الثورة القرغيزية كان من المقرر أن يجتمع مكسيم باكاييف نجل رئيس جمهورية فرغيزستان ووريثه مع المسئولين الأمريكيين في واشنطن وأن يلقي كلمة في منتدي اقتصادي هناك يوم الخميس الماضي، ولكن الاجتماع تأجل إلي أجل غير مسمي. فقد اندلعت ثورة شعبية في قرغيزستان واقتحم المتظاهرون البرلمان ورئاسة الحكومة واشتبكوا في معارك في الشوارع مع قوات الرئيس كرمان بك باكييف واستولوا علي السلطة. ولما كان رئيس النظام الحاكم قد اشتهر بأنه طاغية وديكتاتور دموي، فقد أصدر الأوامر لقواته بإطلاق النار «في المليان» علي المظاهرات، مما أدي إلي استشهاد 79 مواطنا علي الأقل وإصابة أكثر من ألف بجراح وهذا هو السبب في أن المتظاهرين الغاضبين ضربوا وزير الداخلية حتي الموت. كانت الولاياتالمتحدة تساند نظام حكم باكييف رغم الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وعمليات الاعتقال والقتل للمعارضين والصحفيين وإغلاق الصحف وتزوير الانتخابات، بشهادة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وإقامة المحاكمات لزعماء المعارضة. وساندت واشنطن باكاييف وهي تعلم أن عائلته، والمقربين منها، قد احتكرت كل موارد وثروات البلاد في جو من الفساد علي كل المستويات واستغلال السلطة وسيطرة الأقارب علي المناصب الحكومية الحساسة في كل فروع الاقتصاد. هذا.. في بلد من أفقر دول منطقة آسيا الوسطي، يعيش ثلث سكانه تحت خط الفقر، ولا يتجاوز المتوسط الشهري للفرد 130 دولارا، إنها الدولة رقم 143 في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي. وكانت الشرارة التي أشعلت الثورة هي ذلك الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية ورفع أسعار المياه والغاز. الآن تشعر واشنطن بالقلق علي مصير قاعدة «ماناس» العسكرية الأمريكية في قرغيزستان، وهي القاعدة التي كان الرئيس المخلوع قد تعهد لمواطنيه بإغلاقها ثم غير موقفه بعد زيادة الإيجار الذي تدفعه أمريكا مقابل استخدامها ثلاثة أضعاف إلي 600 مليون دولار سنويا.. يصب معظمها في جيوب العائلة الحاكمة بدلا من خزائن الدولة! وبدون هذه القاعدة ستحرم أمريكا من المعبر الرئيسي لأفغانستان. أما الروس فقد أرسلوا وحدتين من قوات المظلات لتعزيز وجودهم في القاعدة الروسية «قاند» التي توجد أيضا في الأراضي القرغيزية، والحاصل أن روسيا تكسب الكثير، وأمريكا تخسر الكثير نتيجة الثورة القرغيزية التي تعني نهاية ما سمي ب «ثورة الزنبق» هناك بعد نهاية «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا.. وكلها كانت ممولة من الأمريكيين ضمن مجموعة «الثورات الملونة»!. وحتي إذا أبقت الحكومة الجديدة في قرغيزيا علي قاعدة «ماناس».. فإن الخبراء الأمريكيين أنفسهم يعترفون بأن عمر هذه القاعدة لم يعد طويلا، وقد تسري هذه التكهنات علي مجمل الوجود الأمريكي في المنطقة.