واجه الاتحاد الأوروبي أزمة قانونية ودستورية غير مسبوقة مع تحدي بولندا المستمر للقواعد المستقرة المتفق عليها من قبل الدول ال27 أعضاء الاتحاد الأوروبي. وهو الأمر الذي أدى لانقسام حاد في الاراء داخل الاتحاد الأوروبي, فالمجر أيدت السلوك البولندي, بينما يختلف القادة الأوروبيون حول الكيفية التي يجب معاقبة بولندا من خلالها. لسنوات تمسكت بولندا بآرائها غير الليبرالية حول قضايا مثل رفضها لحقوق المثليين وحرية الإعلام واستقلال القضاء. وهو الأمر الذي سبب الاحباط لدي مسئولي الاتحاد الأوروبي, بتعبير إيليان بيتلير المحرر بجريدة النيويوك تايمز. انطلقت الحوارات بهذا الصدد بين أروقة البرلمان الأوروبي منذ بداية هذا العام, حتي ظهرت تهديدات بفرض العقوبات علي بولندا في حال استمرت في تعنتها ضد المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي. لكن لم تظهر بولندا أي نية للتراجع, واتخذت خطوة استفزازية هذا الشهر عندما قضت محكمتها العليا بأن دستور البلاد يتفوق على قانون الاتحاد الأوروبي في جوانب معينة, وهو ما يعتبر هجوماً علي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها عضوية الدول بالاتحاد الأوروبي, حيث يجب أن تحظي قوانين الاتحاد الأوروبي بالقيمة الدستورية الأعلي من القوانين الداخلية للبلاد أعضاء الاتحاد الأوروبي وفقاً للاتفاقية المُنشأة للاتحاد. تصاعد التوتر وتصاعدت التوترات هذا الأسبوع بعد أن اشتبك رئيس المفوضية الأوروبية ورئيس الوزراء البولندي في البرلمان الأوروبي بهذا الصدد. كما سيطرت المحادثات حول سيادة القانون على قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل يومي الخميس والجمعة الماضيين, إلى جانب الحوار حول أسعار الطاقة. يقول مسئولو الاتحاد الأوروبي إنهم يواجهون وضع غير مسبوق يتحدى فيه أحد الأعضاء بشكل مباشر المبدأ التأسيسي للكتلة: أولوية قانون الاتحاد الأوروبي على التشريعات الوطنية. يجادل بعض المحللين أيضاً بأن تعنت بولندا قد يشكل تهديداً أكبر من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. "إن شرعية الاتحاد الأوروبي على المحك: إذا لم تكن هناك أولوية للقانون الأوروبي على القوانين الوطنية ، فما الفائدة من وجود اتحاد ؟ "قالت صوفي بورنشليغل، المحللة السياسية في مركز السياسات الأوروبي الذي يتخذ من بروكسل مقراً له. ابتزاز بولندا اتهم رئيس وزراء بولندا ماتيوس موراويكي, الثلاثاء الماضي, الاتحاد الأوروبي بتجاوز سلطته وابتزاز بولندا لقبول تعليمات المفوضية عبر فرض العقوبات. قائلاً:" إذا كنت تريد أن تجعل أوروبا أمة عظمى موحدة، فيجب الحصول أولاً على موافقة جميع الدول والمجتمعات الأوروبية على ذلك". ردت بولندا منذ فترة طويلة على أن بروكسل عازمة على تقييد السيادة البولندية, عبر محاولتها لفرض السياسات المتعلقة بحقوق المثليين وغيرها من القضايا التي تتعارض مع التقاليد البولندية وإرادة الناخبين. "حججك لا تتحسن. "لقد هربت من النقاش" ردت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دي لين، مضيفة أن الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي لن تدع الانتهاكات تمر دون عقاب. وقالت أليس ستولماير، المديرة التنفيذية لمنظمة الدفاع عن الديمقراطية، وهي منظمة غير ربحية مقرها بروكسل، إن الكتلة الأوروبية لديها قضايا أكثر أهمية لمعالجتها من الاقتتال الداخلي بين الأعضاء. وقالت:" لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يكون قوياً دون أن يكون موحداً, وعندما لا يكون الأمر كذلك، يفرح الآخرون". "يجب أن يراقب بوتين ما يحدث و هو مفعم بمشاعر السعادة". وحذر مسئولو وخبراء الاتحاد الأوروبي من أن الهجمات المتكررة على القضاء من قبل الحكومة اليمينية والقومية في بولندا يمكن أن تشجع الحكومات الأخرى على أن تحذو حذوها. و قد انحاز قادة ليتوانيا والمجر إلى بولندا في اجتماع