"فيلة ونعام وتماسيح ونمور وحيوانات وطيور".. لم تكن تعيش متفرقة في البرية فقط، بل جُمعت منذ آلاف السنين في أماكن مخصصة داخل مصر القديمة، في تجربة مبكرة لما يمكن اعتباره أقدم حدائق للحيوان عرفها التاريخ وذلك قبل ظهور حدائق الحيوان في العالم الحديث بآلاف السنين عندما بدأ المصري القديم فكرة جمع الحيوانات النادرة والاعتناء بها داخل ملحقات المعابد والقصور الملكية، وهو ما تكشف عنه عديد من الشواهد الأثرية والنقوش التاريخية فى مصر الفرعونية. إقرأ أيضًا| كشف أتريبس.. 43 ألف أوستراكا تروي حكايات المصريين القدماء هذا مايؤكده الباحث الأثري الطيب غريب كبير مفتشي معابد الكرنك السابق فى تصريحات خاصة "للأخبار" ويضيف أن المصريين أولوا اهتمامًا كبيرًا بالحيوانات والطيور، ليس فقط لرعايتها واستئناسها، بل وصل الأمر أحيانًا إلى تقديس بعض الحيوانات وتحنيطها ودفنها بعد الموت. ويؤكد أن محاولات استئناس الحيوانات والعناية بها تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، نتيجة الارتباط الوثيق بين هذه الكائنات والبيئة المصرية، وهو ما جعل الاحتفاظ بها في أماكن مخصصة أمرًا معروفًا منذ فترات مبكرة من تاريخ الحضارة المصرية. اقرا ايضا| رحلة مومياء رمسيس الثاني إلى باريس.. هل كان فرعون موسى؟ ومن أبرز الأدلة ما كشفته عالمة الآثار الأمريكية رينيه فريدمان عام 2015 في موقع نخن (هيراكونبوليس) التى تعد أقدم عاصمة دينية وسياسية في نهاية عصر ما قبل الأسرات، والتي تعني "مدينة الصقر" نسبة إلى المعبود حورس. ويقع الموقع حاليًا بالقرب من قرية البصيلية بمدينة إدفو.وخلال أعمال الحفائر، عثرت البعثة على بقايا عدد من الحيوانات التي جلبت من أدغال أفريقيا والنوبة، من بينها الفيلة والقطط البرية والنمور والحمير والثيران وأفراس النهر والنعام والتماسيح، وغيرها من الحيوانات والطيور. ويضيف غريب أن تاريخ هذا الكشف يعود إلى نحو 3500 قبل الميلاد، أي قبل بداية عصر الأسرات، وبعد دراسات متعددة رجحت فريدمان وفريقها أن الموقع يمثل أقدم حديقة للحيوان عرفها التاريخ قبل نحو6 آلاف عام. من الفاطميين إلى اليوم.. تاريخ فانوس رمضان في الثقافة المصرية| صور وفي عصر الدولة القديمة، في عهد الملك ساحورع من الأسرة الخامسة (حوالي 2500 قبل الميلاد)، كشفت نقوش معبده الجنائزي عن دب جلب من بلاد الشام خلال رحلة تجارية، مما يشير إلى أن الحيوانات النادرة كانت تُجلب من خارج مصر وتحظى برعاية خاصة. أما في عصر الدولة الحديثة، سجلت الملكة حتشبسوت رحلتها الشهيرة إلى بلاد بونت على جدران معبدها بالدير البحري بالأقصر، وجلبت خلالها نباتات وحيوانات نادرة، منها بعض الحيوانات المفترسة التي تربت داخل القصور والمعابد الملكية. وفي عهد الملك تحتمس الثالث، تكشف نقوش معبد "الآخ منو" في مجمع معابد الكرنك عن أكثر من 300 نوع من النباتات والحيوانات والطيور التي جلبها خلال حملاته ورحلاته في بلاد الشرق. وقد درس العلماء هذه الرسوم للتعرف على أنواع الكائنات، والتي لا يزال بعضها موجودًا اليوم بينما انقرض بعضها الآخر. ويُعتقد أن الملك كان مولعًا بجمع الحيوانات والطيور النادرة مثل الظباء والغزلان والطيور المختلفة وبعض الحيوانات المفترسة. من خبز بالعسل إلى حلوى عالمية.. رحلة الكعك بدأت من مصر القديمة كما كانت بعض البلدان الأجنبية تقدم هدايا وجزية إلى الملوك المصريين، من بينها حيوانات نادرة مثل الفهود والنمور والدببة والقرود والزرافات، وهو ما يظهر في مناظر مقبرة الوزير رخميرع رقم 100 بغرب الأقصر. ويرى الباحثون أن هذه الشواهد تشير إلى وجود أماكن مخصصة داخل ملحقات المعابد والقصور للاحتفاظ بالحيوانات والطيور النادرة، في صورة يمكن اعتبارها بدايات أولى لفكرة حدائق الحيوان التي عرفها العالم بعد ذلك بآلاف السنين