لا أحد يستطيع أن ينكر مساحة الارتباط بين مصر ودول الخليج دون تحديد أو استثناء، أو مساحة المحبّة بين المصريين والخليجيين أعتقد أن الحرب التى استمرت بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لفترة طويلة نسبيًا، سوف تفصح بعد نهايتها- إن انتهت- عن ظواهر جديدة، وسوف تخلق عالما وواقعا جديدين، على مستوى دول المنطقة، وعلى مستوى الدول الكبرى التى تظن أنها متحكمة فى حركة التاريخ، وتشكيل المستقبل وتوجيه الحركة والسلوك للجميع، وفرض مسارات جاهزة يتبعها الجميع. فقد سقطت هيبة بعض الدول الكبرى، وأظن أن هذه الهيبة لن يتمّ استعادتها بسهولة مرة أخرى، لأن هذه الهيبة لم تسقط عسكريا فقط، وإنما سقطت أخلاقيا مرة بعد مرة فى العقود الأخيرة بانحيازها ضد الحق والعدل. السقوط- أو بدايات تلاشى الدول والإمبراطوريات- لا يتمّ فى لحظة واحدة قاطعة، بل يسبقه تاريخ طويل محمّل بالسقطات العديدة فى مناح مختلفة. فتبدأ- نتيجة لذلك- بكرة أو دائرة الخيط فى الحركة نحو التلاشي، فهذه الهزّة التى يرى البعض أنها هزّة ضعيفة وغير مؤثرة أقرب إلى حركة جناحى الطائر فى منطقة بعيدة، قد لا يُلمح أثرها على البعد، لكنها مؤثرة فى حركة القلب والأجنحة. وقد يأخذ التلاشى والسقوط النهائيان مدى زمنيًا طويلًا، وقد يكون سريعًا بدخول عوامل عديدة وسياقات دولية مفاجئة تعمل على الإسراع بحدوثه، وتشعر الجميع قبل ذلك بحتمية وجوده وقدومه. القوّة والضعف يشكلان دورات دائرية، والصعود والهبوط من موجبات الحياة والكون، فليس هناك دولة أو أمة ظلّت قوية طوال تاريخها، باستثناء الأمم ذات التاريخ الممتدّ والعريق، لأنها حتى فى لحظات ضعفها تستطيع أن تتماسك وتستعيد قوتها بسهولة استنادا إلى تاريخها وإلى تأثيرها الملحوظ، ولأن هذه الأمة أو هذه الدولة لم تسقط أخلاقيا فى أية لحظة من لحظات التاريخ. وهذا الأمر المرتبط بالهوية الواحدة المشدودة إلى الثبات ومجابهة كل المتغيرات التى تؤثر فى الكثير من الدول بالتفكك إلى دويلات أو بالتلاشى بشكل عام، لا يتحقق إلا لبعض الدول العريقة ذات التاريخ والحضارة. انتقام لاستعادة الهيبة يبدو أن إسرائيل خسرت فى هذه الحرب خسارة فادحة، وهذه الخسارة سوف يظهر أثرها فى رد الفعل العنيف، خاصة أن الخسارة لا تتمثل فقط فى عدد القتلى أو الجرحى، فهذا ديدن كل حرب، ولكن الخسارة الكبرى هى خسارة الحلم المستوطن فى عقول كثيرين ينتمون إليها عرقيًا ودينيًا، وينتمون إلى فكرتها. لقد خسرت إسرائيل المتخيل النموذجى الذى تقتات عليه لبقائها واستمرارها. فالمشابهة مع صاحب الحق فى النزوح وحمل الأمتعة هربا من نيران الحرب يظلّ وجودا شديد القسوة على الشعب الإسرائيلي، وتهشّم الفكرة أو المتخيل، وتهشم نظرتهم إلى الأمن مستندين فى فترات زمنية سابقة إلى الساتر الترابى، وإلى الجدار العازل، وهذا كله لم يولد الأمن، ولم يجعلهم يشعرون- ولن يشعروا- بالأمن، لأن هناك إحساسا داخليا باغتصاب الأرض والتاريخ. إن الدول التى جاءت إلى الوجود بدون تاريخ، وبدون حضارة، يمكن أن يرشدا ردود أفعالها، فى محاولتها المستميتة لاستعادة الهيبة المفقودة، لن تجد- أى هذه الدول- سبيلًا ناجعة للوصول إلى هدفها فى اشتباكها مع جيش منظّم، وإنما المتوقع أن تعيد سيناريو تمّ السير والتعوّد عليه مرّة بعد مرّة، ولهذا أتوقع أنها ستوجّه قوتها المفرطة- دون التحام مباشر أو مواجهة على الأرض- نحو الكيانات غير المنظّمة وغير النظامية، لأنه يسهل النيل منها بسهولة، فيعود إليها بعض من ماء وجهها الذى أريق. بداية التعدد ونهاية الأحادية القطبية من عقود ونحن نتحدث عن الأضرار البالغة التى حدثت لبعض دول العالم فى ظلّ سيادة الأحادية القطبية أو القوة العالمية المهيمنة، لأن