فى لحظة نادرة يلتقى فيها التجريد الرياضى بالتأمل الوجودى، يقف إنجاز علمى جديد ليطرح سؤالًا يتجاوز حدود المعمل، هل يمكن أن تقودنا المعادلات إلى معنى أعمق عن وحدة النظام الكونى؟ هذا ما يطرحه د. محمد سلامة، أستاذ هندسة الميكاترونكس بالجامعة الألمانية بالقاهرة، بعد توصله إلى صياغة قانون موحد يجمع تحت مظلته قوانين انتقال الحرارة والكتلة والكهرباء والموائع والمجالات المغناطيسية، فى إطار رياضى واحد نُشر بدورية «إنترناشونال كوميونيكيشنز إن هيت أند ماس ترانسفر»، المصنفة ضمن الفئة الأولى (كيو 1). إنجاز بدأ بسؤال القصة بدأت بتساؤل علمى بسيط فى ظاهره، عميق فى مضمونه، وهو أنه إذا كانت جميع ظواهر "التدفق" فى الطبيعة تنشأ بسبب فرق بين نقطتين، فلماذا يمتلك كل نوع من هذه الظواهر قانونًا مستقلًا؟ فقانون «فورييه» يصف انتقال الحرارة من الساخن إلى البارد، وقانون «فيك» ينظم انتقال الكتلة من التركيز الأعلى إلى الأدنى، وقانون «أوم» يحكم سريان الشحنة الكهربائية من جهد مرتفع إلى منخفض، بينما يفسر قانون «نيوتن» حركة الموائع وفق فروق الضغط، ويتناول قانون «فاراداي» سلوك المجالات المغناطيسية. فاختلاف الظواهر لا يخفى وحدة المبدأ، وهو وجود تدرج فى كمية فيزيائية يؤدى إلى تدفق تتحكم فى شدته خصائص الوسط، ومن هذا الإدراك، صاغ الباحث علاقة رياضية عامة يمكن تلخيصها فى الصيغة التالية (الانتقال = معامل الانتشار × تدرّج الكثافة ). ويمثل تدرج الكثافة الفرق بين قيمتين فيزيائيتين (حرارة، تركيز، ضغط، جهد)، بينما يعكس معامل الانتشار مدى سهولة انتقال الظاهرة داخل الوسط، وتقاس وحدته بالمتر المربع لكل ثانية (م2/ث). وبهذه الصيغة، تصبح قوانين النقل المختلفة حالات خاصة من قانون عام واحد، بدلاً من كونها أطرًا مستقلة ظاهريًا. الطريق إلى هذا التوحيد لم يكن وليد لحظة عابرة، بل ثمرة مسار بحثى بدأ خلال تخصصه فى انتقال الحرارة، وهو المجال الذى حصل فيه على درجتى الماجستير والدكتوراة من جامعة «إيندهوفون للتقنية» بهولندا، حيث لاحظ تماثلًا واضحًا بين قانونى فورييه وفيك، ثم توسعت المقارنة لتشمل قانون أوم، الذى أعاد صياغته رياضيًا للوصول إلى تطابق كامل مع قوانين الحرارة والكتلة، وقد دعمت تجارب لاحقة هذا التوجه، ونُشرت دراسة تمهيدية فى دورية «ديسكفر أبلايد ساينس» قبل أن يكتمل الإطار النظرى للقانون الموحد فى صورته النهائية. وخضعت الدراسة لمراجعة علمية موسعة شملت تسعة محكّمين، فى إجراء غير معتاد يعكس حساسية الطرح وأهميته، وجاءت غالبية التعليقات مؤكدة القيمة المفاهيمية للعمل، واعتباره إسهامًا نوعيًا فى فهم البنية المشتركة لظواهر النقل. أما على المستوى التطبيقى، فيفتح القانون الموحد آفاقًا عملية مهمة، من بينها إمكانية تطوير معادلات زمنية دقيقة لانتقال الكهرباء على غرار معادلة انتشار الحرارة، بما يسمح بحساب زمن الوصول إلى الاتزان الكهربائى. ويمتد ذلك إلى تحسين كفاءة الأجهزة، ودقة حسابات شبكات نقل الطاقة، وتقليل الفاقد فى الأنظمة الكهربائية واسعة النطاق، غير أن الدلالة الأبعد، كما يراها صاحب الإنجاز، تكمن فى البعد الفلسفى والإيمانى للفكرة؛ إذ إن انتظام ظواهر طبيعية متعددة، تختلف فى مادتها وطبيعتها، تحت صيغة رياضية واحدة، يعكس وحدة البنية الحاكمة للكون، وهنا تتحول الفيزياء من وصف للظواهر إلى نافذة على معنى أعمق، وحدة القانون بوصفها انعكاسًا لوحدة النظام، ودلالة على انسجام الخلق فى منظومة واحدة متكاملة.