بعد أن خضعت دراما رمضان لاختبار "الميدترم" مع مرور النصف الأول من الشهر الكريم, بدأت ملامح المنافسة تتضح على خريطة المسلسلات المعروضة, حيث نجحت بعض الأعمال في تحقيق تفوق واضح وحجز مكانة في صدارة المشهد الدرامي, بفضل قوة الفكرة وجودة التنفيذ والأداء التمثيلي, في المقابل لم يحالف الحظ أعمالا أخرى سقطت في اختبار منتصف الطريق, بعد أن جاءت دون التوقعات من حيث البناء الدرامي أو المعالجة الفنية.. وبين هذا وذاك، انقسمت أراء النقاد بين أعمال حصلت على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف, وأخرى لم تتجاوز بالكاد درجة "ضعيف جدا" في سباق درامي شهد جرأة في الطرح وتنوعا في الموضوعات, إلا أنه لم يخل أيضا من التعثر في بعض التجارب, فى هذا التحقيق النقاد يحسمون نتيجة النصف الأول من رمضان.. أعمال كسرت القواعد وأخرى خيبت التوقعات. قدمت الناقدة د. عزة هيكل، رؤيتها لتقييم عدد من الأعمال, متوقفة عند نقاط القوة والضعف في الكتابة والإخراج والأداء التمثيلي, كما ناقشت القضايا التي طرحتها هذه الأعمال ومدى جرأتها في تناول موضوعات سياسية واجتماعية وإنسانية معاصرة, وتقول: "جاء مسلسل (صحاب الأرض) في مقدمة الأعمال التي تفوقت وبإمتياز في اختبار النصف الأول لدراما شهر رمضان, هذا التميز يعود لعدة عناصر أولها الجرأة في طرح موضوع سياسي وقومي شديد الحساسية, إضافة إلى المزج المبتكر بين الشكل التسجيلي والوثائقي والدراما, فالعمل تناول بجرأة الجرح الإنساني الذي أصاب شعب غزة, وهو جرح امتد أيضا إلى وجدان المصريين والأمة العربية". "أما من الناحية الإخراجية فقد نجح في تحقيق توازن واضح بين الواقع والدراما, فيما جاءت الموسيقى معبرة عن الحالة العامة وعن البعد الوطني للعمل, بينما اتسم الحوار بالتكثيف والبساطة, مع قدرة واضحة على تسجيل الأحداث دراميا وواقعيا"، وأشادت هيكل بأداء بطلي العمل منة شلبي وإياد نصار مؤكدة أن أدائهما اتسم بالصدق والإنسانية فكان قريبا من وجدان المشاهد. وتتابع قائلة: "أما على المستوى الدرامي الخالص, فيعتبر مسلسل (عين سحرية) العمل الأبرز دراميا هذا الموسم, نظرا لطرحه تيمة جديدة تتعلق بمفهوم العدالة والقانون وبمعالجة درامية مميزة ناقشت القضية من زوايا متعددة، فالإخراج في الجزء الأول اعتمد على عناصر الإثارة والأكشن والغموض, مع توظيف مميز للإضاءة واستخدام الأماكن المصرية في وسط البلد إلى جانب الاعتماد على الكادرات الضيقة التي منحت العمل طابعا بصريا احترافيا". كما أشادت بالأداء التمثيلي الذي وصفته بالعبقري, معتبرة أن أداء باسم سمرة وعصام عمر ومحمد علاء يستحق ما وصفته ب"أوسكار الدراما" هذا العام, وليس فقط في موسم رمضان. وترى أن نهاية العمل جاءت منطقية ومتماسكة دراميا, مع حبكة جيدة ونهاية مفتوحة تعكس فكرة أن الحياة لا تنقسم ببساطة إلى أبيض وأسود, بل تترك مساحة للأمل أمام الجيل الجديد. "أما بالنسبة لمسلسل (أتنين غيرنا)، فهو عمل بسيط ناعم يحمل طابعا رومانسيا افتقدته الدراما مؤخرا, لكن بالرغم من جودة الإخراج وقرب الأداء التمثيلي من المشاهد, إلا أن العمل كان يستحق نص أقوى من ذلك دراميا". وتضيف: "من الأعمال الجيدة أيضا مسلسل (هي كيميا) فهو ينتمي إلى الفانتازيا الكوميدية على غرار فكرة فيلم (الكيف), حيث يقوم الأخ المثقف بابتكار مواد مخدرة, وجاء العمل في صورة اسكتشات كوميدية ناجحة, بالإضافة إلى الاختيار الموفق للممثلين, فكان محمد دياب الأكثر إتقانا لدوره, يليه مصطفى غريب وميشيل ميلاد, كما