مات محمد سليمان بعد خمسة وخمسين عامًا من تعارفنا الأول، أظنه لم يكن سيطيق أن أبدأ كتابتى عنه هكذا، مما سيجبرنى على أن أكتب ما أتخيل أنه سيقرأه، لأنه كان حكاء، وكان يحب أصدقاءه، ويعشق النساء بخفة، ويقرأ الروايات بشغف، ويأكل باستمتاع، وينصرف بعد وقت عن أحاديث السياسة والإيديولوجيا، بما فيها حكاية سجنه السياسى التى حوّلها إلى فصل ساخر أحيانًا، وإلى استراحة من الحرية أحيانًا أخرى، وكذا إلى سبيل تعارف عميق جمعه بأصدقائه أحمد طه وبشير السباعى وإبراهيم عبد المجيد وغيرهم .، مات محمد سليمان بعد يأسه من الاستمرار فى الحياة إلى الأبد، حسبما كان يحلم، ثم ينهى الحلم بأن يضحك من نفسه وعلى نفسه، ولعل هذا اليأس آلمه وعذّبه فى أيامه الأخيرة التى حرمتنى من معاودة الأئتناس بصفاء صوته، وجلجلة ضحكته، واستذكار بعض شعره الذى ينشده من أجل أن يحرضنا على اصطياد الفراشات، وممارسة الحب مات محمد سليمان، وهاأنذا أحار كيف أكتب، وماذا أكتب، أعرف أن الكتابة المبللة بالحزن والمغموسة فى الدموع، سرعان ما تصبح طرية وهشة، وربما مضحكة، كيف إذن أبدأ محاولات مقاومة حزنى، اليقين الوحيد الذى يملأنى هو أن محمد سليمان مات، وأننى أصبحت فى عالم لم يعد مسكونًا بتفاؤله وأنفاسه، إلى حد أننى أتحاشى أن أسكب دموعى بين يدى قارئ مجهول لى، أو قارئ يعرفنى ويعرف سليمان، لذا أقترح أن أبدأ هكذا، أبدأ بما يشبه الحياد السلبى. مات محمد سليمان، مات موتًا بطيئًا ومتوقعًا، لذا لا بد أن أتحصن ببعض ذكرياتى، كأن أعود إلى لحظة عرفته لأول مرة، حيث كان صيدليًا صاحب أجزاخانة، وكنت طالبًا بالجامعة، أى صاحب وقت فراغ، أذكر فقط أننى أيامها كنت أعانى بعض الوحشة لأننى قليل الأصدقاء، ولأننى خجول، فإذا حادثنى من لا أعرفه، غلبنى الخجل والصمت القاطع، كنت فقط، فقط أطول من ظلى، وأقصر مما أشتهى أن أكون، أقصر من نخلة الله التى زرعها أحد الشعراء العراقيين، حسب الشيخ جعفر، وغالبًا ما أمشى حال انفرادى بنفسى وكأننى أخاف من أن أنظر حولى، أخاف أن تراقبنى أخيلتى، وهاأنذا ذات ضحى قديم منذ ما يقرب من خمسة وخمسين عامًا، أذهب إلى أحدث صيدلية قريبة من بيتنا، أعنى بيت عائلتى، بقصد شراء دواء لأحدهم، صاحب الصيدلية يجلس على كرسى أمام مكتبه، كان يمضغ لبانة ويلوكها، كأنه فى لحظة استرخاء أو ملل، عدسات نظارته تبدو من بعيد داكنة وسميكة إلى حد ما، وبين يديه كتاب سوف يتخلى عنه لحظة دخولى، هل هى الصدفة التى أتاحت لى التقاط عنوان الكتاب؟ فيما بعد تشككت، لعله القصد، لأننى أطلت النظر إلى الكتاب قبل أن ألتفت إلى ذلك الجالس المطمئن، السيد الصيدلانى، الذى فاجأنى بوجه فصيح ناطق وإن بلا كلام، وضاحك وإن بلا ابتسامة، وجه ملامحه لا تحيّرك، فهى ملامح ريفية طيبة مطمئنة، وكأنها ملامح صاحب استراحة، فطنت إلى أنه لمحنى منذ التفتُ إلى كتابه، ما دام قد تعمّد أن يضعه على طاولته بما يتيح لى قراءة غلافه، هاها، صلاح عبد الصبور أحلام الفارس القديم، كأنه