لم أكن أتخيل أن أثيوبيا ومدن الأقاليم المسالمة الآمنة التي تتكون منها، والتي زرتها وعشت فيها منذ عشرين عاماً، في أديس أبابا، وميكيلي، ونجش، وأكسوم، وحميرا وجنبيلا وغيرها الكثير، تتحول إلى دولة ممزقة الأقاليم متصارعة القبائل، تلعب في الوقت الضائع، والكثير من مسئوليها مهددون بالاستدعاء للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي بهولندا، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: الدولة الإثيوبية إلى أين؟ الحلم الضائع والواقع الصعب: كنت أحلم وأتصور في الوقت الذي مضى، بأنني مما تعلمته وما اكتسبته من خبرات، وبالعمل المشترك مع زملائي الإثيوبيين و السودانيين وغيرهم من دول حوض النيل و خبراء دوليين من منظمات دولية، في مشروعات التعاون المشترك بمبادرة حوض النيل، بأننا قادرون على تغيير الواقع البدائى الفقير البائس السائد آنذاك، وتحويله إلى مستقبل مشرق واعد، يعود بالنفع على سكان دول حوض النيل جميعها. ولم أكن ساعتها أتصور أن تعود دولة إثيوبيا وتتحول مرة أخرى إلى ساحة للحروب الأهلية والعرقية والمذابح الجماعية، ولا أن ترتكب فيها جرائم ضد الإنسانية، وسيادة حالة من عدم الاستقرار وغياب الأمن، وانتشار عمليات النهب والسرقة، وهروب المواطنين في جماعات من النازحين واللاجئين، بعدما كانت أشبه بواحة من الهدوء، وبعدما كانت ملاذاً آمناً للَّاجئين من السودان وأرتيريا وكينيا والصومال، حتى ولو كان ذلك الهدوء هدوءً يسبق العاصفة، بما كان يتطلبه من سيادة منطق الحكمة التى نادت بها العديد من المؤسسات الدولية والإقليمية، العاملة في مجال الأمن والسلم ومواجهة الكوارث، وكذلك تقارير خبراء السياسة والاجتماع والاقتصاد والمناخ والمصادر المائية. التقارير الدولية عن المصائب الإثيوبية: على مدى زمني تعدى الشهر، شهدت إثيوبيا حالة من الرجوع للخلف وفقدان الثقة بين شركاء الحكم على مدى ثلاثة عقود، وشهدت حرباً أعلنها رئيس الوزراء الإثيوبي آبى أحمد، وشنها الجيش الفيدرالي الأثيوبي بالتعاون مع جيش دولة جارة أخرى، هي "إرتيريا"، على قوات جبهة تحرير التيجراي الجارة الجنوبية للدولة الأريترية، التي يتم تسمية سكانها بأولاد الخالة، وحسبما جاء بتقارير أمريكية وشهود عيان من التيجراي، بالإضافة إلى ميليشيات "الفونا" من إقليم الأمهرة، الجار الجنوبي للتيجراي، التي يتم تسمية سكانها في الظروف العادية بأبناء العم، وقد أدت هذه الحرب الأهلية إلى مقتل الآلاف، و نزوح عشرات الآلاف وغيرهم من اللاجئين الإثيوبيين أساساً إلى السودان، وقد وصفهم السيد نايجل تركس المدير الإقليمي للمجلس النرويجي للاجئين أنهم من المتأثرين بالصراع وممن يعيشون فى الوقت الضائع. و كان قد سبق تلك الأحداث قطع الكهرباء عن إقليم التيجراي، وقطع وسائل الإتصالات التليفونية والإنترنت، والخدمات البنكية وإمدادات الغذاء والدواء، حتى منع الأكياس النايلون المستخدمة في لف جثث الموتى فى الصراع قبل دفنهم، في إقليم تم توصيف ظلامه بالظلام الدامس. مصادر المعلومات عن الأحداث: على مدى زمني يتجاوز الخمسة أسابيع الماضية، لا توجد بيانات دقيقة عما خلفته الحرب الدائرة، والتي لا يستطيع أحد أن يتنبأ بمعرفة نهايتها على وجه الدقة، لعدم ورود معلومات دقيقة عن حقيقة الأوضاع على الأرض بإقليم التيجراي. فعلى الرغم من إعلان آبى أحمد عن انتهاء العمليات العسكرية ودخول الجيش الإثيوبي العاصمة ميكيلي، والإعلان عن توفير مسارات آمنة لمسئولين من منظمات بالأممالمتحدة للإغاثة وغيرها، لازالت أجزاء كثيرة من إقليم التيجراي خارج سيطرة الحكومة الإثيوبية، بدليل إطلاق نار من قوات الجيش الإثيوبي على مسئولي الأممالمتحدة في بعض المناطق المسماة ساحة حرب، ويبدو أن ما خفي