رحب الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، بقرار نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، سحب قواته الموجودة فى سوريا، معتبرا أنها خطوة على الطريق الصحيح لحل سياسى، وإنهاء العنف والانتقال السلمي للسلطة هناك. واتصل «بوتين» ب«أوباما» هاتفيا وأبلغه بقراره سحب القسم الأكبر من مجموعة من القوات الروسية فى سوريا، كما أصدر «الكرملين» بيانا أكد فيه أن هذا التحرك سيعطى إشارة حسنة لجميع الأطراف المتنازعة، ويهيئ الظروف لبدء عملية السلام على أرض الواقع. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية عودة أولى طائراتها المقاتلة من سوريا إلى قواعد انتشار جديدة فى روسيا، وذلك تنفيذًا لتوجيهات «بوتين» ببدء عملية انسحاب تكتيكية، فى خطوة فاجأت العالم أجمع وأثارت الكثير من التساؤلات والقلق لدى الولاياتالمتحدةالأمريكية وحلفائها حول نوايا موسكو الحقيقية. وذكرت وزارة الخارجية الروسية أن الانسحاب من سوريا يأتى فى إطار حرص موسكو على دعم العملية السياسية هناك، بعد الانتصارات التى حققها الجيش السورى مؤخرا والاطمئنان إلى قدرته على المضى قدمًا فى محاربة الإرهاب بنجاح. واعتبر المراقبون أن ما يحدث يمثل حركة تكتيكية مباغتة من الرئيس الروسي، تهدف إلى إعادة انتشار القوات فى سوريا بعد نشر المعدات اللازمة هناك وإحكام سيطرته على البلاد، من خلال منظومات الأسلحة المتطورة التى نشرها هناك سواء للدفاع الجوى أو طائرات المراقبة والاستطلاع، وسيترك التحالف الغربى ليواجه التنظيمات الإرهابية بعد أن اطمأن على قوة النظام السوري، فضلًا عن تهديد حلف شمال الأطلنطى «الناتو» فى تركيا والسيطرة على الأجواء التركية بالكامل وفرض سيطرة تامة عليها. لكن مع هذا أشار خبراء روس إلى أن القوات الروسية، لن تغادر سوريا بالكامل، وستظل هناك قوات موجودة على الأرض، وستبقى قوات روسية فى قاعدة اللاذقية تحسبًا لأية طوارئ. وقال فيكتور أوزيروف، رئيس لجنة الدفاع والأمن فى مجلس الاتحاد الروسى إن هناك إمكانية لبقاء مجموعة من العسكريين الروس فى سوريا، وفقًا ما نقلته وكالة سبوتنيك الروسية. وتوقع أوزيروف أن روسيا ستترك ما لا يقل عن ألف جندى فى سوريا فى قواعد حميميم وطرطوس، وأفراد من كتيبة خفر السواحل، وعدد من طائرات الاستطلاع. ونوه رئيس اللجنة بأن روسيا ستستمر فى تسديد التزاماتها بتوريد أسلحة ومعدات عسكرية للقوات المسلحة السورية وتدريب خبرائها. وتلقت وسائل الإعلام الغربية قرار «بوتين» بقلق، خوفًا من مفاجأة روسية غير متوقعة، حتى إن المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش إرنست، لم يستطع الإجابة على أسئلة الصحفيين حيال هذا التطور، ولم يكن يملك أى معلومات أو تفاصيل أو ما يمكن أن تفعله روسيا مستقبلًا أو خطط موسكو الجديدة، وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست». ونقلت الصحيفة عن مسئول رفيع بالإدارة الأمريكية، تأكيده أن قرار سحب القوات الجوية الروسية من سوريا «غير واضح»، وتنتظر ششواشنطن «معرفة المزيد عن ذلك فى الساعات القليلة المقبلة». وهو ما تحدث عنه أوباما أيضا، وفقا لمجلة «بوليتيكو» الأمريكية، إذ أكد أهمية الخطوات التالية المطلوبة للتنفيذ الكامل لوقف الأعمال العدائية، بهدف دفع عجلة المفاوضات