المجلس الأوروبي الخميس الماضى في فرنسا، دعا إريك زيمور، السياسي اليميني المتطرف والمرشح المحتمل في الانتخابات الرئاسية المقبلة الذي ارتفعت شعبيته في الأسابيع الأخيرة، إلى دعم بولندا في "كفاحها من أجل الحرية". سيادة القانون وقال دانيال كيليمن، أستاذ الدراسات الأوروبية في جامعة روتجرز, إن التحديات التي تواجه سيادة القانون من قبل أعضاء الاتحاد الأوروبي يمكن أن " تنمو وتنتشر مثل السرطان", مضيفاً " إذا تمكنت الحكومة البولندية ببساطة من تجاهل أولوية وسيادة قانون الاتحاد الأوروبي علي القوانين الداخلية للبلدان الأعضاء، فيمكن للحكومات الأخرى تجاهل أي جانب من جوانب قانون الاتحاد الأوروبي لكونه غير مقبول بالنسبة لهم". في حين أن التوترات بين بولندا والاتحاد الأوروبي شهدت ارتفاعا لسنوات حول القضايا الثقافية وسيادة القانون ، إلا أن الأزمة الحالية اندلعت بسبب رفض بولندا التراجع عن قرارها بعقد مجلس تأديبي لمجموعة من القضاة هذا الصيف, وهم قضاة عُرف عنهم انتماؤهم لليسار البولندي. ووصف ديدييه ريندرز، رئيس مفوضية محكمة العدل الأوروبية، الحكم الصادر عن المحكمة البولندية بأنه "تحد مباشر للنظام القانوني للاتحاد الأوروبي وأسس المشروع الوحدوي الأوروبي" وتعهد باستخدام المزيد من الإجراءات القانونية والعقوبات المالية للضغط على بولندا للتراجع. حجبت المفوضية 41 مليار دولار كمدفوعات لبولندا كجزء من صندوق التعافي من آثار كورونا.وهددت أيضاً باستخدام أداة جديدة تربط صرف أموال الاتحاد الأوروبي-التي توجه إلى الإعانات الزراعية أو مشاريع البنية التحتية- باحترام سيادة القانون، ولكنها لم تنشطه بعد. وصف مسئول في المفوضية يوم الأربعاء الإجراء المعروف باسم "آلية مشروطية سيادة القانون "، بأنه" الأداة الأكثر حدة من بين أدوات الاتحاد الأوروبي" ، لكنه اعترف بأن الأمر سيستغرق شهوراً حتى يكون له تأثير علي بولندا. الصفقة الخضراء الأوروبية كما انقسم المجلس الأوروبي، الذي يجمع قادة الكتلة ال 27، حول كيفية الضغط على بولندا. وقد دفعت دول مثل هولندا وبلجيكا إلى اتخاذ إجراءات أكثر حسماً، بما في ذلك تفعيل آلية سيادة القانون، لكن دول أخرى، مثل فرنسا وألمانيا، حثت على مزيد من الحوار. "إن فرنسا وألمانية في أمس الحاجة إلى بولندا والمجر بشأن العديد من القضايا، مثل الصفقة الخضراء الأوروبية" ، قالت السيدة بورنشليجل، في إشارة إلى خطط الكتلة الأوروبية لمعالجة آثار تغير المناخ. لا يرى محللون آخرون حلاً في الأفق لأن بولندا والاتحاد الأوروبي بحاجة إلى بعضهما البعض: فبولندا هي خامس أكثر دول الاتحاد اكتظاظاً بالسكان، وأكبر اقتصاد في أوروبا الشرقية. كما أنها ليس لديها نية لمغادرة الاتحاد الأوروبي, حيث تصل الاعتمادات المالية للاتحاد الأوروبي إلى بولندا إلى ما يقرب من 4 % من الدخل القومي البولندي. كما حرضت الأزمة مؤسسات الاتحاد الأوروبي ضد بعضها البعض، بالدرجة التي تهدد توحدها, حيث رفع البرلمان الأوروبي هذا الأسبوع دعوى قضائية ضد المفوضية الأوروبية بسبب ترددها في تفعيل الآلية الجديدة لمنع دعم الميزانية البولندية بسبب انتهاكات سيادة القانون الأوروبي. وقال سيرجي لاغودينسكي، عضو حزب الخضر في البرلمان الأوروبي، إن منع أموال الاتحاد الأوروبي سيحرم بولندا والمجر من " حصة كبيرة من ثرواتهم الاقتصادية". وقالت السيدة ستولماير من منظمة الدفاع عن الديمقراطية إنها تأمل أن تقوم الحكومة البولندية بتخفيف حدة الأزمة، لأنها اتخذت أبعاداً لن تتوقعها بولندا.. فإذا بدأت بالاستهانة بأسس الاتحاد الأوروبي, و تركنا هذا يحدث لمدة طويلة, قد ينتهي الأمر إلى انهيار المنطومة ككل". وقال مراقبون إن الخيار الأكثر تشاؤماً بالنسبة لقادة الاتحاد الأوروبي هو الانتظار حتى الانتخابات القادمة في بولندا في عام 2023, علي أمل أن تتغير الحكومة اليمينية الحالية و تستبدل بحكومة أخرى تقدمية.