بينما وقف هيثم حسن داخل منزله الغارق فى العتمة، محاصرًا بمزيج ثقيل من الخيبة واليأس، تعالت أصوات الزغاريد من البيوت المجاورة فى أواخر يوليو 2023، احتفالًا بإعلان نتيجة الثانوية العامة، فمجموعُه لم يكن كافيًا لعبور بوابة كلية هندسة البرمجيات، الحلم الذى علّق عليه آماله باعتباره مفتاح المستقبل، ليتحوّل الفرح من حوله إلى مرآة قاسية تعكس متاهة الضغوط الاجتماعية والخوف من الضياع. على ضوء شاشة هاتفه لاحت أمامه وعود جامعة أجنبية ذات اسم مألوف، دراسة سهلة بلا تعقيد، وشهادة جامعية خلال عامين فقط، ظنها النور فى نهاية نفق مظلم، غير أن الحلم سرعان ما انقلب إلى كابوس، حين اكتشف أن الشهادة التى دفع فيها مدخراته لا وزن لها، ولا تعترف بها أى جهة رسمية، وأن ما ظنه فرصة ذهبية لم يكن سوى وهم يحمل أختامًا. تتتبع «الأخبار» فى هذا التحقيق شبكة من الشركات التجارية فى الخارج، مدعومة بوسطاء داخل مصر، تستغل ثغرات قانونية فى بعض الدول الأجنبية لإصدار شهادات تحمل مسميات أكاديمية دون سند تعليمى أو اعتراف رسمي، وتعمل على تسويقها للطلاب تحت لافتة «التعليم الدولي»، مستفيدة من غياب الرقابة العابرة للحدود وضعف آليات التحقق من الشهادات، فيما يدفع الطلاب الثمن من أعمارهم ومدخراتهم، قبل أن يصطدموا برفض اعتماد شهاداتهم من الجهات التعليمية الرسمية. السعر من 600 إلى 4000 دولار.. ومقرات وسطائهم فى مصر وهمية مغامرة للعمل كسمسار مقابل 10% للطالب.. والمكسب 170 ألف جنيه شهريًا خسر هيثم عامين من عمره فى جامعة منحته شهادة لم تسعفه فى تحقيق أحلامه فى العمل والسفر، وكذلك عانى خسارة مادية حين دفع لما يسمى ب «ليفربول كولدج إنترناشونال» ألفى دولار أى ما يعادل حاليًا 100 ألف جنيه، ثم اتضح له لاحقًا أن الكيان البريطانى الذى درس فيه مع زملاء له ليس بجامعة وغير معترف به داخل مصر، ولا يمكن معادلة شهادته بحسب ما أخبرهم به المجلس الأعلى للجامعات رغم وجود أختام وزارتى الخارجية البريطانية والمصرية. «كنت ساذج لما خدت قرار إنى أدرس فى مكان من غير ما أسأل»، بصوت يتخلله مشاعر الندم، قال هيثم إنه شعر بعد مرور عدة أشهر أن المواد التى درسها أشبه بدورة تدريبية بالإضافة إلى عدم تخصص الشارحين فى المواد بل إن المحاضرات كانت قصيرة فى موضوعات سطحية، لكن الرد من جانبهم دائمًا أن الجانب العملى هو الأساس رغم أن الدراسة «أونلاين». لم يكن هيثم الوحيد الذى تقدم نحو جامعة وهمية، ففى بيت صغير بمحافظة الشرقية جلست مروة حسن تتأمل حديث الأقارب عن صعوبة الحصول على وظيفة، وأنه لم يعد بالساهل الالتحاق بمؤسسات ذات رواتب مجزية، والأفضلية دائمًا تكون لذوى شهادات التعليم الأجنبي، لتقرر حينها السعى للحصول على شهادة تدل على إجادتها للغات وتنال الأولوية المنشودة بناء على نصائح المقربين. وفى منتصف عام 2022، بعدما أنهت مرحلة الثانوية العامة، جلست تتصفح مجموعات خاصة بالمنح التعليمية والجامعات بالخارج على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى ظهر أمامها إعلان عن برنامج تعليمى يمنحها شهادة البكالوريوس فى التخصص الذى ترغب فيه وهو إدارة الأعمال صادر عن كيان يحمل اسم «كلية كامبريدج الدولية» بمدة دراسة