فى المشهد الانتخابى على أبواب قصر «الاتحادية» صراع شبه معلن بين مشروعين أحدهما يناهض الآخر. المشروع الأول تتبناه مراكز قوى اقتصادية تنتسب إلى النظام الأسبق لاحتواء الرئيس الجديد وإعادة إنتاج العلاقات القديمة بين السلطة والبيزنس. . والمشروع الثانى تتجلى توجهاته العامة فى نصوص البرامج الانتخابية المعلنة التى تعلى بصورة غير مسبوقة منذ السبعينيات من دور الدولة فى إدارة المشروعات الاقتصادية. بغض النظر عن الرهانات المسبقة والنوايا الأخلاقية التى تطلق فى فضاء التصريحات الانتخابية فإن الاحتواء فرصه مراوغة والصدام احتمالاته ماثلة. مراكز القوى الاقتصادية حازت نفوذا ماليا وسياسيا على عهد الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» يفوق ما حازته مراكز القوى الأخرى فى بنية النظام نفسه. استولت على حزب السلطة وهيمنت على التشكيل الحكومى وأدارت الملف الاقتصادى وساندت مشروع التوريث. غلب إغواء السلطة شهوة المال ولم يعد الزواج عرفيا بل جرى توثيقه فى ردهات لجنة السياسات. ورغم سقوط نخبة مراكز القوى الاقتصادية وتعرضها لمحاكمات وملاحقات قضائية وأحكام بالسجن لكن بنية الاقتصاد المصرى التى أنتجتها لم تتعرض لأى تغيير. بصورة أو أخرى فإن هناك الآن نخبة جديدة تتحرك لملء الفراغ ولعب الدور نفسه فى بنية النظام السياسى الجديد كأن أحدا لم يستوعب الدرس القاسى. كان «جمال مبارك» معجبا بثلاثة رجال حوله معنيين مباشرة بالملف الاقتصادى. الأول: «يوسف بطرس غالى» الذى رأه عبقريا يستمع باهتمام إلى كل حرف يقوله. . والثانى: «رشيد محمد رشيد» الذى راهن عليه لبعض الوقت فى خلافة «أحمد نظيف» على مقعد رئيس الوزراء. . والثالث: «أحمد عز» الأقرب والأكثر تأثيرا من أى أحد آخر. وفيما يبدو فإن الذين يتقدمون لملء الفراغ تسكنهم الصور التى استهلكتها لجنة السياسات وأطاحتها ثورة يناير. فى الفكرة حماقة لا تدرك أن لا أحد بوسعه استدعاء الماضى بوجوه جديدة كأنه «ريبورتوار» لنص مسرحى قديم على خشبة متهالكة. هناك فارق جوهرى بين ضرورات أن يكون هناك قطاع خاص كفء وقادر على الاضطلاع بأدواره وفق قوانين تعرفها التجارب الدولية الناجحة وبين مصادرة الاقتصاد الوطنى بتقرب من السلطة على حساب أى قيمة ومبدأ وقانون. مشكلة نخبة رجال الأعمال أنها لا تبدى استعدادا لدفع فواتير إضافية كتقبل ضرائب مؤقتة على الثروة ولا تبرعت من فوائضها المالية لدعم اقتصاد فى غرفة العناية الفائقة ولا هى مؤهلة لإعادة تكييف أدوارها فى إدارة محافظها المالية وفق الضرورات الوطنية الجديدة. الأخطر من ذلك كله أنها تراهن على أن تدفع الطبقة الوسطى والفئات الأكثر عوزا تكاليف الإصلاح المالى والاقتصادى الضرورى وأن تعفى هى بدرجة ما. المشكلة تعود إلى النشأة الأولى على عهد الرئيس الأسبق «أنور السادات». ولدت الرأسمالية المصرية الجديدة مشوهة وطفيلية مع سياسة «الانفتاح الاقتصادى» التى أعلنت عام (1974) بعد حرب أكتوبر بعام واستقرت العيوب الجينية فى بنيتها. بقرار واحد تراكمت ثروات لعائلات وشخصيات من توكيلات السلع الأجنبية وانفسح المجال واسعا لنوع من النشاط الاقتصادى وصفه الكاتب الراحل «أحمد بهاء الدين» ب«السداح مداح». باستثناءات محدودة فإن التوكيلات ذهبت قصدا لأسماء بعينها لأسباب لا علاقة لها بأية كفاءة اقتصادية. كانت النشأة بقرار سياسى والثروة باختيار سياسى والهدف سياسيا قبل أن يكون اقتصاديا لبناء قاعدة دعم اجتماعى لتوجهات الحكم الجديدة فى الالتحاق بالاستراتيجية الأمريكية. كأى شىء مصطنع بلا قواعد تضبطه ارتبطت سياسة الانفتاح الاقتصادى