د. نبيل رشوان لعل الكثير منا يسمع عن احتفال روسيا بالانتصار فى الحرب الوطنية العظمى، ويخلط بينها وبين الحرب العالمية الثانية، وهى الحرب التى يحتفل الغرب بنهايتها كل عام فى الثامن من شهر مايو. إذا ما هى الحرب التى خاضها الاتحاد السوفيتى وانتصر فيها مطارداً قوات ألمانيا الفاشية حتى رفع العلم السوفيتى على مقر الرايخ الثالث، أى مقر القيادة الألمانية. الحرب العالمية بدأت سبتمبر عام 1939 واستمرت حتى عام 1945 . ولكى نفهم مغزى اندلاع الحرب الوطنية العظمى التى انتصر فيها الاتحاد السوفيتى والظروف الدولية فى العالم فى ربيع عام 1941، أى قبيل نشوب الحرب الوطنية العظمى، وهو تاريخ اشتراك الاتحاد السوفيتى فى الحرب، بعد دخول القوات الألمانية للأراضى السوفيتية فى 22 يونيو عام 1941، رغم وجود معاهدة عدم اعتداء بين موسكووبرلين، اعتداء ألمانيا على الاتحاد السوفيتى جعلته يدخل الحرب ضد ألمانيا النازية بكل ما يملك من قوة، وهى الحرب التى تحتفل روسيا بالانتصار فيها يوم 9 مايو من كل عام. من الواضح أن الاتحاد السوفيتى لم يكن دولة عدوان وإنما كان يرد العدوان الألمانى الذى وقع عليه. ولذلك كان تعريف روسيا والاتحاد السوفيتى من قبلها بأن الانتصار كان فى الحرب الوطنية العظمى يعنى انتصار السوفيت، وبالتالى روسيا فى رد العدوان الألمانى الذى وقع على الاتحاد السوفيتى ووصل إلى مشارف موسكو العاصمة ومدينة لينينجراد ثانى أكبر المدن السوفيتية. جدير بالذكر أن الاتحاد السوفيتى كان قد وقع اتفاقية عدم اعتداء مع ألمانيا عام 1939. كان التحالف الإيطالى اليابانى الألمانى قد توسع بانضمام رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا للتحالف وهو ما دفع السوفيت حينها لتوقيع اتفاق عدم اعتداء مع ألمانيا عام 1939، أهمية الاتفاق بالنسبة للسوفيت أنها أعطتهم عامين إضافيين تقريباً لالتقاط الأنفاس، قبيل العدوان الألمانى الفاشى الغاشم، لتقوية الدفاعات السوفيتية. كانت ألمانيا قبل الحرب قد ضمت بعض المناطق منها النمسا وجزء من بولندا وليتوانيا واحتلت الدنمارك والنرويج وبلجيكا ولوكسمبورج والجزء الأكبر من بولندا وفرنسا ويوغسلافيا وغيرها من المناطق الأوروبية. وقامت ألمانيا بعسكرة الاقتصاد، فتضاعف الإنتاج الحربى 22 مرة، وبلغ عدد القوات الألمانية عام 1941 7,3 مليون بين جندى وضابط، وهو ما كان يفوق عدد القوات السوفيتية 1,3 مرة، القوات البرية فقط كانت تقدر بما يقرب من 5,2 مليون، لن نخوض فى أعداد القوات الألمانية التى تتفوق على نظيرتها السوفيتية بقوة. فى عام 1941 كانت مساحة الاتحاد السوفيتى 22,1 كيلو متر مربع، وعدد سكانه 194,1 مليون نسمة، كانت الدولة السوفيتية تحقق نمو سنوى 13% على الأقل فى الثلاث سنوات التى سبقت الحرب الوطنية العظمى، والانتاج العسكرى كان ينمو بنسبة 39%، وكان الاتحاد السوفيتى فى طليعة دول العالم من حيث إنتاج الماكينات والحديد والصلب والأسمنت والطاقة بصفة عامة. لكن الاتحاد السوفيتى قبيل الحرب كان يعانى من مشكلة عسكرية، فقد كان الجيش الأحمر يعانى من نقص فى الكوادر العسكرية من ضباط وقادة بعد عمليات "التطهير" السياسى التى قام بها ستالين، وظلت عملية إعداد كوادر جديدة فى مستوى متدن. لتعويض النقص تم التوسع فى إنشاء الأكاديميات والمدارس العسكرية خلال الفترة 1940 – 1941، لكن التوسع فى المدارس والأكاديميات العسكرية لم يمكن القيادة السوفيتية من القضاء على أزمة الكوادر فى الجيش. وضعت ألمانيا أمام الاتحاد السوفيتى فى الحرب 182 فرقة منها 19 فرقة مدرعة و14 فرقة ميكانيكية، وهو ما يقدر بحوالى 5 ملايين فرد 4,4 ألف دبابة، ومعدات اقتحام وغير جيوش كاملة للاستيلاء على بلاد السوفيت، ومع حلول صيف عام 1941 كانت ألمانيا قد قامت بنشر استراتيجى لقواتها بمحاذاة الحدود الغربية للاتحاد السوفيتى. كان الهدف هو حرب خاطفة لتدمير الجيش الأحمر ومن ثم التوغل إلى عمق البلاد. ويمكن تقسيم الحرب الوطنية العظمى التى انتصر فيها السوفيت على ألمانيا الفاشية لعدة مراحل الأولى: الفترة من 22 يوليو 1941، بداية عدوان ألمانيا على الأراضى السوفيتية وحتى 18 نوفمبر 