بعد أن حبس الكثيرون أنفاسهم استعدادا لبدء حرب مستعرة تعهد بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مؤكدا اعتزامه تدمير إيران والقضاء على حضارة كاملة، أزالت مهلة ال 15 يوما التى تم الاتفاق عليها بين واشنطنوطهران مخاوف ليس فقط فى الشرق الأوسط، بل وفى واشنطن أيضا. اقرأ أيضًا| ماكرون: تعليقات ترامب التي تسخر مني ومن زوجتي بريجيت «غير لائقة» ومما لا شك فيه أن الضغوط الداخلية الأمريكية تفوقت بشدة على الضغوط الإسرائيلية فى قرارات الإدارة الأمريكية، حيث انحنى الرئيس ترامب أمام موجة داخلية عاتية كادت تعصف بما تبقى من مدته الرئاسية بعد أن ذهب البعض إلى التشكيك فى القدرات الذهنية والعقلية له. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل دعا عدد من قادة الديمقراطيين بالكونجرس إلى تفعيل التعديل ال 25 من الدستور الذى ينص على إبعاد الرئيس من منصبه فى حال عجزه عن أداء مهامه الوظيفية، أو الشك فى قدراته الذهنية. وفاجأ ترامب العالم بالإعلان عن الهدنة التى وصفها بعض المحللين بال»هشة»، خاصة بعد أن جاءت تصريحاته على منصة «تروث سوشيال» والتى قال فيها «إن كل القوات العسكرية الأمريكية من سفن والمعدات العسكرية التى تم استخدامها لإلحاق الهزيمة الساحقة بالعدو الذى أُضعف بشكل كبير، ستبقى فى مواقعها داخل إيران وحولها إلى حين الالتزام الكامل بالاتفاق الحقيقى الذى تم التوصل إليه». هذه التصريحات أثارت الشكوك حول ما إذا كانت هذه الهدنة هى مجرد فرصة لالتقاط الأنفاس، أم رغبة حقيقية فى الرضوخ لضغوط داخلية، والوصول إلى اتفاق ينهى التورط فى مواجهة عسكرية، تستنزف شعبية الرئيس، وليست القدرات العسكرية الأمريكية فحسب. اقرأ أيضًا| بين التهديد والدبلوماسية.. كواليس الساعات الأخيرة قبيل إعلان وقف حرب إيران كل هذه الأحداث المتلاحقة أثارت تساؤلات عديدة حول السيناريوهات المحتملة لفترة ما بعد انتهاء المهلة. وتساءل جدعون راخمان فى صحيفة الفاينانشال تايمز عما إذا كانت هذه الهدنة تمثل تمهيدا لنهاية كاملة للصراع، أم مجرد توقف مؤقت قبل استئناف القتال. مضيفا أن هناك أسبابا منطقية تدعو إلى الاعتقاد بأننا قد نكون بصدد الدخول فى مرحلة صنع السلام. فكل من ترامب والقيادة الإيرانية لديهما دوافع قوية لإنهاء القتال. فالرئيس الأمريكى لا يرغب فى الانخراط فى حرب طويلة من شأنها أن تضر بالاقتصاد الأمريكى وتعمق الانقسامات داخل قاعدته السياسية. وفى المقابل، تسعى إيران بكل تأكيد إلى وقف القصف. وقال إن الإعلان عن هدنة لمدة أسبوعين جاء ليبدد هذه المخاوف، ويمثل مصدر ارتياح كبير، حيث تم تجنب «نهاية العالم» على الأقل فى الوقت الراهن.. وسعى الكثير من المراقبين لوضع تصورات لمرحلة ما بعد انتهاء الهدنة وكان تمديد وقف إطلاق النار هو السيناريو الأكثر ترجيحا، حيث قد يلجأ الطرفان إلى مد المهلة لإتاحة مزيد من الوقت للمفاوضات، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ويعكس هذا الخيار رغبة مشتركة فى «شراء الوقت» دون تقديم تنازلات حاسمة. وربما يعمد الطرفان إلى إجراء اتفاق جزئى أو مرحلى بحيث يتم التوصل إلى تفاهمات محدودة، مثل ضمان أمن الملاحة فى مضيق هرمز أو تخفيف جزئى للعقوبات، دون معالجة شاملة لبقية الملفات. ويمنح هذا السيناريو كل طرف فرصة إعلان إنجاز سياسى مرحلى. ووسط ما تنبئ به التصريحات الأخيرة للطرفين يبقى احتمال انهيار المفاوضات وعودة التصعيد واردا فى حال فشل المحادثات، وقد تعود المواجهة العسكرية، سواء عبر ضربات مباشرة أو من خلال ساحات إقليمية. ويظل هذا السيناريو محفوفًا بمخاطر توسع