رهينة! شيماء عيسى الوطني/ البحرين واحد ... اثنان ... ثلاثة واحد ... اثنان ... ثلاثة واحد ... اثنان... ثلاثة التكرار ثلاثاً يكمل المنظومة التي تُسيّر حياتي كلها، دونه تختل الأمور، ويصيبني الاضطراب، ولا أعود قادرة على مواصلة ما بدأته! أحياناً أفكر في كل ما أقوم بتكراره في ساعات يومي؛ مصباح الغرفة على سبيل المثال، أشعله، أطفئه ، أشعله. وإذا ما أردت إطفائه، فإني، أطفئه، أشعله، أطفئه. مثله في ذلك مثل حنفية الماء، قفل الباب، أو مثل موقد الغاز. تسير حياتي وفق نمط معين، يشبه كثيراً العمليات التي تُدار بها الآلات في المصانع. فتلك الآلات تعمل وفق موازنة دقيقة ومحسوبة لحركة قِطعها، ومتى ما فقدت أحدها ميكانيكية عملها، اختل نظام العمل كله ،وتوقف ، وهل يستمر هذا الكون دون نظام يسيره ؟ لم أولد بهذه المنظومة، ولكنها تطورت بمرور الوقت. تسير تفاصيل حياتي كلها وفق نظام لا يتغير، ولا ينحرف عن مساره لأي سبب كان. ومتى ما حدث طارئ قد يغير أمراً ما، فإن تأثيره لا يكون على سير أحداث حياتي وحسب، بل يمتد ليؤثر على حالتي النفسية، والعصبية والجسدية أيضاً! دوماً أتسائل من أين تتدفق كل هذه الأحاسيس السوداء التي تملأ حياتي؟ فنوبات الكآبة، القلق، الأرق، المغص والصداع، ما هي إلا بعض الأعراض التي تصيبني إذا ما أختل نظامي، فتنهكني ، وتشعرني بالضياع. املأ ساعات يومي بأمور تسير وفق نظام محدد. وحتى لو اضطرتني الظروف لأن أقدم عملاً على آخر، فإني لا أفعل، لأن ذلك يفشل يومي، ويصيبني بالإحباط، والكآبة، ويجعلني أخفق في إتمام أي منهما الأمر ذاته ينطبق على نظام الترتيب في المنزل. لا يمكن وضع شيء مكان شيء آخر، الملابس لابد وأن يتم تصنيفها بحسب أنواعها، وألوانها وفق نظام ثابت أدوات المطبخ، الأطعمة داخل الثلاجة ، والكتب وكل شيء ، كل شيء ،كل شيء الترتيب والنظافة أمران مهمان، بهما تسير حياتي وفق ما أحب راحة يدي متقرحة حد النزف، ومثلها بقية جسدي. الماء الساخن، والدعك بالصابون، جعلا جلدي يتقرح، لكني أواصل ما أفعله خشية الجراثيم قرأت ذات مرة أنه لو فنيت جميع المخلوقات على الكرة الأرضية، فإن الجراثيم ستظل دون أن يصيبها شيء، لأنها قادرة على تطوير أجهزتها الحيوية لتبقى. أليس ذلك مرعباً؟ بعد أن عرفت ذلك، أصبحت أشد حرصاً على أن أبتعد عن مصادر الجراثيم قدر الإمكان. أدعك جسدي جيداً تحت ماء ساخن تتصاعد منه الأبخرة، أضع كماماً طبياً عند خروجي من البيت، أرتدي القفازات المطاطية قدر المستطاع، كما أني أتجنب تناول الأطعمة التي لم أطبخها بنفسي. ليس لي صديقات، وابتعدت عن زيارة الأهل والأقارب. فما حاجتي لزيارتهم، وهم في كل مرة يتعاملون معي كشخصية غريبة، كلما رفضت مصافحاتهم والقبلات؟ حتى زوجي هجرني، أخبرني أنه لا يستطيع العيش معي، وأنه كلما رأى يديّ المتقرحتين يشعر بالاشمئزاز والغثيان حجج واهية. هو اختار الرحيل لأنه، وببساطة لم يستطع الالتزام بترتيب المكان، ولا النظام الذي رسمته لحياتنا. كانت أغلب شجاراتنا بسبب انتقادي للفوضى التي كان يشيعها في أي مكان يتواجد فيه. يخلع ملابسه المتسخة ويرميها على الأرض، يرفض الاستحمام لأكثر من مرتين في اليوم، يحضر معه شطائر ومأكولات يبتاعها من الشارع ، وهكذا قرر هجراني لكني كلما استلقيت في الليل على سريري، أشعر بأنفاسه تتردد بالقرب مني. وحين أغمض عيني، أشعر بدفء جسده وهو يقترب مني حد الالتصاق. تمتد أصابعه تتحسس أعضاء جسدي، فأشعر بالاشمئزاز، أنهض مسرعة إلى الحمام، أقف تحت الماء الساخن، وأبدأ في فرك جسدي حتي يتسلّخ، لأزيل آثار أصابعه! أرغب أن أعيش في جزيرة معزولة، لا يسير على أرضها أحد غيري، أو داخل فقاعة هوائية لا تخترقها الجراثيم. أجد نفسي إنسانة طبيعية، تواجه عالماً من الناس اللامبالين، وغير المكترثين بشيء، لا الأمراض، ولا الحوادث المرورية أو الحروب في الآونة الأخيرة، ما عدت أخرج من البيت كثيراً، يخيفني العالم الخارجي. حين أسير في الشارع، أجد نفسي غريبة وسط الناس الذين لا يأبهون بالأخطار المحدقة بهم، يسعلون، ويتنفسون رذاذ بعضهم، يبصقون، ويسيرون جنباً إلى جنب مع الحيوانات المريضة منذ أسبوع، كنت أقود سيارتي في شارع مزدحم، وإذا بحمامة تطير فوق سيارتي، وتلطخ الزجاج الأمامي بذَرْقِها. أصبت بنوبة هستيرية من الغضب والارتباك، جعلتني أصطدم بالسيارة التي أمامي، مما زاد المسألة تعقيداً. ودون أن أشعر فتحت باب السيارة ووقفت في الشارع أصرخ بهستيريا، أصابت كل من حولي بالخوف. هرع الجميع إليّ، وفيما كانت أيديهم تمتد لتهدئتي، كان ذلك يزيد من نوبات هلعي وخوفي. ولم يكن أمامهم في النهاية إلا طلب سيارة الإسعاف، وواجه المسعفون صعوبة في حقني بإبرة مهدئة، فاضطروا لتكبيلي إلى السرير بأحزمة قماشية، ونقلوني إلى المستشفى الخاطئ. مستشفى الأمراض العقلية، يعتقدون بأني مصابة بالجنون، أو بمس شيطاني، لكني على ثقة بخطأ اعتقادهم. ما أنا إلا إنسانة تعيش في المكان غير المناسب، إنسانة منظمة، وحريصة، ومسئولة، تمضي وهي تحمل حياتها على راحة يديها، خشية من أن يختل نظامها، فتنهار.