يسألنى بلباقة ودون تعالٍ، هل يعنيك هذا، وكأنه استنتج إجابتى، نعم يعنينى، وهاأنذا أرى شبه ابتسامة، شبه ابتسامة رضا عن النفس من طرف، وترحيب من طرفها الثانى، «يمكنك أن تجلس»، أعترف أننى آنذاك كنت آمل فى هذه الدعوة بعد رؤيتى لديوان صلاح، كما أعترف أننى كنت سأضيق بنفسى إذا لم يفعل، لذا جلست دون تلكؤ، ومنذها بدأنا الكلام الذى استرسل ولم ينقطع لمدة خمسة وخمسين عامًا.. ساعتها ارتبت للحظة ألّا يعنى ديوان صلاح أكثر من أنه محض وسيلة لقطع وقت الفراغ فى أثناء العمل، لكنه فطن إلى ما يراودنى، وعاجلنى بإعلان إعجابه ومحبته لهذا الديوان، وسرد أسماء بقية دواوينه بمحبة ظاهرة، الناس فى بلادى، وهلة صمت، أقول لكم، لاحظت أن صوته الجهير أصبح خافتًا بعض الشىء، كأنه الخشوع، قلت لنفسى، الأكيد أن صلاح عبد الصبور شاعر من شعراء يقرأ لهم، لكننى لم أسأله، تناولت الدواء وتهيأت للانصراف، لولا أنه استبقانى، وذهب إلى المعمل الكائن فى مؤخرة الصيدلية، ليعود بعد قليل بكوبين من الشاى، وبمهارة إنسانية، سألنى: ما قدر سكرك، كأنه ينشئ صداقة، وعندما انصرفت، كنت أفكر فى موعد اللقاء الثانى، وهكذا توالت زياراتى للصيدلية، حتى أصبحت شبه يومية، عرفت خلالها أنه مأخوذ بالشعر، وأفاض فى الكلام عن تساؤلات صلاح الميتافيزيقية والفيزيقية، وقارن بينه وبين دنيوية أحمد حجازى وأرضيته، وتحمس أكثر لميتافيزيقيا صلاح.. ولما ستتكرر اللقاءات سأكتشف أن تفكيره يلح على المقارنة بين الشاعرين، ويكاد يقر بأنه أسير الشعراء المصريين الأربعة، صلاح وحجازى وعفيفى مطر وأمل دنقل، وبهذا الترتيب، وأنه لم يسبق له أن قابل منهم إلا صلاح وأمل، فى تلك الفترة أو قبلها بقليل كنت قد تعرفت على محمد عيد إبراهيم، والذى بهرنى بهدوئه وقادنى إلى شبرا وفيها تعرفت للمرة الأولى على أحمد طه وعبد المقصود عبد الكريم، وعلى المكان الذى اسمه شيكولانى، حيث تسكن عائلة أحمد طه فوق سطح إحدى العمارات، هذا السطح سوف يصبح سطحى الأسبوعى فى كل خميس، ومنذها أصبحنا نلتقى دوريًا إلى أن تعارف الجميع، محمد سليمان وأحمد طه وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم وعبد المنعم رمضان، وكان هذا مقدمة للتفكير فى تكوين جماعة (أصوات)، كما أهدانا محمد عيد هذه التسمية، انتبه أحمد طه إلى أننا غالبًا فى المستقبل قد ننقسم عند الاختلاف إلى فريقين، أحدهما سيضم على الأغلب محمد سليمان، ومحمد عيد، وعبد المنعم رمضان، لوثاقة علاقاتهم وتقاربها، والفريق الثانى سيضم أحمد طه وعبد المقصود لتقاربهما رؤيا ورؤية، مما سيجعل كل تصويت محتمل محسوم لحساب الفريق الأول، اقترح أحمد طه ألا يكون محمود الهندى محض فنان تشكيلى لمطبوعات أصوات بل يصبح عضوًا فى الجماعة خاصة أنه أقرب إلى المجموعة الثانية رؤيا ورؤية أيضًا، الحقيقة أن محمد سليمان لم يكن يعنيه إلا ما سنقوم به، ولأنه كان أيسرنا حالًا، صار أيضًا الأكثر إسهامًا بالمال، فيما كنا الأكثر إسهامًا بالجهد، وبسبب