طارق الطاهر منذ فترة قصيرة، أهدتنى زميلتى الكاتبة المبدعة منصورة عز الدين، مجموعتها القصصية الأخيرة «متحف الأخطاء»، هذا الإهداء كان كفيلا بأن أستعيد سنوات طويلة جمعتنى بها، منذ مجيئها ل «أخبار الأدب» فى نهاية التسعينيات، لأكون شاهدا على تجربة إبداعية متفردة. منصورة لم تكن تكف أبدا عن القراءة فى مختلف المجالات، وكان لديها دائما قدرة على التحليل والمناقشة، وضعت نصب عينيها أن يكون لديها مشروعها الإبداعى، لذا كل عمل يصدر لها، لم يكن -فى أى حال- بعيدا عن «جذرها» الأساسى، الذى أخذت ترويه رويدا رويدا، وهذا الأمر ليس منفصلا عن حبها لزراعة النباتات، ولديها معرفة دقيقة بأندرها وكيفية زراعتها، مما علمها «الصبر»، لم تستعجل فى يوم من الأيام لنشر عمل، فى لحظات أسألها عن ماذا تكتب، فتروى لى عن عمل يشغلها، وأعتقد أنه على وشك الصدور، إلا أن الأمر لم يكن بهذه السهولة، فهى دائما لا تنشر إلا ما ترى أنه قد أخذ حقه من جهدها وصبرها. أعمالها دائما لها بريقها الخاص، مما أهلها للفوز بعدد من الجوائز العربية والعالمية، ووصلت روايتها «وراء الفردوس» للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2010، وبعد ذلك تتابعت أعمالها وجوائزها ومشاركتها فى العديد من الندوات والمؤتمرات خارج مصر، مما جعل لديها حصيلة كبيرة من الالتقاء المباشر بثقافات متنوعة فى الشرق والغرب، فضلا عن فوزها بمنح إقامة إبداعية فى عدد من الدول، مثل الصين، وأسفرت هذه الإقامة عن كتابها «خطوات فى شنغهاى» الذى يعكس تأملات واقعية ممتزجة بقراءات معمقة عن هذه الدولة المبهرة «الصين»، فهى عالم ساحر من الجمال والمتعة، وهو ما جعلها تستحق عن هذا الكتاب، جائزة ابن بطوطة فى أدب الرحلات. كما توجت منصورة -تقديرا لجودة أعمالها- بعدد من الجوائز منها: جائزة أفضل رواية عربية عن معرض الشارقة الدولى للكتاب 2014 عن روايتها «جبل الزمرد»، ووصلت مجموعتها القصصية «مأوى الغياب» إلى القائمة القصيرة لجائزتى: الملتقى للقصة العربية 2018 والشيخ زايد 2020، وغيرها من الجوائز. أعود إلى مجموعتها «متحف الأخطاء» الصادرة عن دار الشروق؛ وهى مجموعة مدهشة، كل قصة تمتلك عالمها وقدرتها على إدهاشك، وكما جاء فى غلافها الخلفى، أن هذه القصص تمتد فى عوالم «من دفء القاهرة وتفاصيلها الحميمة إلى شوارع باريس الماطرة ومقاهيها، تأخذنا منصورة عز الدين فى رحلة سردية عبر خمس عشرة قصة، لا تكتفى فيها برصد الواقع، بل تعيد تشكيله بخيال خصب ولغة بصرية مكثفة». هى بالفعل مجموعة قصصية، مستخرجة من متحف «منصورة عز الدين» التى تمتلك وحدها مفاتيح قاعاته، لتفتحها لنا لنتجول فى هذه القاعة أو تلك، حسبما تريد أن تنقل لنا متعة سحرية من عالم لا ينضب.