لا تتجاوز 18 شهرًا، دون الحاجة إلى السفر. الإعلان وعد الطلاب بشهادة «دولية» قابلة للمعادلة فى مصر برسوم أقل كثيرًا من الجامعات الأجنبية المعروفة، تواصلت مروة مع مسؤول الصفحة ليؤكد لها أن الكلية فى بريطانيا وتحمل أيضًا الاعتماد من جامعة أمريكية مرموقة، وأن شهادتها معترف بها فى جميع الدول، ورغم ترددها فى البداية بعد التشاور مع ذويها، حسمت قرارها ودفعت الرسوم على دفعات تجاوزت 1500 دولار. خلال فترة الدراسة، لاحظت مروة أنه لا يوجد اهتمام بحضور المحاضرات المقدمة بعد غيابها لمدة أسبوعين بسبب ظرف عائلي، وأن التفاعل الأكاديمى محدود، لكنها أقنعت نفسها بأن الهدف النهائى هو الشهادة، قائلة: «أنا ما اشترتش شهادة مزورة وعدونا إنها معتمدة «، هذا ما وصلت إليه بعد انتهاء البرنامج وتسلمها الشهادة المزعومة، وبدأت أولى محاولات التقدم إلى وظيفة، لتُفاجأ برفض جهة العمل لشهادتها وطالبتها بمعادلة الشهادة أولًا داخل مصر، الأمر الذى تنافى مع وعود «كامبريدج» بأن أختام وزارة الخارجية البريطانية كافية. فى واقعة أخرى وأثناء تدقيقٍ روتينى بدا فى ظاهره إجراءً إداريًا لا يحمل مفاجآت، توقفت لجنة فحص أوراق المتقدمين لوظيفة محاسب بإحدى الشركات الكبرى أمام شهادة تخرج صادرة عن معهد «هارفارد إنترناشونال» لكن اللجنة لم تسمع عنه من قبل، ما دعى رأفت محمد، رئيس فريق الموارد البشرية بالشركة، للبحث عن ماهيته إذ تبيّن له أن الشهادة صادرة عن كيان غير معتمد أكاديميًا فى بريطانيا ولا يحظى بأى اعتراف. يقول رأفت، إن هذه الواقعة ليست استثناءً، بل تتكرر بصورة مقلقة خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أنه قابل حالات كثيرة متشابهة لمتقدمين يحملون شهادات صادرة عن كيانات غير معتمدة، بعضها يتخفى خلف مسميات أجنبية أو مقار افتراضية توحى بوجود جامعات دولية، بينما هى فى الواقع غير معتمدة ولا تخضع لأى إشراف أكاديمي، وهو ما اكتشفه خلال بحثه وراء هذه المؤهلات ما جعله يتخذ احتياطاته فى كل مرة يراجع فيها ملفات المتقدمين للوظائف. «المشكلة تهدد سوق العمل، فيمكن أن يصل أشخاص غير مؤهلين إلى مواقع حساسة اعتمادًا على أوراق لا تعكس أى كفاءة حقيقية»، هكذا يرى رأفت، مؤكدًا على ضرورة تشديد آليات التحقق داخل الشركات والمؤسسات، وعدم الاكتفاء بالمظهر الخارجى للشهادة أو اسم الجهة المانحة. دفعت هذه الوقائع مُعد التحقيق إلى تتبع الشركات والكيانات المانحة للشهادات من الخارج، من خلال التواصل مع سماسرة لها، وبدأت رحلتنا بالتواصل مع وسطاء نشروا إعلانات على صفحات متخصصة فى التعليم بمواقع التواصل الاجتماعي، إذ رصدنا أكثر من 50 إعلان يستهدف الطلاب، بينهم 12 كيانًا يحمل اسم «أكسفورد» باختلافات بسيطة فى اللقب. تواصلنا مع أحد ناشريها وهو «ياسر محمد» المقيم بالأردن، والذى قدم لنا عرض «الإثنين فى واحد» وهو عبارة عن بكالوريوس وماجستير بسعر شهادة واحدة من «مركز جامعة أكسفورد والجامعة الأمريكية الدولية»، قائلا: «الطالب لا يحتاج إلى دراسة، بيكّفى صورة شخصية وبطاقة هوية ودون مؤهل»، وأن الشهادتان تصدران مقابل 600 دولار تُسدد على دفعتين خلال 20 يومًا، معتمدتان من هيئة التعليم البريطانية وبعض النقابات