على مدى عمره الذى ناهز 77 عاما، وعاما إضافيا آخر، هو مدة رحيله عن عالمنا، لم تتوقف اتهامات المُحاباة والتحالف مع السُلطة العالقة حول الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى، دون أن يتحدث الكثير عن مواقفه التى تراوحت بين تأييده للأنظمة التى تعاقبت على حكم مصر منذ ثورة يوليو، وبين الرفض والانحياز للمصرى البسيط الذى كان بطل أغلب قصائده وأغانيه؛ ليبدو الأبنودى «السياسي» ذو المواقف والآراء القوية مُستتراً خلف «الشاعر» الذى تعلقت بكلماته أجيال مُتعاقبة من المصريين. «الخال» الذى عارض نظام عبد الناصر ودخل سجونه فى أشد أعوام قوته، هو نفسه الذى أعلن تقديره للرجل، وأكد زعامته بعد وفاته، وكتب أيضاً «موال لجمال» فى ذكرى الرئيس الراحل الثانية والأربعين وقال فيه: «من بعد ما شفنا غيرُه.. فهمنا عهد جمال»، وهو نفسه المواطن الذى قفز فرحاً وهو يُهلل مع انتصار أكتوبر بكل جوارحه، لكنه بعد أقل من عامين اختلف مع الرئيس الراحل أنور السادات، وقضى ما يقرب من خمس سنوات فى تضاد مع رأس السُلطة، حتى إنه كتب قصيدته الشهيرة «المد والجزر» التى اعتبرها البعض إحدى نبوءات نهاية عهد الرئيس الراحل، ليُعلن بعدها ارتياحه من نهاية عصر السادات مع اعتراضه على النهاية المُفجعة التى لقيها «بطل الحرب والسلام»، كما أن الشائعات حول العلاقة القوية التى تربطه بالرئيس الأسبق مبارك ورموز نظامه لم تنته، ودعّمها هواة نظرية «مثقف الرئيس» بالحديث عن كلمات الأوبريتات الغنائية التى كتبها فى الاحتفالات التى حضرها مبارك، بينما ذكر هو فيما بعد أنه قابل الرئيس وأخبره بخطورة مشروع التوريث الذى يُديره ابنه جمال. على مدى عمره الذى ناهز 77 عاما، وعاما إضافيا آخر، هو مدة رحيله عن عالمنا، لم تتوقف اتهامات المُحاباة والتحالف مع السُلطة العالقة حول الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى، دون أن يتحدث الكثير عن مواقفه التى تراوحت بين تأييده للأنظمة التى تعاقبت على حكم مصر منذ ثورة يوليو، وبين الرفض والانحياز للمصرى البسيط الذى كان بطل أغلب قصائده وأغانيه؛ ليبدو الأبنودى «السياسي» ذو المواقف والآراء القوية مُستتراً خلف «الشاعر» الذى تعلقت بكلماته أجيال مُتعاقبة من المصريين. «الخال» الذى عارض نظام عبد الناصر ودخل سجونه فى أشد أعوام قوته، هو نفسه الذى أعلن تقديره للرجل، وأكد زعامته بعد وفاته. علاقة نجيب محفوظ بالسلطة علاقة الأبنودى بالسُلطة التى تشبه «المد والجزر»، تُشبه كثيراً ما فعله الأديب العالمى الراحل نجيب محفوظ مع الأنظمة نفسها، فالخال وأديب نوبل وغيرهما كانوا بدورهم مثل معظم أبناء الشعب المصرى، يشعرون برهبة الحاكم وقدراته الواسعة فى المنح والمنع، والإثابة والإيذاء، وهى ظاهرة فرعونية توارثها الفلاحون المصريون، أبا عن جد، وجيلاً بعد جيل، كما وصف المفكر الكبير جلال أمين شعور الشعب المصرى تجاه حاكمه، هكذا نجد أن كلاهما -محفوظ والأبنودي- وافقا على أن يقفا فى الصباح الباكر فى انتظار لقاء رئيس الجمهورية؛ فعلها محفوظ فى شتاء قارس افتتح فيه مبارك معرض القاهرة الدولى للكتاب -وفى ذلك اليوم بدت انحناءة محفوظ الخفيفة لصانعى النظريات، وكأنها خشية من الرئيس وليس لتوقيره- وفعلها أيضا الأبنودى مع مبارك، بعد أن امتثل لطلب مكتب الرئيس وحضر فى التاسعة صباحاً رغم أنه لا يستيقظ قبل الحادية عشرة، ومن