فى وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط حالة غير مسبوقة من التصعيد تتقاطع الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية مع المعطيات الداخلية لإيران، لتفتح صفحة جديدة من الصراع الإقليمى الذى يطرح تحديات أمنية واستراتيجية غير مسبوقة، وبين الحديث عن إسقاط النظام الإيراني، وتوسيع رقعة الاشتباك إلى الممرات الحيوية، يبرز دور الخبراء العسكريين فى تحليل مآلات الأزمة، وفهم أبعادها الدقيقة بين القوة العسكرية والرهانات السياسية، وأهمية تعزيز قدرات الدول العربية لمواجهة تحديات الأمن القومى. أكد اللواء الدكتور سمير فرج، المفكر الاستراتيجي، أن طبيعة العملية الجارية تختلف جذريًا عن الجولات السابقة من المواجهة، موضحًا أن الهدف لم يعد مقتصرًا على كبح الطموح النووى الإيراني، بل تجاوز ذلك إلى محاولة إضعاف بنية النظام نفسه والضغط عليه سياسيًا ومعنويًا. وأشار إلى أن التاريخ الحديث لم يشهد سقوط أى نظام سياسى عبر الضربات الجوية أو الصاروخية وحدها، لأن إسقاط الأنظمة يتحقق إما بانفجار داخلى تقوده الجماهير، أو بتدخل برى مباشر يغير موازين القوى على الأرض، وهو سيناريو لا تبدو الولاياتالمتحدة أو إسرائيل مستعدتين لتحمل كلفته، مؤكدًا أن الحديث عن إسقاط وشيك للنظام الإيرانى عبر القصف وحده يظل بعيدًا عن الواقعية العسكرية. ونوه فرج إلى أن ما يجرى يمثل المرحلة الأولى من التصعيد، مضيفًا أن استهداف مواقع أمريكية فى الخليج والتحركات المرتبطة بالأسطول الخامس فى البحرين، إضافة إلى التهديدات المتبادلة، يعكس اتساع دائرة الاشتباك ولو بصورة غير مباشرة، وأن الساعات القليلة المقبلة ستكون حاسمة لتحديد ما إذا كانت المنطقة أمام ضربة خاطفة تنتهى سريعًا بوقف إطلاق النار، أم أن المواجهة تتجه نحو صراع أوسع قد يتجاوز الحسابات الأولية. وأشار إلى أنه رغم حدة المشهد، فإن الحرب إذا ظلت ضمن الإطار التقليدى للضربات الجوية المتبادلة لن تطول كثيرًا، مرجحًا أن تستمر لأيام قليلة قبل فتح مسار تفاوضى جديد، موضحًا أن أى إنجاز عسكرى نوعى قد يوفر مخرجًا سياسيًا للإدارة الأمريكية لإنهاء العمليات دون الانجرار إلى مستنقع مفتوح. ترتيبات الانتقال وشدد فرج على أن طهران كانت قد أعدت منذ أشهر ترتيبات لانتقال القيادة فى حال حدوث فراغ مفاجئ، لضمان استمرارية مؤسسات الدولة، منوهًا بأن تأثير اغتيال أى شخصية مثل اخامنئىب مهما كان موقعها يظل فى الإطار المعنوى أكثر من البنيوى، ما لم يقترن بتحولات داخلية عميقة. وأكد أن الضربات الجوية حتى وإن ألحقت خسائر فادحة بالبنية التحتية أو القيادات قد تفضى إلى نتيجة عكسية تتمثل فى صعود تيار أكثر تشددًا وعداءً للغرب، بدلًا من إحداث تغيير سياسى منضبط. ونوه إلى أن أخطر ما فى التصعيد يتمثل فى احتمال انتقاله إلى الممرات البحرية الاستراتيجية، لأن تعطيل الملاحة فى مضيق هرمز أو باب المندب قد يهز أسواق الطاقة ويصيب حركة التجارة العالمية بارتباك واسع، مشيرًا إلى أن دخول أطراف إقليمية حليفة لإيران، مثل الحوثيين، سيعنى توسيع رقعة الصراع وزيادة كلفته الاقتصادية والسياسية. ضغط مباشر وأشار إلى أن استهداف قواعد عسكرية داخل دول عربية يمثل ضغطًا مباشرًا على أمن تلك الدول