المهنية فى بلد الطالب، مع إمكانية إضافة تصديقات أخرى عند الحاجة. وللتحقق من العرض، وافق معد التحقيق على استخراج شهادتين، إحداهما بكالوريوس فى الإعلام الرقمي، وأخرى ماجستير، ليُرسل لنا الوسيط نموذجين باسم «انترناشونال أوكسفورد كوليدج» مؤرخين فى 24 إبريل 2025 وعليهما 3 أختام وشعار الجامعة المزعومة، إحداهما فى الطب والأخرى فى إدارة الأعمال والتسويق، وكلاهما باسم نفس الشخص رغم اختلاف التخصصات. «شهادات أجنبية مسجلة للبيع»، هكذا يعرض خالد عمار عبر «فيس بوك» بكالوريوس من أمريكاوبريطانيا وقبرص وتركيا وألمانيا وفرنسا، بأسعار تراوحت بين 3000 و3500 دولار حسب الدولة، كما ادّعى أن كل شهادة نظامية مسجلة ولها ملف كامل داخل الجامعة، وكأن الطالب درس سنوات كاملة، ويمكنه استخدامها للتقديم فى القطاع الخاص وتعزيز السيرة الذاتية، وإضفاء صبغة أكاديمية على المؤلفات والبحوث الشخصية. وفى عرض آخر، تواصلنا مع «نور المحمدي» عبر واتس آب برقم دولي، والذى عرض شهادة بكالوريوس من «ليفربول كولدج» فى بريطانيا مقابل 4000 دولار، تٌدفع فى حساب «الجامعة» بشكل مباشر مع إمكانية تسديد المبلغ بالعملة المحلية للبلد بزيادة 5٪ لتكاليف التحويل، واستلام الشهادة بالبريد الإلكترونى بعد إضافة بيانات الطالب رسميًا فى نظام الجامعة. للتأكد من تبعية هؤلاء الوسطاء مع الكيانات التى يروجون لها، تحدثنا مع «ليفربول كولدج» - كنموذج- مباشرة عبر رقم «واتس آب» على موقعها الإلكتروني، وعرفت الكلية نفسها عليه بأنها «منارة للتعليم الذى يتجاوز الحدود»، وردًا على أسئلتنا أكد أحد مندوبيها أن الدراسة بها متاحة فى أكثر من 213 تخصصًا، وتختلف القيمة المالية حسب التخصص وإذا كانت عن بعد أو مكثفة أو حضورية، وكذلك نوع الشهادة فى حال كانت أكاديمية أو مهنية. اخترنا تخصص الهندسة المدنية، ليخبرنا بأن أقل مدة للدراسة عن بعد فى هذا التخصص هى عام ونصف، وبعدها يمكن الحصول على الشهادة معتمدة من الجامعة ووزارة الخارجية البريطانية ومن الجهات المعنية داخل دولة الطالب بإجمالى 3700 دولار - وفقًا لما يدعى - وفى حال الرغبة باعتمادها من التعليم العالى البريطانى تكون بتكلفة إضافية 3000 دولار، كما يزعم أنها معتمدة فى بريطانيا بشكل رسمي، وتقدم مناهج متقدمة رافضة التحدث عن هوية هيئة التدريس. تتبعنا سجل «ليفربول كولدج» فى النظام البريطاني، لنجدها فى سجل الشركات «»Companies House من عام 2024 فقط وليس 2012 كما هو مذكور بموقعها الإلكتروني، والشركة مرخصة باسم شخص مصرى الجنسية يدعى «م. أ. ع» - تحتفظ «الأخبار» بنسخة من وثيقة التسجيل-، بالإضافة إلى وجودها على السجل البريطانى لمقدمى خدمات التعليم «UKRLP» تحت مسمى «مزوّد تعليم أو تدريب». عند مراجعة الجهات المسئولة عن اعتماد المؤسسات التعليمية، لم تظهر الكلية فى أى من السجلات الرسمية، فهى ليست مدرجة لدى مكتب شئون الطلاب البريطانى (OfS)، أو مكتب تنظيم المؤهلات والامتحانات «Ofqual» المسئولة عن اعتماد المؤهلات، وكذلك هيئة ضمان جودة التعليم العالي، كما لا ترتبط بأى جامعة بريطانية معترف بها تمنح درجات أكاديمية. تُظهر بيانات خدمة التحقق من صحة الشهادات الجامعية فى بريطانيا، أن