإفادة من الكفاءات وأهل الخبرة والاختصاص بحيث لا يترك الناس فوضى لا سراة لهم، ولا إشكال بعد ذلك في الأسماء والمسميات طالما أنها تحقق الأهداف والغايات التي يسعى الإسلام لتحقيقها بين الناس جميعا بما يحقق صالح دينهم ودنياهم.
هل يختار الله حكامنا
من المفاهيم المغلوطة التي حرص الكتاب على توضيحها مفهوم «الحاكمية»، حيث أكد أنها الالتزام بما نزّل من شرع الله وهذا لا يمنع احتكام البشر إلى قوانين يضعونها في إطار مبادئ التشريع العامة وقواعده الكلية وفقا لتغير الزمان والمكان، ولا يكون الاحتكام لتلك التشريعات الوضعية مخالفا لشرع الله ما دام أنه يحقق المصالح العامة للدول والشعوب والأفراد والمجتمعات.
وبيان ذلك أن فكرة الحاكمية أساءت فهمها تلك الجماعات التكفيرية الإرهابية حيث أدخلوا في مضمونها ما لم يُرده الشرع الإسلامى الشريف، فالحاكمية تطلق بالمعنى التشريعى ومعناها أن الله سبحانه هو المشرع لخلقه أي هو الذي يأمرهم وينهاهم ويحل لهم ويحرم عليهم من خلال تكاليفه الشرعية، هذه هي الحاكمية، لا تعنى أن الله عز وجل هو الذي يولى الخلفاء والأمراء يحكمون باسمه، بل المقصود بها الحاكمية التشريعية فحسب أما سند السلطة السياسية فمرجعه إلى الأمة فهى التي تختار حكامها وهى التي تحاسبهم وتعاقبهم فليس معنى الحاكمية الدعوة إلى دولة ديمقراطية.
والحاكمية التشريعية إذًا هي التي يجب أن تكون لله وحده وليس لأحد من خلقه، فهذه هي الحاكمية العليا وهذه لا تنفى أن يكون للبشر قدر من التشريع أذن به الله عز وجل لهم وذلك في دائرة ما لا نص فيه أصلا وهو كثير وهو المسكوت عنه والذي جاء فيه الحديث «وما سكت عنه فهو عفو»، ومثل ذلك أيضا ما نص فيه على المبادئ والقواعد العامة دون الأحكام الجزئية والتفصيلية ومن ثم يستطيع الناس أن يشرعوا لأنفسهم بإذن من دينهم في مجالات كثيرة اجتماعية واقتصادية وسياسية غير مقيدين إلا بمقاصد الشريعة الكلية وقواعدها العامة، وكلها تراعى جلب المصالح ودرء المفاسد ورعاية حاجات الناس أفرادًا وجماعات.
وقضية تكفير الحكام استنادا إلى قوله تعالى «ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون» قضية ملغوطة فإن كل من حكم بغير شرع الله عز وجل في داره التي هو قيّم على أهله فيها أو في مجتمعه الذي هو حاكم فيه أو في مؤسسته التي هو مدير لها فهو كافر مرتد يستحق القتل في مذهب هذا الفكر المنحرف، ولا جدوى من احتمال أنهم إنما حكموا بغير شرع الله تساهلا منهم أو كسلا أو بسبب ركونهم إلى شهوة متغلبة أو مصلحة دنيوية قاهرة أو بسبب إكراه من الظروف العالمية المحيطة بهم مع يقينهم بأنهم آثمون في جنوحهم عن الحكم بما انزل الله، ومظهر الغلو في هذا يتجلى في تجاهل الفرق بين المعصية السلوكية التي لا تجر إلى أكثر من الفسق والمعصية الاعتقادية التي تزج بصاحبها في الكفر، ومن أصول أهل السنة أن المعاصى تفسق ولا تكفر، كما يتجلى الغلو أيضا في التوجه بالحكم الجماعى على الملتبسين بهذه المعصية دون تفصيل ولا تفريق ودون تقدير للحالات الخاصة والأوضاع الفردية، ومذاهب العلماء مبنية على التفرقة بين النوع والمعين في قضية التكفير.
مما سبق نستنتج أن الالتزام بشرع الله عز وجل لا يمنع احتكام البشر إلى قوانين يضعونها في إطار مبادئ التشريع العامة وقواعده الكلية وفقا لتغير الزمان والمكان، ولا يكون الاحتكام لتلك التشريعات الوضعية مخالفا لشرع الله ما دام أنه يحقق المصالح العامة للدول والشعوب والأفراد والمجتمعات.
