فى تاريخ الحروب خطأ يتكرر دائمًا، هو اعتقاد القادة، فى لحظة الثقة بالقوة، أن حروبهم ستكون قصيرة، وأن النصر مسألة وقت، لكن التجارب تقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فالحروب، كما قال المفكر الإيطالى «نيكولو ميكافيلى» قبل قرون، «يبدأها القادة حين يريدون، لكنها لا تنتهى عندما يريدون»، وفى كتابه الشهير «الأمير»، رسم صورة للحاكم الذى يجمع بين دهاء الثعلب وقوة الأسد، غير أن التاريخ، أضاف درسًا آخر أن القوة قد تكون كافية لبدء الحرب، لكنها ليست كافية دائمًا لإنهائها. وظهر عبر الحروب التاريخية ما يمكن تسميته «وهم الحروب الخاطفة»، وتكشف زيف الاعتقاد بأن التفوق العسكرى قادر على فرض نهاية سريعة، بسبب تعقيدات الواقع على الأرض. فى غزة، دخلت الحرب عامها الثالث، بعد مرور عامين وخمسة أشهر، بعد اندلاعها فى السابع من أكتوبر2023،وعلى النقيض من تصريحات بنيامين نتنياهو عن حرب خاطفة للقضاء على حماس خلال أسابيع قليلة، يكشف الواقع الميدانى عن فشل إسرائيل فى تحقيق حسم عسكرى سريع وفق تقديراتها الأولية. وأوكرانيا، من تأكيدات روسيا على حرب سريعة، تحولت إلى استنزاف طويل، بدأت فى الرابع والعشرين من فبراير عام 2022، واستمرت أكثر من أربع سنوات، وكانت التقديرات الاستخباراتية الروسية تشير إلى أن العاصمة كييف قد تسقط خلال72 ساعة، بل إن بعض الوحدات العسكرية الروسية حملت فى حقائبها ملابس الاحتفالات، وحدث العكس تمامًا، وتحولت العملية العسكرية إلى حرب طويلة، على غرار الحروب الكبرى فى التاريخ. وفى حرب تدمير العراق عام 2003، قدم الغزو الأمريكى مثالًا صارخًا على خطأ الحسابات، وكان التصور عند بوش الابن، أن الحرب ستنتهى خلال أسابيع، وأن القوات الأمريكية ستُستقبل بالورود، ولكن اندلعت مقاومة مسلحة وصراعات واسعة، وتحولت إلى واحدة من أطول وأعقد الحروب فى تاريخ الولاياتالمتحدة الحديث، واستمرت نحو ثمانى سنوات وتسعة أشهر، بتكلفة مالية هائلة بلغت تريليونات الدولارات. هل يعيد التاريخ نفسه فى حرب تدمير إيران التى تدور رحاها الآن؟. توقع ترامب أن تُحسم المعركة خلال أربعة أسابيع، والواقع يؤكد اتساع رقعة الصراع، بعد ضربات طهران ضد الدول الخليجية، والدلائل تشير إلى أن الهزيمة العسكرية قد تقتل «المشروع الإقليمى» للنظام، لكن «إسقاط النظام» نفسه يظل مرهونًا بعوامل أخرى. تاريخيًا، لا تسقط الأنظمة العقائدية بسبب تدمير أسلحتها فقط، بل عندما تفقد هيبتها، فالحرس الثورى يستخدم القمع والتخويف للسيطرة على الشارع الإيرانى، وعندما يتعرض قادته للاغتيال ومراكزه القيادية للتدمير، يبدأ الخوف الذى كان يسيطر على الناس فى التراجع، وتضعف «القبضة الحديدية»، وينهار الحاجز النفسى الذى كانت تقوم عليه السلطة. الخلاصة أن القادة يحسبون تكلفة الأسلحة، لكنهم يغفلون تكلفة الفوضى، ويبقى الدرس الذى يقدمه التاريخ واضحًا، القادة يستطيعون إشعال الحروب، لكنهم لا يستطيعون دائمًا إطفاءها، ولهذا ظلت مقولة ميكافيلى صادقة.