الجيرة بين صيدليته وبيتى أصبحنا نتقابل يوميًا تقريبًا، لكننى فوجئت به ذات يوم يقول لى: واد يا منعم، متى تدعونى للغداء عندكم، وعلى الرغم من ترحيب أبى وأمى وإعجابهما بطلبه إلا أننى ارتبكت، وفى اليوم التالى زارنى فى بيتى وتعرّف على أبى، الذى ألف فيما بعد أن يمر على الصيدلية بين وقت وآخر، ويجلس مع صديقه الجديد، ويتناجيان كاثنين من أصول واحدة، فكلاهما من المنوفية، لم يكن محمد سليمان مغلقًا على (أصوات)، كان قريبًا أيضًا من شعراء جيله، الأصح قريبًا أكثر من شعراء جيله، نصار عبدالله ومحمد فهمى سند ومحمد أبو دومة وحسن توفيق وأحمد عنتر مصطفى وأحمد الحوتى وأحمد سويلم وغيرهم.. ومع قرابتنا الشعرية، محمد وأنا، سقطت أسوار كثيرة، وظهرت المرأة فى حياة كل منا، لكن وجودها فى حياة محمد سليمان بدا وكأنه زلزال يقتحم ريفيته، مما أدى إلى اضطراب خارطته واهتزازها مثل غرفة أسرار، إلا أن ضحكته لم تنكمش، وظلت ترافقه مع كل صبوة وكبوة، إلى حد أنه ظل دائمًا يحاول أن يكون صانع الفرح لنفسه وللآخرين، فى النهاية وبعد رحيله ثمة سؤال سوف يظل يراوغنى ويراودنى، لماذا تواطأت الحياة الأدبية، وتواطأنا نحن جيل السبعينيات على قبول تلك الشائعة التى استقرت مثل حقيقة نرددها بمحبة دون أن ننتبه إلى عدم صحتها وهى أن الشاعرين محمد سليمان وحسن طلب شاعران سبعينيان، لمجرد أنهما انتسبا للجماعتين (أصوات وإضاءة 77)، وأسهما بما استطاعا فى تدعيم أنشطتهما، بالجهد والمال والصداقة، ومع أن الإسهام الفنى لإدوار الخراط مع كل الأجيال التالية عليه، لم يصحبه انتسابه إليها، رغم أن كتابة إدوار الخراط ذات المستويات قد تجعلها مرافقة لكتابات الأجيال التالية، إلا أنه لم يجرؤ أحد على تزوير انتسابه، بينما شعر محمد سليمان وحسن طلب لا ينتسبان فنيًا إلى القيم الجمالية والفكرية التى انتسب إليها شعر السبعينيات، وشعرهما، سليمان وطلب، ذو قيمة فى ذاته، لكنه أبعد ما يكون عن شعر السبعينيات على مستويى الأداة والرؤيا، إن رحيل محمد سليمان جدير بأن يحرر شعره من هذا النسب الخاطئ، يخلّصه من إسقاط ظلال السبعينيات عليه، والسبعينيات ليست أفضل مما سبقها أو مما تلاها، أذكر أن إدوار الخراط ذات لحظة إشراق ليست عابرة، لأنها كانت تعاوده، أذكر أنه انتبه وكأنه انتبه فجأة، إلى حاجة الشاعرين حسن طلب ومحمد سليمان إلى السعى بدأب فنى من أجل دخول جحيم الحداثة، ومؤالفته، بغية أن يجرؤا على التخلى عن السرديات الكبرى العالقة بثقافتيهما، والابتعاد بإصرار عن الخضوع للهويات المكتملة سواء كانت فردية أو أممية، فردية كائن، أو أممية جماعة، وأن يحذرا ارتكاب الوقوع فى غواية المركز، أى مركز، ليزيحا بعيدًا عنهما شهوة الاطمئنان والأمان داخل حضن الرؤية المحافظة للعالم، ما دام كل فعل أو اسم قابلًا للانكسار والزوال، وفاقدًا فى الغالب لنعمة اليقين، ربما الأصح لنقمة اليقين، فى الأخير، مات محمد سليمان، ذهب الذين أحبهم، وبقيت وحدى تحت سقف الذكريات.