أخطاء في فهم الجهاد
من المفاهيم التي صححها كتاب «مفاهيم يجب أن تصحح» مفهوم «الجهاد»، حيث اتفق المجتهدون فيه على أنه رد العدوان عن الدولة بما يماثله دون تجاوز أو شطط ولا مجال للاعتداء ولا حق للأفراد في إعلانه إنما هو حق لرئيس الدولة والجهات المختصة بذلك وفق القانون والدستور.
وبيان ذلك أن الجهاد هو بذل الجهد بأشكاله المختلفة والمتنوعة لإعلاء كلمة الله ولنشر الدين الصحيح بين الناس، والجهاد في الإسلام شجرة جذعها الحوار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة لتوصيل حقيقة الإسلام الصحيح إلى العقول، أما الجهاد القتالى فإنه متفرع عن الجهاد الدعوى تفرع الأغصان من الشجرة، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الفرقان المكية «فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا»، والضمير في قوله «به» أي بالقرآن فهو أمر صريح للنبى صلى الله عليه وسلم بالجهاد الدعوى للكفار حال كونه في مكة قبل أن يشرع القتال.
وفى سورة النحل المكية أيضا « ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ»، إذًا القرآن المكى تضمن كلمة «الجهاد» والمراد بها جهاد النفس بما فيه من الصبر على الدعوة وتحمل الأذى في سبيلها.
وبعد هجرة النبى «ص» إلى المدينة وجدت الدولة الإسلامية بمقوماتها «الدستور والأرض والشعب» ومن ثم شرع الجهاد في المدينة لدفع العدوان والدفاع عن حمى الدولة والوطن وهذا أمر تقره الأعراف والقوانين الدولية.
ومن الخطأ أن يتصور كثير من الناس أن العلة في عدم مشروعية الجهاد القتالى في مكة الضعف، وليس كذلك بل السبب في عدم مشروعية الجهاد في العهد المكى ومشروعيته في العهد المدنى أن المسلمين في مكة لم يكن هناك شىء يقاتلون من دونه ومن هنا لا يوجد في الإسلام جهاد قتالى لإكراه الناس على الدخول فيه قال تعالى «لا إكراه في الدين» و«لا» نافية كما يقول أهل اللغة، أي لا يتأتى الإكراه في الدين لأن الدينونة لا تكون إلا في القلب، فإن قيل لماذا شُرع الجهاد القتالى في الإسلام إذًا؟ قلنا لدرء الحرابة لا لإزالة الكفر فكل من يحارب المسلمين أو يعتدى على ديارهم وأوطانهم أو على أنفسهم هو الذي نحاربه ونرد عدوانه عنا، ومشروعية الجهاد لا تعنى أن أصل الجهاد وهو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة قد ولّى وانتهى بل كانت الدعوة إلى الله ولا تزال هي المفتاح الدائم للأنواع الأخرى من الجهاد، والفرق بين الجهاد الدعوى والقتالى أن الأول من أحكام التبليغ فالدعوة تتسع وتضيق حسب ثقافة الداعية وضمن قاعدة «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها».
أما الجهاد القتالى فهو من أحكام السياسة الشرعية، والقاعدة في باب الجهاد أن الجهاد الدعوى كان ولا يزال حوارا وإقناعا وليس إرغاما وإكراها، والجهاد القتالى إنما يكون درءًا للحرابة والاعتداء لا عدوانا وحربا، وفسر الكتاب حديث النبى «ص»: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله»، فالحديث هنا فرّق في لغة العرب بين «أقتل» و«أقاتل» فالقتل غير القتال.
«فأقتل» تعنى ملاحقة الناس في عقر دارهم حتى يدخلوا في الإسلام قسرًا، أما «أقاتل» فعلى وزن «أفاعل» وهى صيغة تقتضى المشاركة ومعناه أواجه عدوان الناس بالمثل، وقد نقل الإمام البيهقى عن الإمام الشافعى قال «ليس القتل من القتال بسبيل فقد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله».
وذكر أن الرسول «ص» لا توجد غزوة في حياته بدأها بالقتال، والسؤال هنا: هل أجبر الفتح الإسلامى أحدًا من المصريين أو الشوام على الدخول في الإسلام؟، والجواب: لا، إذ لو كان الأمر كذلك ما بقى في البلاد التي فتحها المسلمون أحد من غير المسلمين، بل عندما كان المسلمون يفتحون البلاد لم يجبروا أحدًا من أهلها على الدخول في الإسلام، إذ الأصل في الشريعة الإسلامية التعايش مع الآخر في تفاهم وتعاون ووئام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.