1942، حيث قامت ألمانيا بخرق اتفاق عدم الاعتداء مع الاتحاد السوفيتى وهاجمت الأراضى السوفيتية فى فجر يوم 22 يونيو 1941، إلى جانب ألمانيا كانت إيطالياورومانيا وفنلندا والمجر وسلوفاكيا، فى البداية حققت القوات الألمانية انتصارات ساحقة، غير أن الاتحاد السوفيتى استعاد زمام المبادرة مع نهاية عام 1943، حيث بدأت القوات السوفيتية الهجوم فى منطقة كورسك ومن ثم القوقاز وظلت تطارد القوات الألمانية فى القوقاز وبعض الدول الأوروبية وطردت القوات الألمانية من الدول التى تحالفت معها وأنهى السوفيت الحرب برفع العلم السوفيتى على مقر الرايخ الثالث واستسلام ألمانيا. طبعا إذا تحدثنا عن الحرب الوطنية العظمى لن تكفى كتب وليس مقال، لكن ما أردت قوله أن الاتحاد السوفيتى حارب فى الحرب العالمية الثانية لرد العدون الذى وقع عليه، ولم يكن السوفيت فى حاجة للتحالف مع أحد ضد هتلر فقد كانت بينهم وبين ألمانيا معاهدة عدم اعتداء، لكن عندما قررت ألمانيا غزو الاتحاد السوفيتى ورغم ظروفه العسكرية الصعبة قبيل الحرب، قام السوفيت بالرد وطاردوا جيش هتلر حتى الاستيلاء على برلين. بالطبع كان من الممكن الحديث عن حصار مدينة لنينجراد والبطولة الخارقة لسكان المدينة فى مواجهة القصف المتواصل، حصار استمر لأكثر من 800 يوم، ثم معركة موسكو، ورغم الخسائر التى تكبدها السوفيت، حيث دمرت 300 ألف قرية ومدينة وتم تدمير الآلاف من المصانع ونقل الآلاف إلى مناطق بعيدة فى عمق الأراضى السوفيتية، خرج السوفيت من الحرب فى حالة دمار شبه كامل ومع ذلك واصلوا العمل وردوا على اختراع أمريكا للقنبلة الذرية ومحاولتها إرعابهم بها بإلقائها على اليابان واخترعوا قنبلتهم الذرية للردع وليس للعدوان، وسبق السوفيت منافسيهم فى الصعود للفضاء بواسطة رائد الفضاء الشهير يورى جاجارين الذى احتفل العالم هذا العام بالذكرى الستين به كأول رائد فضاء. كانت الدولة السوفيتية مشروعًا إنسانيا كبيرًا وكان من الممكن أن تكون منارة هادية للعديد من دول العالم، والأهم أنه موسكو خلقت نوعًا من التوازن فى العالم كانت تستند إليه دول العالم الثالث الفقيرة، وليس أدل على أهمية وجود الاتحاد السوفيتى من مقولة الزعيم الهندى نهرو الذى قال "لو لم يكن الاتحاد السوفيتى موجوداً لخلقنا اتحاد سوفيتى". من المقال أنا أردت القول إن الدولة السوفيتية لم تقم بالاعتداء على أحد ولم تكن لها أهداف استعمارية وهى لم تبدأ الحرب ضد ألمانيا إلا بعد أن قامت الأخيرة بغزو الاتحاد السوفيتى. لكن العالم أدرك بعد انتصار السوفيت فى حربهم ضد ألمانيا أن الاتحاد السوفيتى انقذ العالم من كارثة الفاشية التى صنفت البشرية وفق جدول ووضعت كل شعوب العالم دون الجنس الآرى الألمانى. لعل الأصدقاء يدركون الآن كم عانى الاتحاد السوفيتى من أجل البشرية فى الحرب الوطنية العظمى، وأردت كذلك التأكيد على سر احتفاء الشعب الروسى حالياً والشعب السوفيتى سابقاً بالانتصار فى الحرب الوطنية العظمى التى خاضها الاتحاد السوفيتى بمفرده ضد ألمانيا النازية، ولأشير إلى أن بقية دول أوروبا تحتفل بمجرد انتهاء الحرب فلا توجد دولة قامت بمفردها بمحاربة ألمانيا وانتصرت عليها كما فعل السوفيت ذلك. لنحتفل بنصر روسيا وشعوب الاتحاد السوفيتى بالنصر على الفاشية. بعد الحرب وتفوق السوفيت، لم يستطع الغرب أن يتحمل، دولة عانت من ويلات الحرب والدمار وضحت بأكثر من 20 مليون إنسان لتنقذ أوروبا والعالم من الفاشية، وبعد ذلك تصعد للفضاء والأهم تحقق التوازن الدولى والاجتماعى فى العالم، فجر الاتحاد السوفيتى إلى سباق تسلح مرير، لم يكن الاقتصاد السوفيتى الذى عانى الحرب وخسائرها تحمله، ثم ورطوه فى حرب أفغانستان، كل هذه عوامل أدت لانهيار الاتحاد السوفيتى، لكن العامل الأهم كان تكلس القيادة السوفيتية، وعندما أتت قيادة شابة باعت كل تاريخ السوفيت النضالى حتى ما هو ضد الفاشية، وسلمت مقاليد الأمور للغرب. وهاهى دول العالم تحاول اليوم البحث عن اتحاد سوفيتى جديد، روسيا تحاول على الأقل حالياً القضاء على أحادية القطب فى العالم، فهل يشهد العالم بزوغ عالم متعدد الأقطاب أو على الأقل ليس أحادى القطب؟