رغم اعتقاد كثير من المراقبين, أن ماكرون يحظى بالفرص الأرجح للحصول على دورته الثانية في رئاسة الجمهورية الفرنسية, وهو ما أوضحته نتائج الدورة الأولى من الانتخابات بحصول ماكرون على نسبة 27% من الأصوات, في مقابل 24% من الأصوات لصالح مارين لوبان ممثلة الحركة اليمينية المتطرفة, وحصول ميلانشون, المرشح اليساري على 21% من مجمل الأصوات. وهذا الفارق في التصويت بين ماكرون ولوبان, متوقع منه أن يزيد لصالح ماكرون في دورة الإعادة, بعد أن تعمل حملة ماكرون الانتخابية لحشد عموم الناخبين في مواجهة الخطاب اليميني المتطرف الذي تتبناه لوبان, فلا يزال المزاج العام لعموم الفرنسيين غير متوافق مع الطرح اليميني المتطرف الذي تقدمه لوبان ونظرائها اليمينيين مثيل إيريك زمور وفاليري بيركيس. احتمالية فوز لوبان لا تزال ضعيفة, لكنها ليست مستحيلة على أية حال. قلق من اليمين فوصول لوبان للمرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية واحتمالية وصولها للمقعد الرئاسي يثير القلق لدى العديد من الأطراف المحلية والدولية, فإذا نجحت لوبان في الحصول على أصوات مرشحي اليمين الذين لم يحالفهم الحظ في الدورة الأولى, الذين حصلوا مجتمعين على نسبة 14% مضافين على النسبة التي حصلت عليها لوبان, 24%, يكون للوبان فرص تقترب من تحقيق الفوز, خصوصًا في ظل العزوف النسبي عن المشاركة الانتخابية, حيث لم تجتز نسبة المشاركين في الانتخابات من مجمل الناخبين أكثر من 60%. فإذا لم تزد نسب المشاركة في الدورة الثانية عبر مشاركة الناخبين المعتدلين فيها, ونجحت لوبان في حشد مجمل المتحمسين للخطاب اليميني المتطرف, تصبح فرصها في النجاح واردة. روسيا ولوبان احتمالية فوز لوبان تزيد من تركيز وانتباه عواصم أوروبا والولايات المتحدة, حيث يثور التساؤل ما إذا كان فرنسا ستظل حليفًا يُعتمد عليه في الحرب ضد بوتين على خلفية الأزمة الأوكرانية. من المحتمل أن تُعقد مناظرة بين المرشحين في 29 أبريل القادم, حيث ستسعي لوبان لتحسين من أدائها الذي اتسم بالضعف في الانتخابات السابقة منذ خمسة أعوام. فيما يتعلق بحلف الناتو, أطلقت لوبان صافرة الإنذار بعد أن أعلنت عن نيتها في الانسحاب من الناتو الذي " يورط فرنسا في الصراعات التي لا تخصها". هذا الإعلان يثير القلق- رغم إدانة لوبان للتدخل العسكري في أوكرانيا- حيث حظت بعلاقات حميمية مع الكرملين مكنتها من الحصول على تمويل لحملتها من أحد البنوك الروسية. الاتحاد الأوربي يترقب فإذا تفوقت على ماكرون في هذه الانتخابات, رغم كون هذه الاحتمالية مستبعدة, فهي ستصيب كثير من الضرر لمنظومة عمل الاتحاد الأوروبي, مع أن حزبها, التجمع القومي, قد سحب اقتراحه بانسحاب فرنسا من الاتحاد الأوروبي, ظلت لوبان أحد أهم الأصوات الفرنسية المعادية لمنطقة اليورو, حيث تهدف إلى تقليص مساهمات فرنسا مالية في الاتحاد الأوروبي لصالح ائتلاف مع دول مثل هنغاريا وبولندا, التي يديرها سياسيون ينتمون لنفس الاتجاهات المتطرفة التي تتبناها لوبان. وهناك مقترحات خرجت من حملة لوبان تتناقض مع مبادئ الاتحاد الأوروبي الخاصة بحرية الحركة بين البلدان الأوروبية, مما يثير