بعيدا عن التصريحات المتشددة من الطرفين الأمريكى والإيرانى قبل محادثات «إسلام آباد» فإن تشكيل وفدى التفاوض يعلن بوضوح أن الطرفين يتعاملان بجدية شديدة مع المفاوضات رغم العقبات الكبيرة التى اعترضت طريقها. وفى حين ضم وفد إيران بقيادة رئيس البرلمان «قاليباف» أكثر من سبعين شخصية قيادية على رأسهم قادة الدبلوماسية والأمن والمالية، فإن ترؤس «دى فانس» نائب الرئيس للوفد الأمريكى لا يعطى فقط إشارة حاسمة لأهمية المفاوضات بالنسبة لواشنطن، وإنما هو رسالة تحاول اختراق مناخ عدم الثقة بعد ما حدث فى جولتى التفاوض السابقتين مع ويتكوف وكوشنر اللتين انتهت كل منهما باندلاع نيران الحرب بدلا من تحقيق اتفاق كان قريبا. ومع ملاحظة أن «دى فانس» كان قريبا من ملف التفاوض فى المراحل الأخيرة قبل الحرب، وأنه كان على دراية كاملة بتفاصيل ما تحقق من تقدم فى هذه المرحلة من التفاوض خاصة بعد لقائه بالوسيط العمانى وزير الخارجية عشية اندلاع الحرب التى لم يكن دى فانس من مؤيديها.. فإن ترؤسه الوفد الأمريكى أمس يعنى أيضا أن الاتصالات غير المباشرة قد حققت بالفعل تقدما، وأن هناك ما يمكن البناء عليه رغم نقاط الخلاف المتعددة التى ما زالت عالقة. وربما هذا يفسر أن الجانبين قد يكونان جاهزين لاتخاذ القرارات فى الكثير من هذه الملفات العالقة إذا سارت الأمور على نحو معقول فى إسلام آباد وإذا ذللت العقبات الطارئة وأولها ما يتعلق بوقف إطلاق النار فى لبنان الشقيق وهو ما سيؤدى فورا إلى استئناف فتح مضيق هرمز بالتزامن مع استمرار المفاوضات. وفى هذا الإطار قد يكون لافتا أن يضم الوفد الإيرانى فى عضويته إلى جانب قاليباف ووزير الخارجية عراقجى أكبر المسئولين فى مجلس الدفاع الوطنى ومحافظ البنك المركزي. وهو ما يشير إلى ما توليه طهران من أهمية لقضايا الأمن فى هذه المفاوضات، وأيضا لقضية رفع العقوبات واستعادة الأموال المجمدة، ولو صحت التسريبات عن احتمال الإفراج عما يقارب ستة مليارات دولار من الأموال المجمدة لإيران فى بنوك أمريكا وأوروبا فسيكون ذلك اختراقا كبيرا لحاجز عدم الثقة بين الطرفين وخطوة مهمة لإثبات حسن النوايا سيكون على طهران أن تقدم المقابل لها.. وهذا كله سابق لأوانه فيما يبدو، وإن كان يجرى التلويح به كجائزة منتظرة. أكتب هذه السطور قبل أن تبدأ المفاوضات فى إسلام آباد، والجهود تبذل لتجاوز العقبات الطارئة التى كان الجميع فى غنى عنها لو التزمت كل الأطراف «من البداية» بالاتفاقات السابقة، ولو لم ترتكب إسرائيل مذبحتها الجديدة فى بيروت، ولو تم إجبارها على احترام القانون ومعاقبتها على جرائم الحرب التى تتمادى فى ارتكابها. لو حدث ذلك، لكانت الأمور أيسر بكثير فى «إسلام آباد».