بعد أعوام من العمل الأكاديمي الطويل، فاجأ شكري المبخوت، وهو الأكاديمي الرصين، والناقد، والأستاذ الجامعي الكبير، الجميع عندما قرر الانتقال إلى الجهة المُقابلة من الإبداع ليُصبح روائيًا، فأصدر روايته "الطلياني" التي تم إعلان فوزها اليوم بجائزة الكومار الذهبي في فرع الرواية العربية، ليُنشئ العميد السابق لكلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة، والذي أصبح رئيس الجامعة الآن، جانبًا جديدًا من سيرته الذاتية التي امتلأت بالعديد من الأعمال. لم يُهمل المبخوت عمله من أجل الرواية، فهو عضو في العديد من هيئات تحرير المجلاّت مثل مجلّة "إبلا" التي يصدرها معهد الآباء البيض بتونس والمجلّة التي يصدرها مركز الدّراسات العربيّة التّابع لجامعة بوخارست برومانيا، وله مشاركات عديدة في الندوات العلمية، ومقالات منشورة، وإسهامات في التأليف المدرسيّ، ومعالجة لقضايا تربويّة وتعليميّة شغلت المجتمع التونسي؛ وكان هذا ما جعله يُزيح موهبته الروائية جانبًا لسنوات طويلة انهمك فيها بأبحاثه وعمله الأكاديمي، فوضع العديد من المؤلفات في النقد الأدبي؛ حيث أصدر كتابي "جمالية الألفة" و"سيرة الغائب، سيرة الآتي لأيام طه حسين"، وقدّم عددًا من الترجمات أبرزها كتاب "الشعرية" للمفكر البلغاري الفرنسي تزفيتان تودوروف، "المعجم الموسوعي للتداولية"، و"دليل المؤلف وكاتب السيناريو"؛ فأفادته تجربة العمل البحثي عندما برز الجانب الروائي منه وبدأ في التعامل مع تقنيات السرد. وهكذا أخرج لنا المبخوت روايته "الطلياني" التي تحكي عن قيادي سابق في الاتحاد العام لطلبة تونس، وزير نساء، هو عبد الناصر، الذي يبدو نموذجا لمن أطلق عليهم كارل ماركس "جذور البطاطا"، والذين لفظهم المجتمع ورماهم في الهامش لكنهم دخلوه من باب آخر وخطفوا منه الأضواء عنوة؛ وجاءت الرواية مليئة بالوصف الإيروسي الذي يتناسب مع طبيعة شخصية مثل عبد الناصر، مع تنوع مواضيع السرد وتداخلها في الوقت ذاته، ليتنقل القارئ بين الخط الأساسي للحكاية والتفاصيل اليومية للمجتمع، فتُظهر الرواية تفاصيل من المطبخ التونسي، لكنها في الوقت نفسه تغوص في أحداث فارقة في تاريخ تونس، وهي السنوات الأخيرة من حكم الرئيس بورقيبة وما أعقب ذلك من انقلاب النظام عليه، وهي فترة ثرية بتحولات نفسية ضخمة داخل المجتمع التونسي.