تقرير وتصوير:عبدالرحيم العرجان من درنكة، المغارة التى آوت السيدة العذراء مع ابنها المسيح نبى الله عليهما السلام، كانت رحلتنا لتتبع هذه الخطى المباركة، برحلة استشرقنا فيها بكرامات الأمان وأحفاد من أجاروها فى رحاب محافظة أسيوط بقلب الجنوب المصرى ودرة الصعيد. فى مغارة كانت مأوى لخلق الله من فيضان النيل عبر التاريخ ومن قيظ الصيف كانت بشارة الأمان، وأمر الله بالعودة إلى الناصرة وبيت المقدس، برحلة تتجاوز الألف كيلومتر ذهابًا ومثلها عودة، تاركةً بركة الله تتوارثها أجيال فى أرض دبّ فيها الخير لدعاء الإحسان: «وما جزاء الإحسان إلا الإحسان». وصلنا إلى المغارة، وعينى ترقب من بعيد جبل أسيوط المهيب، حيث مقصدنا من طريق الغنايم، وشعور العودة إلى الروح يجتاحك، إلى أن عبرنا البوابة وبلغنا الكهف الكبير ذا المدخلين، الذى يعود تاريخ نَقبه إلى أربعة آلاف وخمسمائة عام قبل الميلاد، بمعاول قدماء المصريين. حيث مكثت السيدة العذراء مع ابنها النبى نصف عام وبضعة أيام فى حجرتها المستقلة داخل الكهف الواسع، لتضم فيه طفلها إلى قلبها، ومشاعر الأمومة حاضرة، مستمدةً منه قوتها، وأخرى ليوسف النجار، الذى أصبح مزارًا لأتباع الديانة المسيحية والمسلمين، ومِمَن دخل قلبه الإيمان واتسعت بصيرته بالبحث عن الحقيقة واستشفافها من أرض الواقع، ونحن منهم. وبتنظيم من مدير الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة فى أسيوط، د.سمير عبدالتواب، استقبلنا بترحاب كبير وتواضع جمّ، أمينُ الدير الأب بيشوى أفا هيرمينا، ممزوجًا بكرم أهل الصعيد، وهو يشرح لنا أدق التفاصيل عن المغارة والكنيسة التاريخية التى يعود بناؤها إلى القرن الأول الميلادي، وما جرى من تطوير على الكهف فى مراحل مختلفة، مع المحافظة عليه بشكله الأصلي، وما عُمّر منذ بداية الرهبنة فى القرن الرابع الميلادى واستمر حتى اليوم. ليصبح ما داخل السور مجمعًا معيشيًا متكاملًا، مفتوح الأبواب لكل الزائرين، وكثيرًا ما يقصده المعتكفون فى فترات الصيام والأعياد، حيث يبلغ متوسط زواره ما يقارب ثلاثة ملايين زائر سنويًا من مختلف دول العالم، وهو رقم قياسى فى زيارة الأماكن المقدسة، يقوم على خدمتهم متطوعون لنيل هذه الكرامة. وبالإضافة إلى كنيسة المغارة التاريخية، يضم السور أيضًا كنيسة السيدة العذراء، والمنارة، ومار يوحنا، والنجمة، والميدان، والصليب، والثلاثة فتية، وجناحًا لمقتنيات المتنيح الأنبا ميخائيل، مطران أسيوط السابق، ويتبع الدير للإيبارشية القبطية الأرثوذكسية، وقد ذكره الثعالبى والمقريزى فى كتابه «القول الإبريزي». وما إن تخرج من الغار حتى تطل على الأفق الواسع من المزارع والجنان التى كانت تغمرها مياه فيضان النيل قبل بناء السد العالي، وأمين الدير يشرح بودٍ، كل موقع وقرية، مع كثرة السلام من الزائرين الذين يحفظ أسماءهم، سائلًا إياهم عن أمورهم. وليس ببعيد المكان الذى استُقلت منه مركب العودة بعد رحلة بالفرج والصبر على كثرة الانتقال، خشية بطش الطاغية هيرودس، وفى حجرها طفل نبي، تستمد منه القوة والإرادة، ويقينها بالله كبير، ليتبدل الخوف بالأمان والقلق بالسكينة، بعد أن كانت البشارة أمرًا بالعودة لبداية فصل جديد من حياة النبوة، وفصل هداية للبشرية. بعد أن عاشت ما يقارب ثلاث سنوات ونصف، فى أرض مصر، متنقلة بين أكثر من مأوى، أكّد البحث والعلم صحة أماكنهم، ليدرج ضمن الإرث الإنسانى العالمى عام 2022م. عبرته العذراء هداية من الله، حين كانت الصحراء القاسية تعكس صلابة قلبها، والليل الطويل يختبر صبرها فى أرض المجهول التى لم تطأها قدماها من قبل، بين خوف من يترصدها وسكينة إيمان بمسار أراده الله لها أن يكون، فى درنكة، بين صخور الكهف وصمت المغارة، تتعلم الروح أن الأمان الحقيقى ينبع من اليقين بالله، وأن الخير الذى نصنعه يبقى خالدًا بين الأجيال. كل خطوة فى هذا الطريق المبارك درس فى الصبر، وكل لحظة فيه شعاع نور يضيء دروب الإنسانية، لتذكِّرنا بأن الإيمان والعمل الصالح هما مفتاح السلام والسكينة، وأن أثر الرحمة لا يزول مهما مرت السنون.