الصراع وتهديد إمدادات الطاقة العالمية. ويبقى الوصول إلى اتفاق شامل هو السيناريو الأقل احتمالًا على المدى القصير، إلا أنه قد يكون ممكنًا فى حال حدوث اختراق مفاجئ فى المفاوضات، يقضى بتقييد البرنامج النووى مقابل رفع تدريجى للعقوبات. غير أن هذا المسار يتطلب تنازلات كبيرة من الجانبين. كل هذه السيناريوهات لا تمنع تدويل الأزمة والاتجاه نحو مزيد من التدخل الدولى، سواء عبر وساطات أوروبية أو تحرك فى مجلس الأمن، بهدف احتواء التصعيد أو فرض مسار تفاوضى جديد. ويتوقف الكثير من المراقبين حول إمكانية كلا الطرفين الادعاء بتحقيق شكل من أشكال الانتصار. فقد تمكن النظام الإيرانى من الصمود وإظهار قدرته على الرد. بينما يستطيع ترامب القول إنه ألحق دمارا كبيرا بالقدرات العسكرية الإيرانية وأعاد فتح مضيق هرمز حتى وإن كان إغلاقه فى الأساس جاء كنتيجة مباشرة للحرب. وعلى طاولة مفاوضات تجمع طرفين لا يثق كلاهما فى الآخر سوف تطفو إلى السطح قضايا شديدة التعقيد، لا يتسع الوقت لمعالجتها. ويتفق معظم المحللين على أن مسألة مضيق هرمز ستكون فى قلب هذه المفاوضات. فالمضيق مفتوح حاليا، لكن هل ستطالب إيران بشروط لإبقائه مفتوحا بشكل دائم؟ إذ من الواضح أن طهران تسعى إلى فرض نوع من نظام الرسوم على هذا الممر البحرى الذى يمر عبره نحو 20٪ من صادرات النفط العالمية، ويمكن أن يوفر ذلك مصدرا ماليا ضخما، إضافة إلى أداة نفوذ دائم على جيرانها وعلى الدول المستوردة للطاقة حول العالم. غير أن هذه الأسباب ذاتها تجعل من غير المرجح أن تقبل الولاياتالمتحدة، مدعومة بحلفائها فى الخليج، بأى محاولة إيرانية لتحويل المضيق إلى ما يشبه «بوابة تحصيل رسوم». وبالتالى، سيكون على إيران إما التراجع أو التوصل إلى تسوية غامضة تتيح لكل طرف الادعاء بتحقيق مكسب. وترتبط مسألة هرمز أيضا بمطلب إيران بالحصول على تعويضات. فالنظام الإيرانى يؤكد أن بنيته التحتية تعرضت لأضرار جسيمة، لكن من غير المرجح أن توافق الولاياتالمتحدة على ذلك، إذ سيعنى إقرارا ضمنيا بالمسئولية. كما ستسعى إيران إلى الحصول على نوع من الضمانات التى تمنع استئناف الحرب فى توقيت تختاره الولاياتالمتحدة أو إسرائيل. وفى المقابل من المرجح أن يربط الأمريكيون والإسرائيليون أية ضمانات من هذا النوع بسلوك إيران فى عدة ملفات، من بينها مضيق هرمز، وإعادة التسلح، ومستقبل البرنامج النووى الإيرانى. حيث طالبت الولاياتالمتحدة بفرض حظر دائم على تخصيب اليورانيوم فى إيران، كما تبدى قلقا كبيرا إزاء مصير المخزون الحالى من اليورانيوم عالى التخصيب. وهذه هى القضايا ذاتها التى أدت إلى تعثر جولات التفاوض السابقة. ومازال من غير الواضح ما إذا كانت أسابيع القتال قد غيرت مواقف أى من الطرفين، حيث استبعد رئيس «منظمة الطاقة الذرية الإيرانية»، محمد إسلامى، قبول أيّ قيود على برنامج تخصيب اليورانيوم، وفق ما تطالب به الولاياتالمتحدة وإسرائيل. ومع بدء المفاوضات يثور تساؤل حول من سيعتمد عليهم ترامب وهل سيواصل ترامب الاعتماد على مفاوضيه المقربين، المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، اللذين تعرضا لانتقادات بسبب أدائهما فى جولات سابقة؟ ومن سيتخذ القرارات الأساسية فى طهران، فى ظل مقتل عدد من قياداتها وغياب المرشد الجديد عن الظهور؟ ونظراً لانعدام الثقة العميق بين الأطراف المعنية، تبقى جميع السيناريوهات مطروحة إذ لا تزال هناك تفاصيل جوهرية مفقودة، وكما كتبت مجلة الإيكونوميست. «إذا تمسك الطرفان بمواقفهما الحالية، فقد تنتهى المحادثات إلى نفس الجمود الذى وصلت إليه قبل الحرب فى فبراير».