محمد كمال تبنى الدراما على المناطق الملتبسة في النفس البشرية، حيث لا يكون التمثيل مجرد أداة لنقل الحدث أو إظهار الحوار، بل يبدو كفعل كشفٍ داخلي ومحاولة دقيقة لاستخراج ما يختبئ خلف السلوك الظاهر من تصدعات وأسئلة صامتة. من هذا الأفق يمكن النظر إلى أداء ريهام عبد الغفور في مسلسل "حكاية نرجس" لا باعتباره حضورًا تمثيليًا ناجحًا فحسب، بل بوصفه أداء عميق على شخصية مثقلة بالهشاشة والالتباس والاحتراق البطيء، شخصية لا تُقرأ من سطحها بل من داخلها عبر ظلالها، ولا تُفهم من كلامها وحده بل من صمتها، ومن تلك المسافة المؤلمة بين ما تريد قوله وما تعجز عن البوح به، وفي هذه الأعمال الدرامية التي تتكئ على البناء النفسي للشخصيات لا يكفي أن يمتلك الممثل حسًا تعبيريًا أو قدرةً على استدعاء الانفعال في لحظته، بل يصبح مطالبًا بما هو أبعد من ذلك، أن يصنع كائنًا دراميًا متماسكًا له منطقه الداخلي وإيقاعه الخاص وتحوّلاته المقنعة، لهذا يمكن رؤية أداء ريهام عبدالغفور بوصفه أحد أهم عناصر الجذب في العمل لأنه أداء قائم على الفهم العميق للشخصية، وعلى القدرة في تحويل هشاشتها الداخلية إلى مادة مرئية يمكننا الشعور بها، بمعنى أدق "محسوسة" وقابلة للتصديق. ريهام عبد الغفور تنتمي إلى ذلك النوع من الممثلين الذين لا يدخلون إلى الشخصية من باب الشكل أو الاعتماد على المظهر الخارجي، بل من باب الجوهر، فهي لا تراهن على الملامح الخارجية للدور بقدر ما تنشغل بتفاصيله وبنيته النفسية وعلى التوترات الكامنة فيه وعلى المسافة الدقيقة بين ما تفصح عنه الشخصية وما تحرص على إخفائه، وفي حلقات المسلسل بدا هذا المنهج واضحًا منذ المشاهد الأولى. لم تقع ريهام عبد الغفور في فخ المبالغة عند تجسيد شخصية "نرجس"، المرأة المأزومة أو المبالغة في إظهار الألم أو الاتكاء على الانفعال المباشر بوصفه الطريق الأقصر إلى التأثير، على العكس تماما اختارت أداءً مقتصدًا في الظاهر كثيفًا في العمق، كانت تدرك أن الشخصية التي تحمل وجعًا حقيقيًا لا تصرخ طوال الوقت، بل قد تخفي تصدعها تحت رغبة في التماسك، سيطرت ريهام على إيقاع شخصية "نرجس" فهي لا تقدم انفعالات متفرقة أو مشاهد منفصلة، بل تبني الدور على امتداد الحلقات باعتباره مسارًا نفسيًا متصلًا، وهذا الحس بالتراكم منح الأداء اتساقًا كبيرًا، وجعل التحولات التي تمر بها الشخصية مقنعة دراميًا. لم تقدم ريهام عبد الغفور شخصية "نرجس" بوصفها ضحية، بل إنسانة لها شخصية مستقلة تحمل بعض الخصوصية منذ ظهورها الأول، كانت الشخصية كما تؤديها تحمل ثقلها الإنساني الخاص، لم تبدُ "نرجس" امرأة مكتوبة وفق قالب درامي جاهز، ولا بطلة مصنوعة من صفات محددة، بل كائنًا حيًا تتنازع داخله قوى متداخلة بين الرغبة في التماسك التي تقابلها هشاشة عميقة، وهذا التكوين المركب لم يأتِ من النص وحده، بل من قدرة الممثلة على أن تمنح الشخصية كثافتها النفسية، وأن تحررها من كل اختزال مخل فلا تصبح مجرد ضحية، ولا مجرد امرأة قوية، بل إنسانًا كامل التناقض يخذله قلبه أحيانًا وتسنده غريزته على البقاء في أحيان أخرى. برعت ريهام في تقديم التحولات النفسية التي تمر بها الشخصية داخل أحداث المسلسل، فالشخصية لم تكن ثابتة أو أحادية البعد، بل مرت بمراحل متباينة من الألم والحيرة والغضب والتردد وأيضا التمرد، وقد نجحت ريهام في جعل هذه التحولات تبدو طبيعية ومتدرجة، بعيدًا عن المبالغة أو الافتعال، وهذه القدرة على الانتقال السلس بين الحالات النفسية المختلفة تعكس فهمًا عميقًا للشخصية، و وعيًا دراميًا كبيرًا لدى الممثلة، إذ بدا كل تصرف يصدر عنها نابعًا من منطق داخلي واضح. ظهرت ملامح النضج في أداء ريهام عبد الغفور، فقد بدت ممثلة تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، متى ترفع انفعالها ومتى تكتفي بإشارة خفيفة تختصر الكثير، وهذا الاقتصاد في الأداء هو أحد علامات النضج لأنه يدل على ثقة الممثلة في أدواتها، وعدم حاجتها إلى المبالغة من أجل لفت الانتباه. لقد كان حضورها قويًا لكن هذا الحضور لم يكن صاخبًا، بل اعتمد على العمق والهدوء والسيطرة التامة على إيقاع الشخصية، قدّمت أداءً بعيدًا عن المبالغة أو السعي وراء لفت الانتباه السريع، فقد اعتمدت على موهبتها الحقيقية وحضورها المتزن. بدت قادرة على التعبير عن مشاعر الشخصية بعمق ومن دون افتعال، وما يميز نجاحها أيضًا أنها لم تعتمد على مشاهد صاخبة أو أداء مصطنع من أجل صناعة "ترند"، بل تركت فنها يتحدث عنها، فأثبتت أن التميز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، وإنما إلى ممثلة تعرف قيمة أدواتها وتحترم عقل الجمهور. قدّمت ريهام عبد الغفور في مسلسل "نرجس" أداءً متميزًا يضاف إلى رصيدها الفني الحافل بالأعمال الناجحة، لقد أثبتت أنها ممثلة قادرة على الغوص في أعماق الشخصية، واستخراج ما فيها من ألم وضعف وقوة في آن واحد، مقدمة نموذجًا للأداء الراقي الذي يحترم عقل المشاهد ومشاعره، ومن هنا، فإن نجاحها في هذا المسلسل لم يكن مجرد نجاح لدور جديد، بل تأكيد جديد على أن ريهام عبد الغفور تمتلك موهبة حقيقية وحضورًا فنيًا مبهرًا يصعب تجاهله، يحمل المسلسل اسم "حكاية نرجس" لكن المشاهد يخرج منه وهو يشعر أنه أنصت أيضًا إلى حكاية فنانة موهوبة تدعى ريهام عبد الغفور، الممثلة التي تفيض موهبةً، وتحوّل الأداء الهادئ إلى أثرٍ لا يُنسى. اقرأ أيضا: يوسف رأفت يتألق في «حكاية نرجس».. ويثبت حضوره أمام نجوم الصف الأول