أثنت على أداء فرح يوسف التي قدمت دورا كوميديا لأول مرة ونجحت في إبراز أدواتها التمثيلية". وفيما يتعلق بمسلسل "سوا سوا" تقول هيكل: "نهاية العمل حملت بريق أمل يدعو للاستمرار والسعي في الحياة رغم الطابع المأساوي الميلودرامي الذى غلب على معظم الأحداث مع بعض التحفظات على المعالجة الدرامية".. أما مسلسل "الست موناليزا" فأبدت هيكل تعاطفها مع مي عمر, معتبرة أنها تحصر نفسها في نمط أدوار محدودة وصفتها ب"رامبو الشاشة"، حيث تقوم بدور الضحية التي تنتصر في النهاية ضمن قالب ميلودرامي مبالغ فيه يقترب أحيانا من أجواء الأفلام الهندية, وأضافت أن هذا النمط يظلم الفنانة نفسها, رغم أن الجمهور قد يتابع العمل بدافع الفضول لمعرفة نهاية الحكاية, التي وصفتها بأنها "مضحكة مبكية ساخرة" في آن واحد, مشيرة إلى أن نهاية العمل جاءت سريعة ومفتعلة, خاصة في مشهد المرافعة الذي قدمه أحمد زاهر. "الأول مناصفة" من جانبها, اتفقت الناقدة ماجدة خير الله مع هذا التقييم, حيث أكدت أن مسلسل "صحاب الأرض" يتصدر قائمة أفضل الأعمال خلال النصف الأول من شهر رمضان, وتقول عنه: "عمل درامي مكتمل العناصر تمكن من فرض نفسه بقوة على خريطة المنافسة, فالجرأة في تناول قضية معاصرة مثل الحرب على غزة منحت المسلسل بعدا إنسانيا مهما, حيث نجح المؤلف والمخرج في نقل جانب من واقع المأساة وصمود الشعب في مواجهة الظروف القاسية, وهو ما انعكس بوضوح على البناء الدرامي والأداء التمثيلي". وتضيف: "مسلسل (عين سحرية) يأتي في المرتبة الأولى مناصفة مع (صحاب الأرض) ضمن الأعمال المميزة هذا الموسم, فقد استطاع أن يلفت الانتباه بفكرته المختلفة ومعالجته لقضية العدالة والقانون من زوايا متعددة إلى جانب الأداء التمثيلي المتوازن الذي دعم تصاعد الأحداث الدرامية.. ويعد (أتنين غيرنا) من الأعمال اللافتة أيضا من حيث الفكرة والأداء رغم بساطة معالجته الدرامية.. وبالنسبة ل(الست موناليزا), لم يكن من الأعمال الموفقة هذا الموسم, حيث طغت المبالغة في تطور الأحداث على البناء الدرامي, إلى جانب ضعف في الأداء التمثيلي". وتوضح خير الله, أن مسلسل "مناعة" ينتمي إلى الدراما الشعبية المقبولة. "صحاب الأرض" يظل مسلسل "صحاب الأرض" في الصدارة، وهو ما يؤكد عليه الناقد طارق الشناوي, ويقول: "أهم ما يميز العمل أنه خرج بالدراما من دائرتها المحلية الضيقة إلى فضاء أوسع يطرح قضية إنسانية عالمية, من خلال تناوله تداعيات الحرب على غزة, فالعمل نجح دراميا في الجمع بين البعد الإنساني والسياسي معتمدا على نص حواري واقعي وبناء درامي متين، وهو ما منح الأحداث مصداقية أكبر وجعل المشاهد أكثر قربا من تفاصيل المأساة الإنسانية التي يعكسها العمل, كما أن البناء الدرامي اعتمد على شخصيات تحمل أبعادا واقعية, الأمر الذي ساعد على خلق حالة من التعاطف مع القضية المطروحة". ويضيف: "(عين سحرية) يعد من الأعمال اللافتة أيضا، لما يقدمه من معالجة درامية تتوقف عند فكرة العدالة والقانون من زوايا متعددة, فقد نجح العمل في خلق حالة من التشويق والغموض, مع اعتماد واضح على صراع درامي يتطور تدريجيا بين الشخصيات, كما أن حضور ثنائي تمثيلي قوي داخل العمل أضفى عليه حيوية خاصة, حيث ساهم الأداء التمثيلي في إبراز التوتر والصراع النفسي بين الشخصيات, وهو ما منح العمل بعدا دراميا واضحا وجعل المتلقي شريكا في محاولة اكتشاف الحقيقة". ويستكمل قائلا: "(أتنين غيرنا) أيضا من الأعمال التي قدمت طرحا مختلفا على مستوى العلاقات الإنسانية, حيث اعتمد على