هو أبو منصور الفضل المسترشد بالله بن المستظهر بالله؛ من خلفاء الدولة العباسية؛ بويع بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه والده 16 ربيع الآخر سنة 513 ه، استمر خليفة إلى أن استشهد في يوم الأحد 17 ذو القعدة سنة 529 ه 30 أغسطس سنة 1135. نشأته نشأ الخليفة المسترشد بالله نشأة دينية، وتتلمذ منذ صغره على نخبة من أرفع علماء بغداد، مثل أبي الحسن بن العلاف وأبي القاسم بن بيان، إضافة إلى مؤدبه أبي البركات بن السيبي، فأضحى أديبا متمكنا وخطيبا مفوها وعابدا زاهدا، وصفته كتب التاريخ بأنه "خليق للإمامة" وقلّ نظيره بين الأمراء. صفاته كان ذا همة عالية وشهامة زائدة وكان مقدامًا ذو رأي سديد وهيبة وبأس، شيد أركان الشريعة وطرز أكمامها كما قال السيوطي: قاد الحروب بنفسه وغزا عدة مرات ونصره الله على أعدائه أكثر من مرة. ويقول ابن السبكي أن مولانا المسترشد بالله العباسي كان في أول خلافته تنسك وانفرد بالعبادة، كان مليح الخط وشهامته أشهر من الشمس وكانت أيامه مكدرة مشوشة بالخارجين والحروب. كان له خط بديع، ونثر صنيع، ونظم جيَّد، مع دين ورأي وشهامة وشجاعة، وكان خليقًا للإمامة، قليل النظير، كان يتنسك في أوَّل زمنه، ويلبس الصوف، ويتعبد، وختم القرآن، وتفقه، ولم يكن من الخلفاء من كتب أحسن منه، وكان يستدرك على كُتَّابه، ويصلح أغاليط في كتبهم، وكانت أيامه مكدّرة بتشويش المخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك ومباشرته، إلى أن خرج، فكُسر وأسر، ثم استشهد على يد الملاحدة، وقد سمع الحديث، وكان له نظم ونثر مليح ونبل رأى. حكمه بويع بالخلافة بعد وفاة والده وهو صغير السن، وعندما كبر وتولى مقاليد منصبه ملأ ربوع ملكه عدلا وإنصافا، وأمن الناس في عهده على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم. يصفه المؤرخون بأنه كان شهما نبيلا ذا همة عالية، لا يكل من السهر على أمور الرعية ليل نهار إلا أنه ورث دولة تعاني من كثرة المحاولات الانفصالية في الأقاليم البعيدة عن مركز الخلافة في بغداد. قام بأعمال إصلاحية جذبت إليه تأييد الناس، ثم دعاهم للجهاد ضد المتمردين الذين عاثوا فسادًا في بغداد وما حولها وبخاصة دبيس بن صدقة صاحب الحلة ودخلت أعداد كبيرة تحت راية الخليفة الذي قادهم ضد دبيس وانتصر عليه في عام 526ه، وكان لهذا الانتصار أثر كبير في نفوس الناس فكسب الخليفة تأييد الرأي العام وولاءه واستطاع أن يستعيد بعض نفوذه السياسي، وفي عهد الخليفة المسترشد بالله بدأت حركة اليقظة الشعبية العامة في بغداد، والتي كان من زعمائها الشيخ عبد القادر الجيلاني. مقتله في آخر حملة قادها خرج في 15 ألف فارس إلى همذان للإصلاح بين طلاب السلطة ومنهم مسعود بن محمد ملكشاه السلجوقي -والسلاجقة هم من الأقوام التركية-، وتروي كتب التاريخ حادثة مثيرة في هذه الحملة تبيّن مدى ورع وشجاعة المسترشد، إذ جاءه أن أحد المشاركين في الحملة ويعرف باسم "فارس الإسلام" قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وأنه سأله عن مصير الجيش في حملته تلك فقال "مكسور مقهور". وبعد تردد وحيرة، عرض وزراء الخليفة الأمر عليه، وأشاروا بأن يعود بالجيش أدراجه إلى بغداد، إلا أن جوابه كان "ويكذّب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! لا والله ما بقي لنا رجعة، ويقضي الله ما يشاء. وبعد أيام التقى جيش الخليفة جيش ملكشاه الذي كان قد نجح باستمالة الترك في جيش الخليفة، الأمر الذي أضعف الموقف العسكري لجيش المسترشد، فلم يقو على مواجهة جيش ملكشاه، رغم الاستبسال الذي قاتل به الخليفة ورفاقه. أسر المسترشد، وهاجت بغداد وماجت، ولبست مدن فارس السواد وخرج الناس حفاة عراة، وزلزلت بغداد كما قال ابن الجوزي: وكأنه غضب من الله فتحركت وجوه بغداد للصلح وحصل على أن يعود الخليفة لمقر عزه إلا أن مسعود غدر بمولانا وسلط عليه العسكر فقتلوه في يوم 16 ذو القعدة عام 529 ه. كان الخليفة قد نقل مع المقربين منه ومساعديه إلى معسكر للأسر في مدينة يقال لها مراغة شمال غرب بلاد فارس، وعندها أرسل السلطان سنجر بن ملكشاه إلى ابن أخيه مسعود بن محمد ملكشاه يوبخه على انتهاك حرمة الخليفة وأسره، ويأمره بأن يطلقه وأن يضع نفسه رهن إشارته، إلا أن الخليفة اغتيل في خيمته بينما كان يقرأ القرآن بعد صلاة الظهر، إذ دخل عليه مجموعة من الرجال وقتلوه غيلة بالسكاكين. وتختلف المصادر في حادثة الاغتيال، فهناك من يقول إن مسعودا تظاهر بإطاعة عمه وسلط عليه رهطا من أتباع طائفة الباطنية، وهناك من يقول إن سنجر نفسه كان راغبا في اغتيال الخليفة حيث كان السلاطين السلاجقة يتنافسون بشدة على الفوز بالسلطان.