فى كل موسم درامى كبير، خاصة فى شهر رمضان، يصبح التنافس بين الأعمال الفنية أمرًا طبيعيًا بل ومطلوبًا. فالتنافس جزء من حيوية الصناعة، ومحرك أساسى لتقديم الأفضل. لكن ما نشهده فى السنوات الأخيرة يتجاوز حدود المنافسة الصحية، ليتحول أحيانًا إلى ما يشبه معركة علنية على لقب «الترند رقم واحد»؛ حيث ينخرط بعض الفنانين والصفحات الداعمة لهم فى حالة من التراشق والتباهى بالأرقام ونسب المشاهدة، وكأن القيمة الفنية للعمل أصبحت تقاس فقط بعدد المشاهدات أو ترتيب «الوسوم» على مواقع التواصل. وهكذا تحولت المنافسة لدى البعض إلى ما يشبه «صراع الأعلى مشاهدة»، وهو صراع قد يمنح أصحابه انتصارًا سريعًا فى فضاء الإنترنت، لكنه يطرح سؤالاً أعمق: هل تصنع الأرقام تاريخًا فنيًا؟ هذه الظاهرة لم تعد مجرد حماس جماهيرى عابر، بل تحولت إلى خطاب متكرر يعلن فيه كل نجم أو نجمة أنهم «الأكثر مشاهدة»، فى سباق رقمى يفتقر فى كثير من الأحيان إلى المعايير الواضحة. فالأرقام على المنصات الرقمية ليست دائمًا مؤشرًا دقيقًا للجودة أو التأثير، بقدر ما تعكس لحظة تفاعل سريعة قد تتغير فى اليوم التالى. المشكلة هنا لا تكمن فى الأرقام نفسها، فالإحصاءات جزء من صناعة الإعلام الحديثة، لكن الخطورة تكمن فى أن تتحول هذه الأرقام إلى معيار وحيد للحكم على العمل الفنى. حين يحدث ذلك، يصبح النقاش حول الدراما فقيرًا ومختزلًا: بدلًا من الحديث عن النص، والرؤية الإخراجية، وأداء الممثلين، والبنية الدرامية، ينشغل الجميع بسؤال واحد: من يتصدر الترند؟ ومن يفوز فى «صراع الأعلى مشاهدة»؟ والأكثر إزعاجًا أن هذا السباق الرقمى يدفع أحيانًا إلى مهاترات علنية بين بعض الفنانين أو بين الصفحات المرتبطة بهم، حيث يتحول التنافس إلى تراشق بالتصريحات أو تلميحات غير مباشرة، فى مشهد لا يليق بتاريخ الفن المصرى ولا بتقاليد الوسط الفنى التى طالما قامت على الاحترام المتبادل. فى هذا السياق جاء بيان الإدانة الصادرعن نقابة المهن التمثيلية ليعكس قلقًا واضحًا من هذا المناخ. فالنقابة، بوصفها المؤسسة المهنية التى تمثل الفنانين، لم تتدخل لمجرد ضبط خلاف عابر، بل لتأكيد قيمة أساسية: أن الفن ليس ساحة صراع رقمى، وأن كرامة المهنة يجب أن تبقى فوق معارك الترند ومنافسات الأرقام. ولو تأملنا تاريخ الدراما المصرية سنجد أن معظم الأعمال التى بقيت فى وجدان الجمهور لم تولد فى مناخ «سباق الأرقام» الذى نراه اليوم. فعندما عرض مسلسل ليالى الحلمية لم يكن أحد يتحدث عن «الترند»، ومع ذلك تحول العمل إلى أحد أهم الملاحم الدرامية فى تاريخ التلفزيون العربى بفضل عمق شخصياته وبنيته الدرامية التى كتبها أسامة أنور عكاشة وأخرجها إسماعيل عبد الحافظ. الأمر نفسه ينطبق على «الشهد والدموع» الذى ظل لعقود علامة فارقة فى الدراما الاجتماعية، ليس بسبب أرقام مشاهدة معلنة، بل لأن الصراع الإنسانى فيه كان صادقًا وقادرًا على ملامسة وجدان الجمهور. وينطبق ذلك أيضا على «رأفت الهجان» الذى قدمه الكاتب صالح مرسى وأخرجه يحيى العلمى؛ حيث تحولت شخصية البطل إلى جزء من الذاكرة الشعبية. لم يكن الجمهور آنذاك ينتظر إحصاءات المشاهدة ليقرر قيمة العمل، بل كان ينتظر الحلقة التالية لأنه ارتبط بالشخصيات وبحكايتها. والمفارقة أن استدعاء هذه الأعمال اليوم يكشف حجم المسافة بين زمنين. ففى زمن مسلسلات مثل «المال والبنون» و«زيزينيا»، لم يكن صناع الدراما منشغلين بإعلان أنهم «الأكثر مشاهدة»، ولم تكن هناك معارك يومية لإثبات من يتصدر المشهد. كان الرهان الحقيقى على جودة العمل نفسه: نص قوى، ورؤية إخراجية واضحة، وأداء تمثيلى يجعل المشاهد دائما فى حالة انتظار. أما اليوم، ففى ظل ثقافة المنصات الرقمية، أصبح البعض يسارع إلى إعلان الانتصار فى «معركة الترند» بعد ساعات قليلة من عرض الحلقة الأولى، وكأن الحكم النهائى على العمل يمكن أن يصدر فى ليلة واحدة. وهنا تبدو المفارقة واضحة: الأعمال التى صنعت تاريخ الدراما لم تكن بحاجة إلى إعلان تفوقها، لأنها ببساطة تركت الزمن يقوم بهذه المهمة. وبينما كانت تلك الأعمال تبنى حضورها ببطء وثقة داخل ذاكرة الجمهور، نجد أن كثيرًا من الضجيج الرقمى المعاصر يشتعل بسرعة.. ثم يخبو بالسرعة نفسها. فى النهاية، الزمن هو الحكم الحقيقى. وما يبقى فى التاريخ ليس العمل الذى كان «رقم واحد» على منصة ما، بل العمل الذى استطاع أن يصبح جزءا من وجدان الناس. فالترند لحظة.. أما الفن الحقيقى فهو ذاكرة تعيش أطول من كل الأرقام.