دراما هادئة تتناول تفاصيل المشاعر الإنسانية والتحولات التي تطرأ على العلاقات بين الأفراد, فقوة العمل تكمن في بساطته مع تقديم شخصيات تحمل قدرا من الواقعية مما يمنح المشاهد فرصة للتأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية بعيدا عن الصخب الدرامي المعتاد.. كما أضيف إلى قائمة الأعمال اللافتة (سوا سوا), حيث أرى أنه قدم قدرا من المغامرة على مستوى الشكل الدرامي للحلقات". ويشير الشناوي أيضا إلى مسلسل "كان ياما كان" الذي يتوقف عند منطقة درامية شائكة تتعلق بما يمكن وصفه ب"الخرس الزوجي", أي حالة الصمت العاطفي التي قد تصيب العلاقات الزوجية بمرور الوقت, ويرى أن العمل يطرح فكرة أن المشاعر الإنسانية, مثلها مثل أي كائن حي, تحتاج إلى رعاية واهتمام حتى تستمر, ويثني الشناوي على معالجة الكاتبة شرين دياب لهذه الفكرة, إلى جانب الرؤية الإخراجية التي قدمها كريم العدل, مؤكدا أن كليهما كان مدركا لطبيعة المنطقة الدرامية التي يتحرك فيها العمل. ويختتم الشناوي تقييمه بالتأكيد على أن هذه الأعمال رغم اختلاف موضوعاتها وأساليبها الدرامية نجحت في أن تحجز لنفسها مكانة خاصة خلال النصف الأول من الموسم وأن تترك بصمتها الخاصة لدى المشاهد بما تحمله من أفكار ومعالجات درامية تمتلك قدرا من الخصوصية والسحر الدرامي. "عين سحرية" يرى الناقد سيد محمود أن هذا الموسم, رغم الجدل الذي أثير حوله، شهد عددا من التجارب الدرامية اللافتة التي حاولت تقديم أفكار جديدة, سواء من خلال طرح موضوعات جريئة أو الدفع بوجوه وبطولات مختلفة, إلى جانب الاستعانة بنجوم كبار أعادوا خبراتهم إلى الشاشة, ويقول: "مسلسل (عين سحرية) من الاعمال المهمة التي استحوذت على اهتمام المشاهد, كما أنه يعكس ظهور نوعية مختلفة من الأبطال والثنائيات الدرامية التي تضيف وتثقل الأداء التمثيلي, فوجود ثنائي مثل عصام عمر وباسم سمرة داخل العمل منح المسلسل قوة واضحة, مما ساهم في تقديم تجربة درامية ناجحة". ويضيف: "(مناعة) بطولة هند صبري يعد من الأعمال الجيدة من حيث الفكرة". ويلفت سيد محمود إلى أن بعض الأعمال كشفت عن اتجاه جديد للاستعانة بالنجوم الكبار الذين غابوا لفترة عن الشاشة, وهو ما انعكس إيجابيا على مستوى الخبرة والحضور, مثل مشاركة طارق دسوقي وميمي جمال, معتبرا أن عودة هذه الأسماء أضافت ثقلا فنيا للأعمال المطروحة. أما فيما يخص الأعمال الطويلة, فبعضها تمكن من تحقيق النجاح المطلوب بفضل مستوى الإنتاج المرتفع, ومن بينها مسلسل "أولاد الراعي" الذي اعتبره من الأعمال الجيدة هذا الموسم, أما مسلسل "علي كلاي" فقد شهد حضورا لافتا لعدد من الممثلين مثل طارق دسوقي وانتصار ويارا السكري. ويختتم محمود تقييمه بالتأكيد على أن الأفكار المطروحة في عدد من الأعمال كانت جريئة ومهمة, ويشير إلى أن المخرجة مايا أشرف زكي نجحت إخراجيا في مسلسل "حد أقصى", حيث قدمت العمل بشكل مميز من الناحية البصرية والإخراجية. أما على مستوى الكتابة, فيرى أن الاعتماد المتزايد على ورش الكتابة أحيانا يؤدي إلى تقديم قوالب متشابهة أو الاستسهال في بعض المعالجات الدرامية. وفيما يتعلق بالنهايات, يعتقد أن نهاية مسلسل "مناعة" جاءت من أكثر النهايات واقعية ومنطقية هذا الموسم, خاصة أن العمل مستوحى من قصة حقيقية وقعت في حي الباطنية, وقد تضمنت الحلقة الأخيرة جزءا تسجيليا يروي تفاصيل ما حدث بالفعل, وهو ما منح النهاية مصداقية أكبر لدى المشاهد". اقرأ أيضا: الحلقة 21 «رأس الأفعى».. مخطط جديد من محمود عزت ل أتباعه