كل عام في حي المطرية، يتحول رمضان إلى لوحة حية تجمع بين التاريخ والتراث والكرم الشعبي، أهالي المطرية يصنعون من الشوارع مسرحًا رمضانيًا نابضًا بالحياة، يذكر كل زائر بأن هذه الأرض كانت يوماً مدينة أون، أرض الحضارات القديمة، حيث بدأ التاريخ المصري، وبرزت الحضارة التي ما زالت شاهدة على عراقتها. في هذا الفطار الجماعي، تختلط رائحة المحاشي الطازجة مع أصوات الطبول والمرات التي يعلن فيها المسحراتي قدوم ساعة الإفطار، لتغمر المكان أجواءً دافئة تعكس أصالة المصريين في الكرم والاحتفال بالشهر الفضيل. بين أزقة حي المطرية، وعند كل زاوية، تنتظر الشوارع أن تحكي حكاية رمضان، الأصوات تتعالى مع ضربات الطبول والمسحراتي، والروائح الزكية للمحاشي والحلويات تعبق في الهواء. هنا، في 24 شارعًا منتشرة على طول المطرية، تتحول موائد الإفطار إلى مسرح للفرحة، حيث يجلس الصغير والكبير، المسلم والمسيحي، والجار والسائح، على طاولة واحدة، ليشاركوا في تجربة لا تنسى. كل طبق يحمل قصة، البسبوسة التي تذكر بأيام الطفولة، والكنافة التي توارثتها الأجيال، والقطايف المحشوة بحب الأمهات، وكل زلابية تنطق بروح المدينة القديمة، والبيوت تحكي عن تاريخ حي المطرية العريق، مكتوب على واجهاتها: "من مدينة أون، أرض الحضارات"، لتربط الماضي بالحاضر، وتُذكّر الجميع بأن هذا المكان كان موطنًا للحضارة منذ آلاف السنين. يعد شارع محور فطار المطرية، حيث يكتظ الزوار من جميع الأعمار قبل ساعة الإفطار بساعة، لاستقبال وجبات رمضان التي تجاوزت 100 ألف وجبة هذا العام، الأطعمة لم تقتصر على السادة فقط، بل تضمنت 370 كيلو محاشي، بسبوسة، كنافة، قطايف، وزلابية، كل وجبة تحمل لمسة حب وكرم من أهالي المطرية. أحد الشيفات يقول: "نحن لا نبيع الطعام، نحن نشارك الفرحة. هذه الوجبات تم تحضيرها منذ الصباح الباكر، وكلنا نعمل بروح العائلة الواحدة". - الروح التاريخية.. من مدينة أون إلى المطرية على واجهات البيوت والعمارات مكتوب بخط واضح: "من مدينة أون، أرض الحضارات"، هذه الكتابة تذكّر الصغار والكبار بتاريخ المنطقة العريق، حيث كانت المطرية جزءًا من أمجاد مدينة أون الفرعونية، موطن الإله رع، وموئل الحضارة المصرية القديمة. أيمن مجدي، أحد أبناء المطرية، يروي: نحن نفتخر بتاريخنا، وفطار رمضان هنا ليس مجرد وليمة، بل هو احتفال بتاريخنا، كل شارع وكل ركن يروي قصة عن الماضي، عن كرم المصريين منذ آلاف السنين. - قصص من الشارع في زاوية من الشارع، نجد مجموعة من الشباب يوزعون الطعام على السياح القادمين من دول مختلفة، بينما تحكي جدة في الشارع عن أيام طفولتها: "كنت أجلس مع إخوتي على رصيف الشارع، ونشارك في فطور رمضان، واليوم أشعر بالفخر لرؤية نفس الروح مستمرة، حتى السياح يشعرون بها. أما المسحراتي، فيروي: "رسالتي ليست فقط لإيقاظ الناس للسحور، بل لإحياء روح رمضان القديمة، حيث كانت أصوات الطبول تعم الشوارع، والجميع يجتمع في ود وبهجةبها. - الأمان والتنظيم يتواجد الهلال الأحمر لتقديم الإسعافات الطارئة، والشرطة لتأمين الشوارع ومداخلها، لضمان سلامة الزوار والمشاركين. التنظيم المتميز يضمن أن كل شيء يسير بسلاسة، رغم ازدحام الشوارع والزحام الكبير. - مشاركة الجميع.. أقباط ومسلمين تخصيص بعض الشوارع لفطار صيامي للأخوة الأقباط والمسيحيين يعكس روح الوحدة بين مختلف الطوائف، مثل شارع أطفال غزة وشارع 75 أمام مستشفى السرطان ومعاهد الأورام، ليكون رمضان مناسبة للجميع، حيث يجتمع الناس على المحبة والكرم بغض النظر عن الدين أو الخلفية. - سياحة رمضانية يأتي السياح من مختلف أنحاء العالم لمشاهدة فطار المطرية، حيث يرون جانبًا من مصر الأصيلة، بعيدًا عن المناطق السياحية التقليدية. أحد السياح الأوروبيين قال: "هذه ليست مجرد وجبة، إنها تجربة ثقافية، حيث التاريخ يعيش في كل ركن من الشارع. فطار المطرية ليس مجرد حدث رمضاني، بل احتفال بالهوية والتاريخ والإنسانية، من محاشي الشوارع إلى أصوات الطبول، و مزامير ومن واجهات البيوت التي تذكر بتاريخ مدينة أون، إلى حضور السياح والمشاركة المجتمعية، يثبت الفطار الجماعي في المطرية أن رمضان ليس مجرد شهر صيام، بل هو مناسبة لتجديد الروابط الاجتماعية، والاحتفاء بتاريخ مصر العريق على أرض الحضارات.