لا يمكن للحريق أن ينطفئ بسهولة، خمسون يومًا أشعلنّ في جسد كل واحد منا حريقه المختلف؛ فكانت "حرائق مدينة آثمة" للكاتبة سماح حسنين التي تحتضن بين ذراعيها وجعًا لا يمكن أن يغادر بسهولة. تحكي الرواية الصادرة عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع للكاتبة سماح حسنين، عن حرب غزة عام 2014، عن الدخان الأسود المجنون العالق على جدران ذاكرتنا مثل وشم يستحيل أن يحدث إلا على يد محتل يدرك جيدا أنه غاصب، وأننا أصحاب حق عنيد، نرفض أن نستسلم ونخرج له دائما من النار سالمين مثل الأنبياء، إلا من جرحٍ غائر نكتشفه فيما بعد. الحرب على غزة – 2014 – غرزت ركبتيها في صدورنا، فما عدنا قادرين على معرفة ما إذا كنا نتنفس حينها أم لا، كبر الرعب فينا، وصار يُهيأ لنا أننا نجرب نفخة صغيرة في الصور نركض بعدها تاركين خلفنا بيوتنا وأحلامنا، بل والأصعب أن نعترف بأن غيرنا ترك جزءً كبيرًا منه، جزءً من لحمه ودمه لا يمكن تعويضه أبدا، قد تكون ساقًا تلك، أو رأسًا، أو ابنًا، أو حضنًا كبيرًا في نظرة عميقة مسكها صاروخ لا يعرف معنى أن يترك وقتًا قليلًا للحب... حين نسقط في الحرب فجأة نشعر بأننا نتضاءل في الحفرة الكبيرة التي تتسع أمامنا، ولا يكون لدينا خيارًا آخر غير الهروب، الهروب المختلف ناحية الاحتمالات الضيقة للحياة غير السوية وغير العادلة - هنا في غزة – نهرب للكتابة عن المشاهد المترفة بالحزن، ينز قاموسنا بصور ومسميات للمفاهيم التي من الصعب أن نستوعب إمكانية تكراراها لدينا نحن الفلسطينيون المجبول تاريخنا بالحروب والنكبات والهجرات، فتكون الأشياء لدينا مضاعفة. في هذا الحريق لم ينتصر من فقد بيته ونزح إلى مدارس الأنروا، لم ينتصر الطبيب ولا الإعلاميّ ولا القائد ولا من فقد ذاكرته. لم تنتصر العيون الشاردة نحو الغد، انتصر الحب فقط، لا يمكننا أن نكذب بشأن ذلك، لأن من فقد ولو حلما بسيطا كان يحوم في مخيلته لم يستطع أن يصفق أو يغني أو يرقص كالمنتصر، وهو في كل خطوة خطاها كان ينهدم أمامه ألف حلم قادم، كأنه كان يسير ليقيس خيبته في مدينة تتعرى للإثم وحده، إثم الدم والألم والتآمر... في الحديث عن المدينة الآثمة كبّ الواقع نفسه فانشق الاندهاش، ونبتت شجرة من حب وسط الحريق، كانت الوحيدة الآمنة، ظللت الروح وكابرت. في كل حرب في كل موت في كل صرخة وفقدان ثمة حب قويّ يدفع دائما نحو الاستمرار، يفرد المشهد الأجمل ويُهديه لبؤرة العتمة الداخلية لتضيء ونعود بمحض الإرادة الكاملة للحلم وللحياة، نحرس وقتنا الطويل وكل ما فيه وحوله من القذائف والصواريخ، نغني للنار المشتعلة كي تنام، ونحتمل الانهيار المؤقت دون أن ننسى مطلقا من حرر الذئب من قفصه وسمح له بالتهام وجه الخرافة وبصقه في وجوهنا؛ لتصبح حقائق الحرب خرافة نرفض تصديقها أو تصديق كل ما جاء فيها لولا أننا عشناها، عشنا الخرافة الحقيقة بطولها وعرضها، بالمشاهد الخائفة التي اختبأت في ذاكرة طبيب فلسطينيّ يحمل في جيبه مبضع وقلب آخر لعاشقة أفقدها الانفجار شهوة معرفة الذات، بالأسرار التي دقت قناعاته وشوش بها نفسه كل الوقت "لن تنتهي الحرب بمجرد أن تنتهي فعلًا" ستبقى طرية، هشة، مبللة تسقط من عينيّ طفل فقد جميع أهله وبقي عالقًا بين كذبة وأخرى، لن تنضج الحرب أبدًا، ستبقى تغلي في قلب أم خطفت غارة مفاجئة ابنها، وظَل جسدها مشدودًا بصدمته كأنه خارج من خدعة تجميلية تمنعه من الانكماش، وتُشهده تحرشًا مقصودًا في طريقة الموت وفكرة الوجود ومعناه. الحريق الذي حدث في هذه المدينة – غزة – وكُتِب لا زال ناشبا، يُطقطق خشبه في الذاكرة بصوت مرتفع، يُعيد رماده نارًا من جديد بطريقة أفظع، يُتمتم في عقولنا مثل نشيد مقدس رفع معه حكايات وأبطال وبيوت وطرق ومدارس، ومستشفيات، ودور عبادة، وأمنيات، وأسئلة لا يمكن أن تصير مجازًا مختصرًا ولا يمكن أن تعود. ضعفت اللغة، فسقط الكلام بين صوت غارة ومشهدها، تعثر الماضي بالحاضر، واختلطت الحياة بجهنم، فكتب الرجل الوحيد عن موته الحيّ، وعن الحب الذي ما استطاع البارود أن يحرقه، وحين أربكه خوفه كان الفقد قد اقترب، مسّته النار قليلًا، وما أن عاند المسافة أكثر حتى انقض عليه الانفجار، وصار قابلا للرثاء، في قلبه.