وسيادتها، مؤكدًا أن القاهرة ليست هدفًا عسكريًا مباشرًا، غير أن التداعيات الاقتصادية قد تكون ملموسة، خصوصًا فيما يتعلق بحركة الملاحة فى قناة السويس نتيجة اضطراب البحر الأحمر أو الخليج. وشدد على أن السنوات الماضية أثبتت أهمية تنويع مصادر التسليح وتعزيز قدرات القوات المسلحة المصرية، معتبرًا أن قوة الردع الشاملة هى الضمان الحقيقى للاستقرار. وأوضح أن تمسك مصر برفض إقامة قواعد عسكرية أجنبية يعكس حرصًا على صون السيادة الوطنية والاعتماد على القدرات الذاتية فى حماية الأمن القومي، مشيرًا إلى أن اختيار توقيت التصعيد لم يكن عشوائيًا، بل جاء بعد استكمال ترتيبات الحشد العسكرى الأمريكى فى المنطقة، مؤكدًا أن تزامنه مع يوم العاشر من رمضان يحمل دلالات رمزية وعسكرية فى الوعى العربي، بما يضفى على العملية بعدًا نفسيًا ورسائليًا يتجاوز الحسابات الميدانية. وأشار إلى أن وصول الضربات إلى عمق الأراضى الإيرانية واستهداف مواقع حساسة يعكس وجود اختراق استخباراتى متقدم، مشددًا على أن الهدف الأعمق من التصعيد يتمثل فى إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع إيران، عبر فرض ثلاثة عناوين رئيسية: امنع امتلاك سلاح نووي، كبح تطوير الصواريخ الباليستية، وتقليص النفوذ الإقليميب، منوهًا بأن الطريق إلى هذه الأهداف مرهون بتوازنات دقيقة بين الردع العسكرى والحسابات السياسية. ومن جانبه، أكد اللواء الدكتور محمد الغبارى مدير كلية الدفاع الوطنى الأسبق بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية أن اغتيال قيادات بارزة مثل المرشد الأعلى خامنئى أو غيره، سواء فى هرم السلطة أو داخل الحرس الثوري، لن يؤدى تلقائيًا إلى تفكك النظام، نظرًا لبنيته المتشابكة وآليات الخلافة المعدة سلفًا. ونوه بأن إسرائيل اتبعت خلال السنوات الماضية مسارًا موازيًا للعمل العسكرى عبر توسيع نشاطها الاستخباراتى داخل العمق الإيرانى لإيجاد بيئة ضاغطة على النظام، مع محاولة تقويض التماسك المجتمعى والضغط على المشهد الداخلي، تمهيدًا لتقليص النفوذ الإقليمى وإنهاء البرنامج النووي. إجماع شعبي وأشار إلى أن الرأى العام الإيرانى رغم تبايناته يظهر قدرًا من الإجماع بشأن البرنامج النووى الذى يُنظر إليه كرمز للسيادة الوطنية، مؤكدًا أن الضربات الجوية مهما بلغت شدتها قد تعزز النزعة الوطنية وتدفع قطاعات أوسع للالتفاف حول الدولة فى مواجهة ما يُنظر إليه كتهديد خارجي. وأوضح أن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام انخراط أطراف إقليمية أخرى، ما يحول المواجهة من عملية مركزة إلى صراع متعدد المسارات، مشددًا على أن الولاياتالمتحدة وإسرائيل ستجدان نفسيهما أمام معادلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية والإقليمية. ونوه الغبارى إلى أن القوى الدولية الكبرى لن تنخرط مباشرة فى الصراع، مرجحًا أن تكتفى روسيا والصين بمتابعة المشهد من زاوية المصالح الاستراتيجية، مؤكدًا أن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، بل بقدرة الأطراف كافة على احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم فى تداعياتها. اقرأ أيضا: سمير فرج: الوجود الإسرائيلي بالصومال تهديد مباشر لأمن مصر والسعودية