قبله صافح السادات بانحناءة إجبارية للمنضدة الموضوعة بينهما؛ فكلاهما شغل عرش فرعون مصر الذى يجب تقديم الاحترام الواجب له، مهما كانت صفاته الشخصية، أو عيوبه، أو عمره، أو درجة ثقافته، فهو «كبير العائلة» كما كان السادات يحب أن يُطلق ذلك اللقب على نفسه. وعلى الرغم من أن الأبنودى أطلق طوال مشواره من الأشعار والأغنيات أبياتاً حماسية وثورية مليئة بالزخم، إلا أنه ظل طوال مسيرته الشعيرة التى امتدت لعقود، مُعتاداً على أن يُحافظ على رباط وثيق بينه وبين الأنظمة التى تعاقبت على الحكم حتى رحل عن عالمنا فى 21 إبريل من العام الماضى، فقام بالتورية باقتدار -مثل ما فعل محفوظ- فى قصيدته «جوابات حراجى القط»، والتى وإن دعمت فكرة السد العالى، وتحفيز الشعب نحو إتمامه، لكنها فى الوقت نفسه أبرزت مُعاناة الفلاح الذى ترك أرضه وتحول إلى عامل يبنى السد -وجاء هذا الاستنكار على لسان فاطمة زوجة حراجي- بينما كان مباشراً للغاية فى قصيدته «الاسم المشطوب» التى أثارت غضب مبارك، وقبلها «المد والجزر» التى ربما كان السادات ليُعاقبه عليها، إلا أن نهايته الدرامية حالت دون هذا. ورغم قصائده، وتأييده للنظام الذى سبغه عليه البعض، لم يسلم الأبنودى من زيارة سجون نظام يوليو، فصاحبته فترة من الاعتقال «الجميل»، كما وصفه فى حديثه، ولم يبد هذا التأييد فى الحوار الذى صاغه لفيلم «شيء من الخوف» والمأخوذ عن رواية الكاتب الكبير ثروت أباظة التى تحمل الاسم نفسه، والذى أثار أزمة كبيرة، عندما حاول الكثيرون إقناع الرئيس جمال عبد الناصر بأن شخصية «عتريس» ترمز إليه باعتباره ديكتاتوراً، وربما هذا ما كان يقصده أباظة والأبنودى وكاتب السيناريو صبرى عزت، لكن الرئيس بدوره شاهد الفيلم أكثر من مرة وقال «أنا لو كنت زى عتريس وبعمل زيه يبقى من حق الناس يقتلوني». رفض الأبنودى كذلك ما حدث فى نكسة يونيو عام 1967، وكان فى الإذاعة وقتها مع عبد الحليم حافظ لتسجيل أغان لتحفيز الرأى العام، يومها صُدم كلاهما بالحقيقة المُفجعة وهزيمة المشروع الناصرى مع انسحاب الجيش من سيناء، وقد بدأ تأليف هذه الأغنية من وحى اللحظة فى حضور عبدالحليم، وبدأ بعبارة «عدى النهار» حتى وصل إلى عبارة «أبو النجوم الدابلانين» لكنه توقف، فاقترح عليه عبدالحليم عبارة «أبو الغناوى المجروحين»، فاستأنف الأبنودى بعد ذلك التأليف. «وبلدنا ع الترعة.. بتغسل شعرها جانا نهار مقدرش يدفع مهرها.. يا هل ترى الليل الحزين أبو النجوم الدبلانين أبو الغناوى المجروحين يقدر ينسّيها الصباح.. أبو شمس بترش الحنين».. ورغم الهزيمة، لم يتخل الخال عن تأييده للرئيس عبد الناصر حتى لحق به فى العالم الآخر، وكان يرى أن الأزمة تكمن فيمن أحاطوا به وقال فى دفاعه عن الرئيس «لا نستطيع أن ننكر دور الزعيم عبد الناصر.. أما عن المآخذ عليه، فأنا أتخيل نفسى رئيس دولة ومن حولى خمسة آلاف من الشخصيات الأمناء الذين أثق فيهم ويقدمون لى التقارير، هل أنزل بنفسى للتحقق من صحة هذه التقارير.. عندما يصبح هؤلاء الأمناء ليسوا أمناء، فهم خائنون»، وهو من كتب فى رثاء عبد الناصر قصيدته الشهيرة «يعيش جمال عبد الناصر»، والتى ترجع قصتها إلى ما بعد قيام الثورة بعامين عندما واجهت قناسيول دمرت المدينة، وذهب مجلس قيادة الثورة إلى المدينة لمواساة أهلها، وهناك رأى جمال عبدالناصر للمرة الأولى، وذهب إليه مع صديقه أمامه ليسأله «أنت جمال عبدالناصر؟» فردّ بالإيجاب، سأله الخال «ممكن أسلم عليك؟»