تسعي السلطة الفلسطينية للحد من الاضرابات الاجتماعية في الضفة الغربية التي دخلت اسبوعها الثاني من خلال تدابير لاحتواء ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمطالبة بتعديل اتفاقية باريس الاقتصادية مع إسرائيل. فبعد الاحتجاجات الشعبية الفلسطينية التي اجتاحت مدن الضفة الغربية احتجاجا علي الغلاء وارتفاع الأسعار وأزمة الرواتب، أخذ الأمر يزداد سوءا مع دخول العام الدراسي الجديد، فبعد انتهاء أزمة الشهر وهي المهلة التي أعطاها الموظفون الحكوميون لرئيس الوزراء، ولم يحدث فيها أي تقدم أعلنت نقابة الموظفين الحكوميين أنها قد تعلن عن إضراب مفتوح خاصة أن الحكومة الفلسطينية لم تقدم إجابة شافية حول رواتب الشهر الماضي وقالت إنها لن تدفعها كاملة علي أي حال.. وتمرالسلطة الفلسطينية بأزمة مالية منذ عامين لكنها آخذة في التفاقم شهرا بعد شهر حتي اضطرت أخيرا إلي تجزئة الراتب إلي 3 دفعات، ولم تسدد ما عليها من ديون والتزامات للقطاعات المختلفة، وإذ يبلغ حجم العجز المالي الحالي أكثر من مليار دولار. وبعد شهور من الصبر لم يتقبل الموظفون أعذار الحكومة بشأن الأزمة المالية في ظل الغلاء الكبير الذي ضرب الضفة الغربية هذا العام، الأمر الذي حرك الفلسطينيين إلي الشوارع يهتفون ضد الحكومة والسياسات المالية والاقتصادية والاتفاقات السياسية. لقد بدأت أزمة الحكومة الفلسطينية قبل عامين بسبب توقف دول عربية عن دعمها للسلطة ومن ثم ازدادت الأزمة بعد احتجاز الولاياتالمتحدة أموالا مخصصة لدعم السلطة بقرار من الكونجرس عقابا لها علي توجه الرئيس الفلسطيني للأمم المتحدة وطالما قال أبومازن إنه يواجه حصارا ماليا بسبب مواقفه في الأممالمتحدة، والشهر الماضي لم تحصل السلطة علي دعم كاف من مؤتمر المانحين في نيويورك وعاد وزير ماليتها نبيل قسيس بخفي حنين. إن الأزمة الحقيقية تكمن في عدم وجود آفاق لمعونات ولا حتي وعود، يضاف إلي ذلك الصورة القاتمة التي رسمها وزير المالية للوضع المالي الفلسطيني الذي سيستمر ويتجه للأسوأ إذا لم تحصل السلطة علي المعونات وكانت السلطة الفلسطينية قد طلبت مؤخرا منحة من صندوق النقد الدولي بقيمة 400 مليون دولار وتفكر أيضا في الاستدانة من البنوك لسد بعض العجز المالي الذي فاق المليار دولار وتحتاج السلطة لنحو 150 مليون دولار شهريا تحصل علي 100 مليون منها من إسرائيل كمستحقات ضريبية. كان الرئيس محمود عباس قد أيد المظاهرات الشعبية الموجهة ضد الغلاء والبطالة والفقر قائلا: "إن للشعب أن يقول ما يريد"، غير أنه لم يقدم أي حلول للمأزق الحالي مرجعا وضع السلطة المتدهور ماليا إلي حصار تمارسه أطراف عديدة متهما بعضها (دولا عربية) باتخاذ قرار بعدم الدفع وبعضا آخر باستخدام الأموال في المساومة: في إشارة إلي الولاياتالمتحدةالأمريكية وإسرائيل. الولاياتالمتحدة كانت قد هددت الأمين العام للأمم المتحدة أكثر من مرة بأنها ستوقف مساعدتها للأمم المتحدة إذا قررت قبول فلسطين دولة غير عضو هذا التهديد.. أفزع الأمين العام للأمم المتحدة الذي اجتمع مع الرئيس محمود عباس وأبلغه بفحوي التهديد الأمريكي. لقد طلبت السلطة الفلسطينية رسميا من إسرائيل إعادة التفاوض حول اتفاقية باريس الاقتصادية وإدخال تعديلات عليها.. هذا التحرك جاء بعد يوم من خطاب الرئيس عباس (أبومازن) الذي حمل فيه الاحتلال الإسرائيلي مسئولية الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعاينها السلطة الفلسطينية لأن هذه الاتفاقية غير منصفة وتحتوي علي قيود تؤثر علي الاقتصاد الفلسطيني وتمنع تطوره. غير أن هناك ثلاثة أسباب لموجة الاحتجاجات الراهنة في الضفة الغربية تتمثل في: فشل عملية السلام وفشل المصالحة والأزمة الاقتصادية وتقول وكالات الأممالمتحدة وخبراء اقتصاديون فلسطينيون إن إسرائيل تتبع أسلوبا انتقائيا في تطبيق الملاحق الاقتصادية لاتفاق أوسلو المؤقتة للسلام التي وضع اطرها العامة بروتوكول باريس لعام 1994 بما يخدم مصالحها في الغالب. لقد تفاقمت الأزمة المالية التي تعاينها السلطة الفلسطينية التي تعتمد علي الدعم الخارجي بسبب انخفاض المساعدات من الغرب ودول الخليج إذ يحدد بروتوكول باريس مشروعا اقتصاديا لوحدة جمركية بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية، ويربط ضريبة القيمة المضافة بمعدلاتها في إسرائيل البالغة حاليا 17% وهو ما يمنع فعليا من تخفيضات كبيرة في الأسعار في بالضفة الغربية. وفي ضربة أخري للاقتصاد الفلسطيني لم يتم تنفيذ بنود أخري تتيح للفلسطينيين إبرام اتفاقات منطقة تجارة حرة مع دول أخري تسمح بدخول الأسواق الإسرائيلية وتقوم إسرائيل بموجب الاتفاقية بجمع الضرائب لصالح السلطة وتشكل هذه الضرائب ثلثي موازنتها وتستخدم الحكومة الإسرئيلية هذا البند للضغط علي السلطة الفلسطينية. لقد وصلت الاحتجاجات السلمية الفلسطينية علي غلاء الأسعار وتردي الأوضاع الاقتصادية لمنعطف جديد بعدما شل اضراب عام لنقابات النقل العام الحياة في الضفة الغربية، وتوقفت الحياة تماما مع توقف جميع وسائل النقل.. هذا التصعيد أقلق إسرائيل من تعاظم الاحتجاجات الشعبية ضد السلطة الفلسطينية خشية أن يتطور الوضع إلي إقالة رئيس الحكومة سلام فياض، الأمر الذي من شأنه ضرب استقرار السلطة، أو حتي اندلاع انتفاضة ثالثة ضد إسرائيل وزعزعة مكانة حركة فتح في الضفة الغربية إلي درجة انهيارها ورغم ذلك ترفض إسرائيل تعديل اتفاقية باريس التي تنظم العلاقات الاقتصادية بين الحكومتين الفلسطينية والإسرائيلية واعتبرت أن الفلسطينيين يحرضون عليها من كل منبر في الأممالمتحدة والمجتمع الدولي.