بسيادة الاستهلاك دون أن تتوافر للمجتمع احتياجاته الأساسية وانكسر جيل كامل ألغيت حياته الطبيعية لمدة ست سنوات متصلة بين نكسة (1967) وحرب (1973). عندما عاد من ميادين القتال وجد أن ثمار النصر ذهبت إلى غير أصحابها. الجيل الذى حارب صمد تحت النيران وكسرته خيارات السياسة. وبدت صورة رجل الأعمال فى السينما والثقافة والصحافة أقرب إلى «قط سمين» يمسك فى يده حقيبة «سيمسونيت». فى الخيارات الجديدة تخلت الدولة عن أدوارها الاجتماعية وبدأت أكبر عملية نزح للموارد العامة كما لم يحدث فى التاريخ المصرى كله. جرى بيع القطاع العام ومشروعاته الاستراتيجية بأبخس الأسعار والاستيلاء على أراضى الدولة بما يشبه المنح المجانية على حساب الأغلبية الساحقة من المواطنين. تراكمت ثروات مليارية فى بضعة سنين وحاز الرأسماليون الجدد على عطايا الدولة وخدماتها ودعم طاقتها كأنها حلم ليلة صيف قبل أن تقع صاعقة يناير. الثورة ولدت فى بنية مجتمعها على مدى عقود تصدعت فيها الطبقة الوسطى بصورة خطيرة، وهى مركز القيم العامة فى المجتمع ورمانة ميزانه، ودخلت قطاعات شعبية متزايدة تحت خط الفقر المدقع. انقسم المجتمع المصرى إلى عالمين متناقضين فى مستويات الدخول وأساليب الحياة وتقوض الحراك الاجتماعى وبدا المجتمع كله يائسا ومشوها وكان سقوط النظام محتما. تبقت مراكز القوى الاقتصادية بمصالحها وحقائقها ونفس طريقة تفكيرها وإن تغيرت الوجوه. طريقة التفكير أفضت إلى السقوط والباقى تفاصيل. لم يكن ممكنا لمجتمع فقير ومنهك أن يتحمل إلى ما لا نهاية النهب المنهجى فى موارد الدولة وهو لا يجد قوت يومه ولا يحظى بأية خدمة لها قيمتها أو جودتها. وكانت هناك فواتير إضافية لانسحاب الدولة من أدوارها الاجتماعية، فقد تقدمت قوى أخرى لسد احتياجات المواطنين فى العلاج والتعليم وبعض الخدمات الأساسية الأخرى ودفع الثمن فادحا بتمكن جماعة الإخوان المسلمين من التمركز فى بنية المجتمع المصرى. توحش الفساد بصورة لا مثيل لها واتسعت المظالم الاجتماعية إلى حد القيام بثورتين فى أقل من عامين ونصف العام ويكاد يكون مستحيلا أن نعود إلى ذات السياسات التى شوهت الحياة الاقتصادية ووضعت مصر على حافة الانهيار. لم تنشأ مراكز القوى الاقتصادية بين يوم وليلة لكنها أخذت وقتا طويلا حتى باتت لها الكلمة الأولى فى تقرير السياسات. بمضى الوقت تصورت أنها تملك البلد وتوحشت فسادا فلا قواعد تحكم ولا قوانين تحترم. ورغم تجربتها المريرة فإنها تحاول الآن عبر نخبة جديدة تتبنى ذات الأفكار القديمة احتواء الرئيس القادم. فى مشروع الاحتواء فإن بعض رجال الأعمال يطرقون أبواب القادم الجديدة بمشروعات اقتصادية كبرى تستند على خرائط أعدها خبراء ومتخصصون وبعضهم الآخر لا يخفون قلقهم من أن يستبعدوا من جنى الأرباح بينما تقف أطراف ثالثة ترقب المشهد وصندوقه المغلق الذى لا يعرفون ما فيه. القادم الجديد أيا كانت نواياه أمام خيارات صعبة أكثرها تدميرا لصورته فى التاريخ إعادة إنتاج مراكز القوى الاقتصادية بوجوه جديدة. ما تحتاجه مصر الآن إقرار القواعد الأساسية. أن تكون هناك قطيعة مع مراكز القوى الاقتصادية الجديدة التى تتقدم إلى الأبواب الرئاسية، أو أن يكون أحدا صاحب حظوة فى الحصول على نصيب لا يستحقه من كعكة المشروعات العامة. دور مؤسسات الدولة رئيسى وحتمى لكنه يتعين أن يخضع لسلطة رقابية لا تهاون فيها ودور قطاع الأعمال الخاص ضرورى وحيوى لكنه يتعين أن يجرى وفق قواعد النزاهة والشفافية بلا محاباة أو زواج مع سلطة. إن لم تكن هناك قواعد تحكم حركة الاقتصاد فإنه الفساد مجددا والفوضى مرة أخرى