نحو 8% من الشهادات المقدمة سنويًا للفحص، لا يمكن تأكيد صحتها إما لصدورها عن مؤسسات غير معترف بها أو وهمية، وتضع الهيئة التنظيمية لقطاع التعليم العالى فى إنجلترا «مكتب شئون الطلاب» حدًا فاصلًا بين ما يُعد تعليمًا عاليًا معترفًا به، وما هو مجرد نشاط تدريبى أو تعليمى بلا غطاء أكاديمى قانوني، تواصلنا مع الهيئة عبر البريد الرسمى لها لمواجهتها بما رصدناه خلال التحقيق، لتؤكد ل»الأخبار» أن منح درجات البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه لا يُعد مسألة تسويقية، بل صلاحية قانونية لا تمتلكها إلا مؤسسات محددة، ولا تُكتسب بالتسجيل كشركة تجارية أو كمدرب، وإنما عبر اعتماد رسمى يخضع لتقييم مسبق قبل منحه أو رفضه. وتوضح الهيئة أن المؤسسات التى لا تمتلك صلاحيات منح الدرجات يمكنها «نظريًا» تقديم برامج تعليم عالٍ فقط إذا كانت الدرجة النهائية «مُجازة» أو «معتمدة» من مؤسسة مسجلة لديها، أما تقديم برامج تحمل مسميات أكاديمية دون هذا الغطاء، يضع المؤسسة خارج الإطار القانوني، مما يفتح الباب أمام تضليل الطلاب بشأن القيمة الحقيقية للمؤهل، وأن القانون البريطانى يتعامل بصرامة مع مسميات مثل جامعة وأكاديمى وتعليم عالى ومركز جامعى كألقاب «محمية قانونيًا» ولا يجوز إدراجهم دون موافقة رسمية، عكس كلمات مثل «كلية» أو» دولي». ورفضت الهيئة التعليق على استغلال شركات تجارية لاختلاف المسميات التعليمية بالقانون البريطاني، مؤكدة أن تشديد القوانين أو تعديل الإطار التشريعى لمواجهة تجارة الشهادات، فى نطاق اختصاص الحكومة، مؤكدة أن استخدام التسجيل فى السجل البريطانى لمقدمى التعلم أو رقم مزود الخدمة التعليمية كأداة تسويقية توحي، صراحة أو ضمنيًا، بوجود اعتماد أكاديمى أو ضمان لجودة التعليم، يُعد ممارسة مضللة للطلاب، وفى مثل هذه الحالات، يملك مكتب شؤون الطلاب، بموجب اتفاقية الشراكة المبرمة مع هيئة المعايير التجارية البريطانية، صلاحية إحالة الجهات المخالفة إلى الهيئة المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية. وتنصح الهيئة البريطانية الطلاب الراغبين فى الدراسة بالخارج بالبحث فى سجلها الإلكترونى مما يمنحهم أداة تحقق حاسمة، تُمكّنهم من التأكد مما إذا كانت المؤسسة مسجلة، وما إذا كانت تمتلك صلاحيات منح الدرجات، فضلًا عن الاطلاع على وضعها التنظيمي، كما توصى باستخدام منصة «Discover Uni» للحصول على بيانات أكثر تفصيلًا حول البرامج والمؤسسات التعليمية. وتشير إلى أن الإجراءات المتخذة بحق الجهات المضللة -حسب وصفها- تختلف باختلاف جسامة المخالفة، ففى حال كانت الجهة مسجلة لدى المكتب، قد تخضع لفتح تحقيق، أو تشديد الرقابة والمتابعة، أو فرض شروط تسجيل إضافية، وتصل العقوبة إلى فرض غرامات مالية، أو تقييد أو سحب صلاحيات منح الدرجات العلمية، أو إلغاء تسجيل المؤسسة، أما إذا كانت الجهة غير مسجلة، تُحال إلى هيئة المعايير التجارية البريطانية، لتتخذ بدورها الإجراءات القانونية المناسبة. ويعقب عمر سالم، المحامى بالاستئناف العالى ومجلس الدولة، بأن الوضع الشرعى لهذه الكيانات فى دول مثل بريطانياوأمريكا يتعلق بوجود ثغرة أو مساحة رمادية، عن طريق استخدام مسميات قانونية