لا يحتاج الامر الي برهان للتأكيد علي ان اسرائيل بطبيعة الحال هي المستفيد الاول والمباشر من أي اقتتال داخلي ولو محدوداً بين الفصائل الفلسطينية لكن المستغرب فعليا الا تكبح حركتا حماس وفتح جماح ما بينهما من خلفيات التوتر والتي ربما تعود لفترة بدء عملية التسوية السلمية منذ اوائل التسعينيات في وقت احوج ما يكون اليه الفلسطينيون الي اعادة بناء غزة والانطلاق من غزة المحاصرة لا المحررة الي وضع استراتيجيات وطنية لاسترجاع الحقوق الفلسطينية. بين المد والجذر يعيش المجتمع الفلسطيني الغزي بالذات حالة من الاحتقان وعدم الاستقرار في ضوء الفلتان الامني الذي يعيشه القطاع والاتهامات المتبادلة بين فتح وحماس بمسئولية كل منهما عما آل عليه الحال فلا يكاد يمر يوم دون احداث مؤسفة تقع هنا او هناك وتشير اصابع الاتهام المتبادلة بين فتح وحماس كل للآخر، آخر هذه الاتهامات جاء بعد اغتيال العميد جاد التايه واربعة من معاونيه قبل نحو اسبوعين ادي الي عودة المشاحنات والمناوشات والتصريحات النارية بين الطرفين حيث اعلنت حركة فتح ان الرئيس محمود عباس امهل حركة حماس اياماً معدودة لتسليم المتورطين في اغتيال مسئول العلاقات الدولية في جهاز المخابرات العامة وان عباس غضب غضبا شديدا عندما ابلغ أن من اغتال التايه واربعة من ضباط جهاز المخابرات العامة هم مجموعة من حماس كما طالب عباس هنية بتسليم المشتبه فيهم من حماس للتحقيق معهم بعد عودته من جولته التي تشمل نيويورك والقاهرة وقرر عباس تجميد المحادثات والاتصالات مع حماس حتي يتم تسليم قتلة التايه ورفاقه. الرسالة التي وجهت لهنية ووزير الداخلية سعيد صيام تتضمن اسماء المشتبه بهم بالتورط في قتل العميد التايه والاسباب التي ادت الي اغتياله بسبب دوره المفترض في التحقيق فيما بات يعرف بقضية تهريب حماس اسلحة الي الاردن قبل اشهر وتتهم حركة فتح قياديا في حماس مقيما في الخارج وقياديين من الحركة من الداخل بأنهم وراء قرار تصفية التايه. وقد جاء رد حركة حماس اكثر قوة وعنفاً في قضية الاغتيال بعدما اطلق عدد من قادة الحركة تصريحات كثيرة تنفي مسئولية الحركة عن جريمة اغتيال التايه ورفاقه وصعدت الحركة من لهجتها واتهمت شخصيات قيادية رفيعة المستوي في جهاز امني فلسطيني معروف بالوقوف وراء اغتيالهم وحذرت من التمادي في اتهامها ومجاهديها الذي سيضطرها علي حد قولها الي وضع كل الحقائق امام الشعب الفلسطيني وفضح كل المتورطين العابثين بوحدته ومصيره ودمائه علي رؤوس الاشهاد. لقد عللت حركة حماس عدم كشفها عن الحقائق المتوافرة لديها حتي الان في جريمة الاغتيال جهارا استجابة للمصلحة الوطنية العليا التي تقتضي الابتعاد عن توتير الاجواء وتوفير المناخات الملائمة لانجاح تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. ويبدو ان سلسلة التوترات هذه لن تنتهي عند حد او سقف فبعد اعتراض موكب هنية رئيس الوزراء امام المجلس التشريعي من كل الموظفين الذين لم يتقاضوا رواتبهم لاكثر من ستة اشهر قال هنية في لهجة تحذيرية امام الالاف من انصاره ان صبر الحكومة وحماس وتحملها علي ما يجري ليس من موقع الضعف وحذر جميع الاطراف في الداخل والخارج التي تقف في صف المؤامرة ضد الحكومة واضاف في لهجة تهديد ان حركة حماس ليست ضعيفة وخياراتها واسعة ومختلفة وانها لن تتحول الي ارانب بسبب كرسي أو منصب فالحركة مجموعة من الاسود التي تقود الشعب الي بر الامان. لكن الامر لم يتوقف عند هذا الحد فقد تواصلت حلقاته بعد الاعتداء الذي طال المؤسسات الصحفية ومنها مكتب وكالة الانباء الفلسطينية "وفا" التابع للرئيس محمود عباس الامر الذي ألقي بظلال الشك وتوجيه اصابع الاتهام الي حماس مرة اخري. هذه التداعيات يبدو انها ستكون الشرارة التي ستشعل فتيل الصدام القادم بين فتح وحماس خاصة ان المأزق الذي تجد الحركتان نفسيهما داخله يكاد يكون وصفا طبيعيا اذا ما تم تداركه فالسلطة ممثلة في حركة فتح تدافع عن مكانتها كحزب حاكم ولها صفة التفرد التي يجب ان يحترمها الاخرون وحماس تري من حقها بعد الانسحاب الاسرائيلي من غزة ان تصبح شريكا كاملا للسلطة في اتخاذ القرارات الرئيسية وبين هذا وذاك اختلاف واجتماع ونقطة للالتقاء والتوازن لم يعمل الطرفان للوصول اليها حتي اليوم خاصة ان كل طرف يحاول كشف ضعف الطرف الثاني وان كانت ادعاءات كليهما صحيحة فليس هناك حل وسط بين الطرفين والطريق امام الصدام مفتوح وهذا ما حدث بالفعل ويبدو ان صمام الامان الوحيد الذي يمكنه منع الاقتتال هو بناء بديل ثوري مرتبط بالمصلحة الوطنية وبرنامج لا يكون مؤسسا علي الفساد او برنامج اسلامي يقدم الانتحار كسلاح استراتيجي.