بتلك المناطق المخفية أعظم مما لدينا، عن الجرائم والمآسي التي خلفتها ومازالت تخلفها الحرب الدائرة . الأسباب الحقيقية للصراع في القرن الأفريقي: على مدى الستة عقود السابقة، شهدت دول القرن الأفريقي العديد من الأحداث، كان أهمها استقلال معظم دوله عن المستعمر الأجنبى، وتلاها في الأهمية عدة تغيرات مناخية ما بين فيضانات مدمرة وموجات جفاف مهلكة للملايين، كانت تتطلب مشروعات للبنية الأساسية لإدارة وتنمية مواردها المائية الداخلية والمشتركة مع جيرانها، بالإضافة إلى التأثيرات السلبية للأمراض والاوبئة على صحة السكان، حيث ظلت مستويات التعليم والصحة والأحوال المعيشية متدهورة. خلال تلك الفترة الزمنية تم إنجاز قدر بسيط من تلك المشروعات، وباقي الوقت تم استنزافه في الصراعات على السلطة والثروة، وكانت أدوات هذه الصراعات هي الحروب الأهلية والتطهير العرقي وغيرها من الأدوات الرخيصة و الشاذة والمدمرة من أجل التحكم والسيطرة على الآخر القبلي في مجتمعات قبلية. ومن الأمثلة الصارخة، كانت الحروب الأهلية الإثيوبية والسودانية والأوغندية، والتطهير العرقي برواندا وبوروندي، ثم بإثيوبيا الآن، ما بين حرب أهلية وتطهير عرقي. الأدهى من ذلك أنه تم استخدام مشروعات البنية الأساسية، ومن أمثلتها سد النهضة الأثيوبي، كمادة وأداة من أدوات الابتزاز السياسي للدول المتشاطئة، بدلاً من جعلها أداة للتعاون الإقليمي. من أسباب الصراع المستجدة في القرن الأفريقي أيضاً، ظهور وباء كورونا المستجد على مستوى العالم، والذي ترك آثاره السلبية على اقتصادات العالم، وآثاره المدمرة على الاقتصادات الهشة والضعيفة بدول القرن الأفريقي، وكذلك وباء الجراد والذي واكبه فيضان نهر النيل العالي المدمر في صيف عامي 2019 و 2020 ، وضياع محصول التف، الغذاء الرئيسي لسكان إثيوبيا، والمفترض أن يتم حصاده بداية من نوفمبر وحتى يناير. تعلم الحكومة الإثيوبية تمام العلم، أن تلك الأسباب عجلت بقرارها لشن الحرب على التيجراي، للتغطية على أزمتها الاقتصادية، والتشويش على مواطنيها، خشية قيامهم بهبات مطلبية وانتفاضات اجتماعية كفيلة بإزاحتها عن السلطة، في نفس الوقت الذي ترى فيه أطراف أثيوبية كثيرة، أن وجود رئيس الوزراء في الحكم حتى الآن، يفتقد إلى الشرعية، لتأجيله الانتخابات التشريعية بحجة انتشار وباء كورونا، في نفس الوقت الذي أعلن فيه آبى أحمد عن شن الحرب، مفترضاً أن الحرب ليس لها علاقة بوباء كورونا، وتم تدريب المتحاربين على قواعد الاشتباك الجديدة في ظل وباء كورونا المستجد، والزعم بإمكانية قصف المدن دونما قتل أو إصابة لسكانها. مصير زعماء الحروب الاهلية بإفريقيا: للأسف الشديد شهدت وتشهد دول عديدة بالقارة الأفريقية، العديد من الحروب الأهلية والتصفية العرقية والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، سواء ببعض من دول حوض النيل، أو بالساحل الغربي بإفريقيا وغيرها من المناطق، ولا عجب أننا شاهدنا محاكمة العديد منهم بالمحكمة الجنائية الدولية. وبناءً على ذلك هل من المستبعد أن يتم تقديم آخرين من إثيوبيا للمحاكمة في المستقبل؟ خاصة بعد فظائع الحرب التي أعلنها حائز نوبل للسلام آبى أحمد رئيس الوزراء الاثيوبى على إقليم التيجراي، فهل سيكون على صدر قائمة المقدمين للمحاكمة؟ لأنه لم يستجب لصوت العقل و جهود الوساطة الأممية والافريقية؟ ومن المرجح أن تنتهي هذه الحرب بانفصال إقليم التيجراي عن إثيوبيا، عن الدولة الفيدرالية، وقد يؤدي ذلك إلى تسارع حدوث عمليات انفصال أخرى، وفي تلك الحالة، قد تطلب محاكم التيجراي من المحكمة الجنائية الدولية، التحقيق في جرائم الحرب التي حدثت والتي مازالت تحدث. *بقلم الدكتور عبد الفتاح مطاوع رئيس قطاع مياه النيل الأسبق