مسموح بها لبعض المراكز التعليمية، حيث يتيح لها القانون إطلاق تسميات مثل «أكاديمية» أو «إنترناشونال»، رغم أنها لا تتمتع بالوضع الأكاديمى الكامل الذى قد يوحى به هذا المسمى، ضاربًا مثالًا على ذلك بما هو معمول به فى مصر، حين يقوم فرد بإنشاء كيان يطلق عليه مسمى «أكاديمية» أو غيره من الأسماء التعليمية رغم أن الوضع القانونى فى حقيقته ليس كذلك. ويشير إلى أن بريطانيا على سبيل المثال تحقق حكومتها عوائد مالية من تسجيل هذه الكيانات بشكل تجاري، فى حين يتم استغلالها تعليميًا خارج حدود المملكة المتحدة وليس داخلها، موضحًا أن هذه الكيانات لا تمثل ضررًا على المواطنين داخل بريطانيا، إنما الضرر الحقيقى يقع على المتعاملين خارجها خاصة الطلاب من الدول العربية، إذ تُصدر هذه الكيانات شهادات لا تحمل أى قيمة قانونية أو تعليمية بالداخل البريطاني، بينما يتم تسويقها على أنها مؤهلات ذات قيمة فى دول أخرى. بريطانيا ليست وحدها، فبحسب تقرير صادر عن شركة «Parchment» الأمريكية المتخصصة فى التحقق من الشهادات الأكاديمية، يصل حجم سوق الشهادات غير المعتمدة والمزورة بأكثر من 7 مليارات دولار سنويًا، ويشير التقرير إلى أن إحدى شبكات الاحتيال التعليمى الكبرى نجحت وحدها فى بيع أكثر من 8 ملايين شهادة غير موثقة خلال سنوات قليلة، لطلاب فى نحو 190 دولة، عبر كيانات تحمل أسماء جامعات دولية لا وجود أكاديمى فعلى لها. وتقدر منظمة خدمات التعليم العالمية (WES)، وجود أكثر من 2٫600 مؤسسة وشركة تقدم شهادات غير معتمدة حول العالم، من بينها أكثر من 1٫000 كيان فى الولاياتالمتحدة وحدها، والتى تحذر فيها لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) من انتشار واسع لما تصفه ب»الدرجات الوهمية»، مؤكدة أن مئات الكيانات التعليمية غير المعتمدة تنشط حاليًا عبر الإنترنت، وتسوّق شهادات بكالوريوس سريعة مقابل مبالغ مالية، دون أى إشراف من جهات اعتماد رسمية وتستقطب غالبًا طالب من الخارج. استكملنا البحث فى سجلات مجلس اعتماد التعليم العالي، ووزارة التعليم الأمريكية التى تعد الشهادات الصادرة من غيرها غير معتمدة، وبالبحث عن ثلاث كيانات روج لها السماسرة منهم «الجامعة الأمريكية الدولية» اتضح أنها ليست ضمن قوائم المؤسسات المعتمدة، وتسوّق نفسها كمصدر للتعليم عن بعد وتمنح درجات أكاديمية. وتمتد الإشكالية إلى كنداوأستراليا التى لم تخل من عروض شهادات بلا اعتماد، إذ بحثنا عن «كامبريدج إنترناشونال كوليدج أستراليا» وهى إحدى الكيانات التى عرضها «سماسرة» للحصول على شهادة بكالوريوس، وكشفت مراجعة السجلات الرسمية أن المؤسسة غير مسجلة لدى هيئة جودة ومعايير التعليم العالى «TEQSA»، ومسجلة فقط فى السجل الأسترالى لمؤسسات ودورات الطلاب الدوليين وهو سجل حكومى يضم الجهات المسموح لها بتقديم الخدمات التدريبية للطلاب الدوليين، ولا يُعد اعتمادًا أكاديميًا. رصدنا 6 مكاتب تلعب دور الوسيط بين الطلاب والجامعات غير المعترف بها فى الخارج، تدعى أن لها مقرات بمختلف دول العالم تاركة عناوين لهم فى مصر، ومن بينها أكاديمية تحمل اسم «د.