القلق من كون لوبان تهدف بشكل مستتر أن تُخرج فرنسا من الاتحاد الأوروبي, فلوبان تريد أن تزيد من أعداد القوات التي تحرس حدود فرنسا مع الدول المجاورة بحجة زيادة المراقبة على البضائع, بالإضافة لرغبتها في إعادة التفاوض حول اتفاقية منطقة الشنجن, التي وصفتها بأنها اتفاقية غير قابلة للتطبيق. قال ماكرون أمام حشد من المؤيدين أثناء الهتاف والتلويح بالأعلام" الأسبوعين المقبلين حاسمين لبلدنا ولأوروبا". وبعد إعلان النتائج، تجمهر أنصار لوبان للهتاف مساء الأحد "سنفوز". وفي خطاب لوبان إلى مؤيديها, ركزت بقوة على قضايا الهوية, ومخاوف فقدان سيادة فرنسا وتكلفة المعيشة, ووعدت بأن تكون "رئيسة لجميع الشعب الفرنسي." تعزز نتائج هذه الانتخابات الفكرة الرائجة أن فرنسا تجاوزت الانقسام التقليدي بين اليسار واليمين الذي هيمن على سياسات ما بعد الحرب العالمية الثانية، لتتجه نحو معركة بين القوميين المناهضين للهجرة، وتمثلهم لوبان، ضد التقدميين المؤيدين لأوروبا المنفتحين على العولمة. من سيفوز يتنافس كل من ماكرون ولوبان في الحصول على الدعم من جان لوك إم ميلانشون من أقصى اليسار، الذي جاء في المركز الثالث في الجولة الأولى بنسبة تصويت بلغت 21.9 %. ويبدو أن ناخبيه منقسمون حول من سيدعمون في الجولة الثانية من التصويت. وفقًا لاستطلاعات الرأي الأخيرة من مؤسسة إبسوس، فإن نصف ناخبي ميلانشون ليس لديهم تفضيل بين لوبان وماكرون، في حين أن النصف الآخر منقسم بين ماكرون ولوبان، مع تفضيل ماكرون. فيما دعا ميلانشون الناخبين إلى عدم الإدلاء بأصواتهم لصالح لوبان في الجولة الثانية, لكنه لم يصل إلى حد تأييد ماكرون تأييدًا واضحًا."علينا أن نختار بين شرين فظيعين بالنسبة لنا وليسا من نفس الطبيعة"، هكذا قال في خطاب اعترافه بالهزيمة. مضيفًا "كل واحد منكم سيواجه ضميره"، مكررًا في وقت لاحق عدة مرات: "يجب ألا نعطي صوتًا واحدًا لمارين لوبان". وعلى مضض، ألقى العديد من المنافسين الآخرين بثقلهم على الفور داعمين لماكرون في الجولة الثانية، بمن في ذلك فاليري بيكريس من الحزب الجمهوري المحافظ، وعمدة باريس آن هيدالغو من الحزب الاشتراكي ويانيك جادون من حزب الخضر. الفرصة الأقرب للوبان هذه الانتخابات هي الأقرب إلى حصول عائلة لوبان على فرصة لإدارة فرنسا. في عام 2002، أطاح جاك شيراك بسهولة بوالد لوبان، جون ماري لوبان، بنسبة 82 % من الأصوات في مواجهة كانت تهدف إلى حماية القيم الفرنسية بتعبيرات لوبان الأب. في عام 2017، خسرت لوبان أمام ماكرون بحوالي 34% من الأصوات، وهي نسبة أفضل بكثير من التي حصل عليها والدها. هذه المرة، يشير استطلاع بوليتيكو لاستطلاعات الرأي إلى أنها يمكن أن تحصل على ما يصل إلى 47 % من الأصوات في 24 أبريل القادم. تشن لوبان حملة دءوبة منذ شهور وتقوم بجولة في القرى والبلدات الصغيرة بنفقات منخفضة التكلفة حاولت خلالها الوصول إلى الفرنسيين العاديين، وقد ثبت أن تركيزها المبكر على قضايا تكلفة المعيشة جاء في الوقت المناسب, حيث ضرب التضخم وزيادة تكاليف الوقود ميزانيات الأسر الفرنسية. وتعد لوبان، التي تصور نفسها على أنها بطلة للفقراء والمضطهدين