السياسية لحل النزاع، وعلق بأن «سوريا كانت فى أشد الحاجة إلى الحد من العنف منذ بداية اتفاق وقف الأعمال العدائية». وفى بريطانيا كانت هناك حالة ترقب واستنفار قصوى دبلوماسيًا وعسكريًا لمراقبة الموقف بعد القرار الروسى الخطير، وقالت صحيفة «تليجراف» البريطانية إن القرار المفاجئ الذى أعلنه الرئيس بوتين، استنفر الولاياتالمتحدة والدول الغربية، إضافة إلى مفاوضى النظام السورى والمعارضة المجتمعين فى جنيف لبدء المحادثات. ونقلت عن خبراء عسكريين بريطانيين أنهم يتعاملون بحذر مع الموقف، فكما أنه يعد مؤشرا على رغبة روسية «صادقة» فى إنهاء القتال فى سوريا، إلا أن هناك تخوفا من أنه لن يكون له أثر كبير على إنهاء الضربات الروسية ضد مناطق المعارضة فى سوريا. وقال مايكل هورويتز، المحلل الأمنى مع مجموعة «ليفنتاين»، إن «السؤال الآن هو مدة الانسحاب، وما يعنيه بوتين بالمكون الرئيس للجيش الروسى فى سوريا»، موضحا أنه «إذا لم يكن يعنى المكون الجوي، وإذا استغرق الانسحاب شهورا، فإن هذا لن يغير شيئا على الأرض». يأتى هذا فيما رأت «تايمز» البريطانية أن بوتين قرر الهروب من المستنقع السورى، قبل التورط فيه أكثر من هذا، ونقلت عن محللين بريطانيين تأكيدهم أن «بوتين قرر التحرك والخروج من سوريا لتجنب التورط فى حرب طويلة هناك»، فى حين أنه سيسهم على المدى القصير بدعم جهود السلام، التى ستبدأ اليوم فى جنيف، فى ذكرى مرور 5 أعوام على الحرب السورية، أو قد يحرر روسيا من اللوم فى حال فشل المحادثات. ومن جانبها رحبت ألمانيا بالقرار الروسي، وأعلن وزير خارجيتها فرانك والتر شتاينماير، أنه فى حال انسحبت القوات الروسية بالفعل من سوريا، سيضغط ذلك على الرئيس السوري، بشار الأسد، للتحاور بشكل جدى خلال محادثات جنيف فى سويسرا. وقال «شتاينماير» فى بيان رسمي: «إذا تحقق انسحاب القوات الروسية، فإنه من شأنه أن يضع الأسد تحت ضغوط فى النهاية للتفاوض بجدية حول الانتقال السياسى السلمى فى جنيف، ما سيضمن استمرار الدولة السورية». وكان «بوتين» أعلن فى خطوة مفاجئة خلال اجتماع مع وزير الدفاع سيرجى شويجو ووزير الخارجية سيرجى لافروف، مساء الاثنين 14 مارس، عن قراره بشأن سحب الجزء الرئيسى من مجموعة القوات الجوية الروسية من سورية، معللا ذلك بأن القوات الروسية أنجزت مهمتها فى سوريا. وباشرت مجموعة من القوات الجوية الروسية مهمة مكافحة الإرهاب فى سوريا فى 30 سبتمبر 2015. وحسبما قال وزير الدفاع الروسي، تمكنت مجموعة من القوات الجوية والفضائية الروسية من وقف الإمدادات للتنظيمات الإرهابية فى سوريا. وعلى سبيل المثال، دمرت الطائرات الروسية 209 منشآت نفطية تابعة للتنظيمات الإرهابية فى سوريا، إلى جانب 2912 وسيلة لنقل منتجات النفط. وتمكنت القوات السورية بمساعدة الطيران العسكرى الروسى من تحرير مساحة تزيد على 10 آلاف كيلومتر مربع، و400 بلدة من سيطرة الإرهابيين. وطردت القوات السورية بمساعدة الطيران الروسى الإرهابيين من محافظة اللاذقية والقسم الأكبر من محافظتى حماة وحمص، وفكّت الحصار الذى فرضه الإرهابيون على مدينة تدمر، واستعادت السيطرة على حقول النفط والغاز قرب تدمر. كما قُتل أكثر من ألفى إرهابى أتوا إلى سوريا من روسيا، و17 قائدا لهم فى غارات الطيران الروسى على مواقع المجموعات الإرهابية.