، فسلم عليه ونظر له نظرة ظلت محفورة فى ذهن الخال، وهى سبب كتابته القصيدة بعد وفاة الرئيس الراحل، كما قال الأبنودى بعد ذلك. «يعيش جمال عبدالناصر يعيش بصوته وأحلامه فى قلوب شعوب عبدالناصر مش ناصرى ولا كنت ف يوم بالذات فى زمنه وف حينه لكن العفن وفساد القوم نسّانى حتى زنازينه.. فى سجون عبدالناصر إزاى ينسّينا الحاضر.. طعم الأصالة اللى فى صوته؟ يعيش جمال عبدالناصر يعيش جمال حتى ف موتُه ما هو مات وعاش عبدالناصر!!».. خمس سنوات مع السادات كان استقبال الأبنودى لعصر السادات هادئاً، وكانت العلاقة بينهما طبيعية، وهى السنوات الأولى التى كتب فيها الخال أغانيه الشهيرة «صباح الخير يا سينا» و«ابنك يقول لك يا بطل» التى غناها المطرب الراحل عبد الحليم عقب انتصار الجيش فى حرب أكتوبر؛ وقبلها كان الرئيس متأثراً كثيراً بقصيدة الأبنودى «وجوه على الشط» التى رصد فيها تجربة الحياة والموت تحت نيران الحرب، مُجسّداً تجربة الفلاحين المصريين على شاطئ القناة خلال حرب الاستنزاف. مبارك مر من هنا استعاد الأبنودى علاقته القوية برأس السلطة مع تولى الرئيس الأسبق حسنى مبارك، فخرجت الكثير من الأوبريتات الغنائية فى حفلات الرئيس من تأليف الأبنودى، ما ساهم فى تدعيم صورة «شاعر الرئيس» أو «شاعر السلطة» التى لا حقته، وقويت هذه الصورة عندما منحه مبارك جائزة الدولة التقديرية عام 2001، واستمرت ما بين شد وجذب، حتى انتهت بسقوط مبارك فى 25 يناير. وكان الخال قد احتك بآل مبارك فى ثلاثة مواقف، أولها كانت بعد أن أعجب الرئيس بأغنية «مصر يا أول نور فى الدنيا»، وطلب مقابلته، واتصل مكتب الرئيس بالأبنودى، وأخبره أن ميعاد اللقاء فى التاسعة صباحًا -وهو الموعد الذى حاول الأبنودى تأجيله لأنه يستيقظ فى الحادية عشرة- ليمتد حواره مع الرئيس لساعات طلب منه فيها فتح المجال للديمقراطية، ورد عليه مبارك «أنا لو ادّيت الديمقراطية بالشكل اللى انت بتقوله مش هعرف أحكم، وآديك شايف حال البلد»؛ والثانية عندما اشتد الحديث حول توريث جمال مبارك للحكم، عندها ذهب إلى الرئيس وطلب منه أن يتصرف «الشعب المصرى عنده جورنال سرّى، ولم يطلق شائعة إلا وتأكد الناس من صحتها فيما بعد.. الناس مش مبسوطة، بناء الكبارى مش كفاية.. تقدر تعمل كتير». مكانش بيبات فيها جعان بعد الأحداث والانتخابات التى أدت إلى تولى جماعة الإخوان الحكم فى مصر، كان الأبنودى صريحاً فى الإعلان عن نظرته السلبية تجاه حكم الجماعة، وكما أيّد ثورة يناير، وطوال العام الذى تولى فيه مرسى حكم مصر، كان الخال من أشد المؤيدين للخروج عليه فى 30 يونيو 2013، وكتب فى ثورة يونيو قصيدة بعنوان «مكانشى بيبات فيها جعان». للفتح يا عبدالفتاح وحتى رحيله عن عالمنا، احتفظ الخال بعلاقة طيبة مع الرئيس عبدالفتاح السيسى، وكان فى مقدمة المثقفين الذين التقوا الرئيس عقب انتخابه، ضمن وفد من المثقفين المصريين، وكان يدعمه بقوة، وكتب للسيسى فى حسابه على موقع التواصل الاجتماعى «تويتر» قائلاً «#تحيا_مصر حَضّن عليها بجناحك، وِاحلم لها بأعزّ صباح، ونام إيديك حاضنة سلاحك، للفتح يا عبدالفتّاح»؛ وفى أيامه الأخيرة كشف عن حديث تليفونى بينه وبين الرئيس للاطمئنان على صحته، حيث أمر بعلاجه ب«القوة» -حسب تعبير الخال- على نفقة الدولة وفى مستشفيات القوات المسلحة».