ضد النخب الفاسدة، "بإعادة ثروات النخب للفرنسيين" من خلال مجموعة من المقترحات السخية, تتضمن خفض ضريبة الدخل على الشباب وخفض ضريبة القيمة المضافة على الوقود، وهي إجراءات لا بد لها أن تجذب أولئك الذين دعموا احتجاجات السترات الصفراء في عامي 2018 و 2019 ضد الضرائب على الوقود. سيكون التحدي الذي تواجهه هو إقناع الناخبين، وخاصة الناخبين المحافظين، بأن مقترحاتها الاقتصادية مستدامة ولا تتعامل مع الأزمة بشعبوية. تكلفة المعيشة وفي الوقت نفسه، يُنظر إلى ماكرون على أنه يتبع نهجًا استعلائيًا في الانتخابات، حيث أعلن ترشحه الشهر الماضي فقط، ورفض المحاورة والتناظر مع المرشحين المنافسين. كما تم اتهامه بمحاولة جذب رأس المال السياسي عبر جهوده الدبلوماسية لوقف الحرب في أوكرانيا, وهو ما تعثر بعد الكشف عن أن حكومته أنفقت الملايين على رسوم شركة استشارية في شئون الحملات الانتخابية. وسعيًا لانتزاع تأييد بعض ناخبي لوبان الذين دعموها لسياستها الاقتصادية، وعد ماكرون مساء الأحد بالوفاء بقضايا تكلفة المعيشة التي حاولت لوبان احتكار الحديث عنها. "الخطة الوحيدة لتحسين القوة الشرائية للفرنسيين هي خطتنا!"قال ماكرون. يأمل مؤيدو ماكرون أنه على الرغم من هذه الاضطرابات الأخيرة، فإن سجله الحافل في إدارة جائحة كوفيد-19 ودفعه الانتعاش الاقتصادي في فرنسا, سيؤدى لدعم الناخبين الفرنسيين له. وبالنظر إلى الجولة الثانية من التصويت، فإن أحد الأسئلة الرئيسية هو ما إذا كانت لوبان قد تمكنت من توسيع جاذبيتها إلى ما وراء قاعدة نفوذ حزبها "التجمع الوطني". قضايا الهجرة في السنوات الماضية، سعت لوبان لجعل حزبها أكثر انتشارًا عبر تخفيف حدة خطابها في بعض الأحيان حول قضايا الهجرة، في محاولة لجذب المزيد من الناخبين المحافظين التقليديين.كما سعت إلى جذب ناخبي اليسار من خلال الحديث عن رفع سن التقاعد وخفض ضريبة القيمة المضافة على المواد الغذائية الأساسية. كذلك ستلعب كتلة الناخبين التي دعمت إيريك زمور في الجولة الأولى، الذي حصل على 7.1 % فقط من الأصوات. لم يكن لدى زمور أي مخاوف بشأن استخدام بطاقة الهجرة وخوف الفرنسيين من موجات الأجانب القادمة إلى بلادهم, عندما طلب من أنصاره الوقوف خلف لوبان. قال زمور لأنصاره في باريس:" تواجه لوبان الرجل الذي سمح ل 2 مليون مهاجر بدخول فرنسا، والذي لم يقل كلمة واحدة عن الأمن والهجرة خلال حملته الانتخابية, والذي سيفعل ما هو أسوأ إذا تم انتخابه"… "لهذا السبب أدعو ناخبي إلى الإدلاء بأصواتهم لصالح مارين لوبان." كل ما سبق يشير إلى وجود احتمالية أن تحصل لوبان على الأصوات الكافية لمواجهة ماكرون, في مواجهة كثير من المؤشرات التي تقول بخلاف ذلك, فحتى الآن لا يزال الناخب الفرنسي التقليدي داعمًا لماكرون واتجاهه الوسطي بالأخص فيما يتعلق بمنظومة اليورو ورغبة الفرنسيين في الحفاظ عليها, ولا يزال ناخبو اليسار في معظمهم يعتبرون لوبان خطرًا على فرنسا, لكن كما ذكرنا سابقًا, قد يؤدي العزوف الملحوظ عن المشاركة في الانتخابات من عموم الناخبين, في ظل حشد صلب وحثيث لمؤيدي اليمين المتطرف, إلى قلب الموازين وتغيير المعادلة.