لكي نفهم مأزق واشنطن اليوم، علينا أن نقرأ في دفاتر عام 1915 حينها كانت الدولة العثمانية (تركيا) طرفًا محوريًا ضمن "دول المحور" بجانب ألمانيا والنمسا في مواجهة "قوات الحلفاء" بريطانياوفرنساوروسيا. خلال الحرب العالمية الأولى أغلقت تركيا مضيق الدردنيل بوجه الحلفاء لسبب استراتيجي وهو خنق روسيا القيصرية ومنع وصول الإمدادات العسكرية إليها، وعزلها تماماً عن حلفائها لإجبارها على الانهيار وقبل 111 عاما قررت بحرية بريطانيا التي كانت تسيطر على الكوكب مع قوات فرنسا البحرية وبدعم من أستراليا ونيوزلندا فى احتلال مضيق الدردنيل وإسقاط العاصمة التركية فيما يعرف بمعركة جاليبولي أو جناق قلعة. قراءة متأنية فى التاريخ يمكن أن نفهم كيف واجهت بقايا جيوش الدولة العثمانية وهي في أضعف حالاتها هذا الحشد العسكرى الأضخم وقتها. بدأت المعركة بتحريضٍ من وزير البحرية البريطانية الشاب الصاعد وقتها وينستون تشرشل فقد كانت معركة مضمونة لا فرصة فيها أمام الأتراك في التصدي للمدمرات الحربية البريطانية والفرنسية الأقوى عسكريا. تقدمت السفن الحربية وكانت معركة حياة أو موت للأتراك لأن العاصمة التركية كانت مهددة بالسقوط والاحتلال ونجحت مدافع الأتراك المنصوبة على جانبي الدردنيل في إغراق بارجتين حربيتين بريطانيتين وبارجة فرنسية وأصابوا رابعة ، مدافع وألغام بحرية مزقت الأسطول الأقوى وشتت شمله بعدها اقتنع تشرشل بصعوبة المضي قدما بأسطوله البحري الضخم فى تلك البقعة الضيقة من البحر وبات مثارا للسخرية في العالم وبدل أن ينهي الحملة قرر إنزال الجنود على البر فى محاولة للسيطرة على شبه الجزيرة مفترضا أن جنود العثمانيين لن يصمدوا أمام مئات الأنزال البرى فقد حشد أسطولا ضخما ضم أكثر من 200 سفينة نقل كانت مسؤولة عن نقل نصف مليون جندي بمعداتهم وخيولهم من مصر وقواعد الحلفاء إلى الشواطئ التركية؟!! نزل جنود الحلفاء علي البر فى معركة برية ممتدة في الخنادق التي حولت شبه الجزيرة إلى قبور للغزاة. سقط حوالي ربع مليون قتيل وجريح من كل طرف قبل أن يقتنع تشرشل بفشل الحملة ويسحب جنوده بعد الهزيمة المدوية تلك المعركة "جناق قلعة" أو "جالوبولي" هى واحدة من المعارك الرئيسية التي جعلت من المملكة العظمى التي لا تغيب عنها الشمس تغرب وتندثر لاحقا فقد جعلت الناس يدركون أن أقوى جيش في العالم يمكن هزيمته!! واليوم، لا يعيد التاريخ نفسه بل آخرون هم من يأتون ليعيدون نفس اخطاء الماضى فعلى ما يبدو أننا سنكون أمام المسرحية ذاتها بوجوه جديدة.. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر "تروث سوشيال خرج علينا أمس. بلغة "التاجر" الذي يمنح مهلة 5 أيام، متحدثاً عن "مفاوضات مثمرة" مع طهران. لكن هذا الهدوء اعتقد ليس إلا "قنبلة دخان "؛ فنفي الخارجية الإيرانية القاطع لأي تفاوض يكشف أن ترامب يناور حتى وصول قواته البرية لتنفيذ إنزال برمائى واحتلال إحدى الجزر أو السواحل الإيرانية كما من المتوقع أن تشارك دول أخرى مثل بريطانياوفرنسا فى الإنزال البرى. لكن المأزق الحقيقي ليس عسكرياً فحسب، بل هو "سياسي" حيث لا تحتاج إيران لسحق الأسطول الأمريكي لتربح؛ يكفيها "التعادل" أو الوصول لطريق مسدود لتعلن انتصارها فهل يتحول مضيق هرمز إلى "دردنيل" جديدة تثبت مجدداً أن القوة العظمى تصبح عاجزة أمام جغرافيا المضايق العنيدة..أم أن واشنطن تدرك ذلك وتناور لإخضاع طهران بالترهيب؟ تشرشل في 1915 حذروه بشدة من اقتحام مضيق الدردنيل وكان يعلم خطورة الوضع، لكنه راهن على أن "هيبة بريطانيا" ستجعل الأتراك يهربون.. ولم يهربوا. لذلك، أي تفكير في مواجهة عسكرية في مضيق هرمز اليوم يأخذ في الاعتبار كابوس معركة "غاليبولي" حيث يمكن لقوة "أقل تطوراً" تقنياً أن تهزم أساطيل ضخمة بمجرد استغلال الجغرافيا وتوزيع الألغام البحرية والمدفعية التى تقوم بدورها حاليا المسيرات بالشكل الصحيح.