رغم تنامي الاهتمام العالمي بالثقافة المصرية خاصة بعد افتتاح المتحف المصري الكبير فإن هذا الحدث الاستثنائي لم يستثمر ثقافيا على المستوى الدولي بما يوازي أهميته. فلم تطلق بعد برامج ثقافية عالمية متكاملة تواكب هذا الزخم. من هنا تأتي أهمية وضع خطة عمل متكاملة لملف الدبلوماسية الثقافية .. ملف متكامل يقدم ثقافتنا التي تعكس هويتنا للعالم بالشكل الأمثل باعتبار تلك الثقافة أحد أهم أدوات القوة الناعمة للدولة المصرية. الآمال كبيرة على الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة في العمل على هذا الملف وصناعة استراتيجية متكاملة وسياسات ثقافية فاعلة لما لها من خبرة واسعة في التعامل مع المؤسسات الثقافية الدولية والمتاحف الكبرى. فاختيار الدكتورة جيهان زكي لتولي منصب وزيرة الثقافة جاء ليعكس توجها واضحا من الدولة نحو إسناد ملف الثقافة في مصر إلى شخصية تمتلك خبرة دولية وفهما مؤسسيا لدور الثقافة في العمل الدولي. ومن يتابع السيرة الذاتية للوزيرة يجد فيها ما يوفيها حقها، فالدكتورة جيهان زكي هي أستاذة متخصصة في الحضارة المصرية القديمة واسما بارزا في مجال الدبلوماسية الثقافية، اكتسبت خبرة تنفيذية رفيعة من خلال رئاستها الأكاديمية المصرية في روما، حيث عملت على إعادة تفعيل دور الأكاديمية كمؤسسة ثقافية مصرية فاعلة في أوروبا، وقامت ببناء شراكات مستدامة مع مؤسسات ثقافية وأكاديمية إيطالية وأوروبية، كما سعت خلال فترة رئاستها الأكاديمية إلى تقديم الثقافة المصرية في صورتها الشاملة - تراثا وفكرا وفنونا معاصرة. هذا المسار العملي يمنحها ميزة مختلفة تجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الإدارية الثقافية والقدرة على التحرك داخل المشهد الثقافي الدولي بثقة وكفاءة. مع تولي جيهان زكي المسؤولية نتوقع من وزيرة الثقافة العمل على تلك الملفات الحيوية، وفي مقدمتها إعادة الاعتبار للحضور الثقافي المصري الدولي ، وتطوير آليات عمل المؤسسات الثقافية المصرية، وربطها برؤية استراتيجية واضحة بالإضافة إلى تمكين الفنانين والمثقفين ليكونوا شركاء في صناعة الصورة الثقافية لمصر في الخارج. الحقيقة أن تجربة جيهان زكي في إدارة الأكاديمية المصرية في روما تعتبر نموذجا يمكن البناء عليه وتطويره فيما يتعلق بملف الدبلوماسية الثقافية، ليس فقط بوصفها مؤسسة قائمة بل كنقطة انطلاق لبرنامج أوسع لتعزيز الشراكة الثقافية مع أوروبا. فمدينة روما تظل واحدة من أهم العواصم الثقافية في العالم، ويتيح الحضور المصري فيها فرصا كبيرة للتفاعل مع الدوائر الفكرية والفنية الأوروبية. وذلك من خلال إطلاق مواسم ثقافية مصرية سنوية في العواصم الأوروبية، وتوسيع برامج الإقامة الفنية والأدبية المشتركة، وربط الأكاديمية المصرية في روما بشبكة المراكز الثقافية المصرية بالخارج ضمن رؤية موحدة. أيضا - لا يمكن استعادة المكانة الثقافية المصرية دون حضور مؤسسي منظم في المهرجانات الدولية الكبرى، باعتبارها منصات مؤثرة لتقديم الإبداع المصري المعاصر. كما تبرز الحاجة الملحة إلى مشروعات الترجمة العكسية، لترجمة الأدب والفكر والفنون المصرية إلى اللغات الأجنبية عبر شراكات حقيقية مع دور نشر ومؤسسات ثقافية عالمية. من وجهة نظري إن فتح ملف الدبلوماسية الثقافية يمثل حجر زاوية في إعادة الاعتبار لثقافة مصر وتقديمها للعالم والأجيال الجديدة. وهو ما يتطلب أيضا إطلاق منصة رقمية متعددة اللغات للتعريف بالثقافة المصرية المعاصرة، والاستثمار في الأجيال الثقافية والفنية الشابة باعتبارها ركيزة مستقبل القوة الناعمة المصرية. أثق أن الدكتورة جيهان زكي من المؤمنين أن الثقافة ليست قطاعا معزولا بل عنصرا استراتيجيا في بناء صورة مصر ومكانتها عالميا. ومع ما تمتلكه من خبرة وشبكة علاقات ورصيد معرفي كبير تبدو الفرصة مواتية لمرحلة جديدة تستعيد فيها الثقافة المصرية دورها الطبيعي إقليميا ودوليا.