دخل العدوان الأمريكي - الإسرائيلي علي قطاع غزة أسبوعه الثاني ويرجح أن يستمر إلي فترة زمنية محدودة علي رغم أن وزير الدفاع ايهود باراك أعلن في مؤتمر صحفي أن العملية مفتوحة إذا اقتضت الضرورة العسكرية، انفتاح العملية مسألة مستبعدة لأن المواجهة محكومة بالجغرافيا التي تفرض شروطها الميدانية. وبسبب ضيق المساحة الجغرافية وكثافة السكان والظروف الحياتية التي تتحكم بأهالي القطاع يرجح ألا يستمر العدوان إلي مدة زمنية مفتوحة. المسألة لا تقتصر علي الوقت والجغرافيا وإنما هناك مجموعة عوامل لوجستية تلعب دورها في تحديد مسار العدوان، فهناك احتمال أن تقتصر العملية العسكرية علي الضربات الجوية بهدف تقطيع أوصال القطاع كما حصل خلال العدوان الأخير علي لبنان، وهناك احتمال أن تكتفي تل أبيب بتسجيل اقتحامات محدودة علي القشرة بقصد دفع المقاتلين إلي الداخل، وهناك احتمال أن تتدحرج العملية ويتحول العدوان إلي معركة شاملة تستهدف تحطيم البني التحتية والسكانية تمهيدا لإعادة الاحتلال. الاحتمالات مفتوحة ولكنها في النهاية محكومة بالجغرافيا والمدة الزمنية ومدي استطاعة حكومة ايهود أولمرت تحقيق أهدافها المعلنة، تل أبيب حددت الغاية من العدوان بنقطة واحدة، وهي وقف إطلاق الصواريخ، وهذا يعني أن العملية ستستمر حتي يتوقف انطلاق الصواريخ من غزة، في المقابل أكدت الفصائل الفلسطينية العاملة في القطاع عزمها علي الرد والتصدي وتوسيع رقعة المواجهة ونقلها إلي الأراضي المحتلة في العام 1948. بناء علي هذه المعطيات يمكن توقع انعطافات في المعركة إذا نجحت الفصائل الفلسطينية في إنزال ضربات موجعة في قوات الاحتلال أو إذا استطاعت القيام بعمليات داخل المدن الإسرائيلية، وفي حال حصول مثل هذه الانعطافات في المواجهة تصبح حكومة أولمرت في موقف صعب لأنها تكون خسرت المعركة معنويا وبدأ الرأي العام الإسرائيلي ينقلب عليها مما يؤدي إلي جرجرتها إلي المحاكمة بتهمة التقصير والاخفاق من جديد. حتي الآن تبدو المعركة في بداياتها، تل أبيب لجأت إلي الخداع ونجحت في توجيه ضربة عسكرية غادرة في الساعات الأولي ثم انكفأت إلي سياسة الاغارة أو القصف عن بعد، وهذا في العلم العسكري يشكل نقطة تراجع وبداية انكفاء عن زخم الموجة الأولي، بعد أن تلاشت مضاعفاتها، المفاجأة الاستراتيجية أخذت مداها الأقصي في الساعات الأولي والآن جاء دور الفصائل الفلسطينية لتظهر قدرتها علي الرد وتوجيه ضربة غير متوقعة. مسألة الرد الفلسطيني مرهونة بالقدرة البشرية في اعتبار أن المدي الجغرافي للصواريخ وكثافة النيران ونوعية الأسلحة محسومة لمصلحة الجانب الإسرائيلي الذي يمتلك أدوات وتقنيات تسمح له بالسيطرة علي الأجواء والمياه الإقليمية والتحكم بالمداخل والمعابر وقشرة الحدود، إذا فشلت الفصائل الفلسطينية في الرد النوعي واستخدام القوة البشرية لتعديل ميزان القوة يصبح القطاع في حكم الساقط عسكريا نظرا لظروفه الحياتية وكثافته السكانية وضيق مساحته الجغرافية، فهذه العوامل الثلاثة تلعب لمصلحة تل أبيب لأن القطاع محاصر ولا يمتلك العمق الجغرافي الذي يوفر للمقاتلين الدعم اللوجستي كما هو حال لبنان خلال عدوان صيف 2006. لا شك أن تل أبيب استفادت من عنصر المفاجأة ونجحت في تضليل قيادة "حماس" وسجلت ضدها ضربة استباقية مؤذية، كذلك اختارت التوقيت المناسب لعدوانها مستفيدة من التغطية الأمريكية التي اتهمت "حماس" بالاستفزاز وحملتها مسئولية البدء في معركة الصواريخ، والموقف الدولي الذي صدر في قرار مجلس الأمن أشار إلي ضرورة "وقف عمليات العنف" لم يختلف كثيرا عن الولاياتالمتحدة حين ساوي بين العدوان والصواريخ المحلية الصنع. والعامل الدولي الأمريكي لايزال يعمل لمصلحة "إسرائيل" إلا أنه لن يستمر طويلا إذا واصلت حكومة أولمرت عدوانها تحت شعارات مفتوحة علي الزمن. فعامل الوقت محدود بالأيام وليس بالأسابيع أو الأشهر كما تحاول تلك أبيب الايحاء بذلك باعتبار أن ذريعة "الصواريخ" لا يمكن لها أن تستمر من دون نقد ونقاش في تبرير العدوان إلي مدة مفتوحة أيضا هناك العامل العربي الذي بدأ يتحرك علي أكثر من صعيد ويرجح أن يتطور في الأيام المقبلة ليشكل قوة ضاغطة اقليميا ودوليا لكبح جماح العدوان الإسرائيلي. خارج السقف الدولي العربي تبدو الأمور متأرجحة ومتقلبة بين الوضوح والغموض، فلسطينيا لا تستطيع السلطة تطوير موقفها من دون دعم عربي قوي ومتماسك نظرا للظروف الصعبة التي تمر بها الضفة، ومصريا لا تستطيع القاهرة تجاوز الاتفاقات الدولية الموقعة بشأن الوجود العسكري في سيناء أو معابر الحدود المتصلة بغزة وأردنيا لا تستطيع عمان التحرك خارج نطاق الخط الدولي الفاصل الذي نصت عليه اتفاقات وادي عربة، وسوريا لا تستطيع الخروج علي اتفاقات الهدنة في الجولان وخصوصا أن دمشق حددت قبل أسبوع أولوياتها بأنها تبدأ بتطوير المفاوضات مع "إسرائيل" إلي درجة أعلي وبإشراف أمريكي وإيران حليف سوريا الاقليمي تبدو في موقف ضعيف وغير قادرة علي التحرك وتنتظر عملية التسلم والتسليم في واشنطن لتبدأ اتصالاتها المباشرة والعلنية مع الولاياتالمتحدة. كل الدول المحيطة بفلسطين وصولا إلي إيران تعتمد مجموعة أولويات لا تتناسب مع حاجة "حماس" وظروف القطاع حتي الاطراف التي تؤيد اطلاق الصواريخ تمر بظروف حادة لا تسمح لها بكسر برنامج أولوياتها في مرحلة دولية انتقالية تحتاج إلي فترة زمنية للاستقرار. إن العدوان الذي دخل أسبوعه الثاني واحتمال تدحرج الحرب تبدو محدودة ومشروطة بعوامل الزمان والمكان..!.