القطب المقابل أصابه فى فترة من الفترات الكثير من الوهن أو الضعف، ولأن بعض الأقطاب أو النمور الصاعدة ما زالت بعيدة عن القدرة على التأثير، لأنها لم تستكمل وجودها أو قوتها التى تكفل لها المغايرة، بإسدال نوع من الهيمنة. أعتقد أن الحرب الأخيرة كشفت- ولو نفسيا- عن إمكانية تعافى القطب الروسى القديم، وعودة دوره بالقوة ذاتها، لكى يسدل نوعا من التوازن، ذلك التوازن الذى كان موجودا فى لحظات زمنية سابقة، ولو ظلّ هذا الدور موجودا فى العقود الأخيرة، لأوقف الكثير من الكوارث التى مرّت بها بعض الدول فى العالم، ولأوقف طبيعة العقاب المفرطة فى القوة عند حدود العقوبات الاقتصادية، وسوف تتكشّف الأمور بعد هذه الحرب عن اكتمال قوة الصين، ووصول تأثيرها إلى أفق فاعل فى خلخلة الأحادية القطبية، أو على الأقل تجعلها تتجلّى بشكل مغاير عن السيناريوهات الجاهزة والمعدّة سلفا من أجل الأهداف البراجماتية. الارتباط المصرى ودول الخليج لا أحد يستطيع أن ينكر مساحة الارتباط بين مصر ودول الخليج دون تحديد أو استثناء، أو مساحة المحبّة بين المصريين والخليجيين، وهو ارتباط فى قسيميه يكشف عنه سلوك وتقدير واضح من الجانبين، وتحتمه ارتباطات اللغة والدين والتاريخ والمصير المشترك. ولهذا كان هناك شعور بالانزعاج من تغريدات وتصريحات بعض الموتورين من الجانبين. ولكن الأمر- فيما أظنّ- يحتاج نوعا من التوضيح، وربما يكون هذا التوضيح فاعلا إذا استحضرنا- إن تمت الموافقة على شىء أو توصيف كهذا- العدو التاريخى للشعب المصري، ومدى تأثير دخوله الحرب على الجانب الذى ستستقرّ فيه عواطف المصريين. دخول إسرائيل الحرب، بل هي- فوق ذلك- من قام بالاعتداء فى البداية مبرر لحركة عواطف بعض المصريين تجاه إيران. ففرحة بعض المصريين بثبات إيران- ولا أقول انتصارها- أمام أمريكا وإسرائيل لها مسوّغها لوجود العدو التاريخى على الجانب المقابل المعتدي. وهذا لا يقلل من حبّنا لدول الخليج، ومن ارتباطنا بأهله وناسه، ولا يقرّبنا- فى الآن ذاته- من الإيرانيين إلا فى حدود انتمائهم إلى الإسلام، مع الإقرار بأننا أمام حرب مصالح فى الأساس. ومع فرحة البعض بثبات إيران كانت هناك أمنيات واضحة ودعوات صادقة من كل المصريين بابتعادها عن استهداف دول الخليج والمنشآت الحيوية بها. أعتقد أن ما حدث، وبالنظر إلى النتائج المحتملة، يجب أن يجعلنا نعيد النظر مرّة أخرى، إلى طبيعة علاقاتنا بوصفنا دولا عربية يجمعها مصير واحد، وأن نعيد النظر فى ارتباطنا بالآخر القريب أو الآخر البعيد. إن نتيجة هذه الحرب يجب أن توجهنا وجهة جديدة، وتمهّد بشكل سريع إلى تحالفات حماية ودفاع مشترك فيما بيننا. فقد أثبتت التجربة أن هذا الآخر القادم من بعيد لا يهتم إلا بحماية نفسه، وحماية مناصره الأبدى دون مواربة، بل هو فى أحسن الأحوال يمكن أن يورطنا على الأقل- حفاظا على هيبته وقوامه الممشوق- فى حرب لا ناقة لنا فيها. الذكرى الأولى لأمي فى الرابع عشر من أبريل 2026 تحلّ الذكرى الأولى لوفاة أمي، وهى ذكرى أليمة وحزينة، لا أزال أشعر بالوحشة والخوف كل ليلة، وأتخيل وجودها بجواري، لقد ظلّ إحساسى بوجودها- وبوجود أبى إلى أن توفاهما الله- إحساسا تهويميا واقفا عند حدود وعى الطفل البسيط الذى يعتقد أن أمه وأباه، شيئان كبيران، ويشكلان وجودا مغايرا للمنطق، وسوف يبقيان حاميين، وأنهما مستمران، ولن يفلح الموت مهما حاول فى الوصول إليهما. فى مثل هذه الأيام أحاول أن أتذكر ملامحها وصوتها، وردود أفعالها، حنانها وغضبها، ودائما ما أعيد قراءة قصيدة حامد طاهر- رحمه الله- فى رثاء والدته التى يقول فيها: لا الدمع فاض حين لفّنى النبأ ولا التوتْ بالحلق لسعة الظما وإنما وجدتُ كل شاهق أمام ناظريّ ينكفئ