ب» فى مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، انتقلنا إليها بالفعل بحسب العنوان الموضح على موقعها الإلكترونى بالقرب من المحور المركزي، لكن لم نجد أى لافتة تحمل اسم المكان، وبسؤال حارس العقار بالعنوان المتروك نفى وجود أى مكتب يحمل هذا الاسم حتى فى الوحدات المجاورة. تواصلنا مع الكيان المزعوم عبر رقم هاتفهم، ليخبرنا ممثل المكتب أن المقر إدارى فقط ولا يمكننى التوجه إليه، وفى حال الرغبة بالاشتراك معهم للحصول على شهادة بكالوريوس مهنى أو تخصصى من جامعة كانديد أو الجامعة الأمريكية للعلوم، يتم ذلك «أون لاين» بدءًا باختيار التخصص والدفع عبر حساب المكتب، مع تقديم ضمانات مثل إدراج الاسم فى سجل الجامعة والتأكد من رسالة القبول عبر موقعها الإلكترونى قبل تسديد قيمة المؤهل كاملة بما يقارب 800 دولار بعد إضافة التصديقات. انتقلنا إلى العنوان التالى ل «الأكاديمية الدولية» بالقرب من ميدان رمسيس بمنطقة «وسط البلد» بالقاهرة، لم نجد لها أثرًا كسابقتها، على الرغم من أن موقعهم الإلكترونى يؤكد أن مكتبهم موجود، ويمنح عرضًا مغريًا: «فى 30 يومًا فقط احصل على شهادة البكالوريوس المعتمدة من كبرى الجامعات العالمية فى إنجلتراوأمريكا»، الكيان الوسيط يدعى أن الشهادة سيتم الحصول عليها من خلال نظام المعادلات وليس عن طريق الاختبارات أو الدراسة، أو بنظام دراسة لمدة تتراوح بين 48 ساعة إلى سنة كحد أقصى، مع تصديقها من سفارات 17 دولة عربية فى بريطانيا، حسب جنسية الطالب. «الشهادات الصادرة عن جهات أجنبية غير معتمدة تُعد من الناحية القانونية، محررات عرفية صادرة عن جهات خاصة، لا تتسم بالصفة الرسمية، ولا تتمتع بأى حجية قانونية أمام الجهات الرسمية فى الدولة، وفقًا لما يوضح عمر سالم المحامي، موضحًا أن حيازة الشهادة لا يُعد تزويرًا، طالما كانت صادرة عن جهة أجنبية حقيقية، ولم يتوافر أى اصطناع أو تقليد للأختام أو البيانات الواردة بها. ويشير إلى أن حامل الشهادة يتحول من ضحية إلى متهم بالتزوير والاحتيال فى حالات محددة، وذلك إذا استخدم ختمًا منسوبًا إلى جهة رسمية، أو قدّم الشهادة باعتبارها مؤهلًا معتمدًا أو أجرى تعديلًا على بياناتها أو أضاف إليها درجة علمية غير صحيحة، وفى هذه الحالات يُطبق نص المادة (215) من قانون العقوبات، وتكون العقوبة الحبس مع الشغل لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. وبشأن مسئولية «السماسرة»، فيوضح أنها قد تواجه مسئولية جنائية عن جريمتين، الأولى جريمة النصب، نتيجة استخدام أساليب الخداع للتربح، والثانية الاشتراك فى جريمة التزوير فى محرر عرفي، أما عن جهة العمل التى قبلت الشهادة فلا مسئولية قانونية عليها لمجرد القبول، باعتبارها ليست جهة فحص أو تحرٍّ، إلا إذا ثبت علمها بعدم اعتماد الشهادة وقبولها رغم ذلك، مع تقديم مساعدة لحاملها للتحايل بشأنها. لم تقتصر محاولاتنا على تتبع شبكات الوسطاء العاملين فى الخفاء، وقررنا خوض التجربة بأنفسنا، تواصلنا مجددًا مع «ليفربول كوليدج»، لكن هذه المرة اتفقنا للعمل معهم لمدة شهر كسمسار لاستقطاب الطلاب والتعرف على «التسعيرة» ونظام العمل معهم، وخلال المحادثات عبر الصفحة الرسمية لهم على «فيس بوك»، حدّد القائمون عليها إحضار 12 طالبًا شهريًا كحد أدنى لبدء العمل كوسطاء معتمدين لديهم، مقابل عمولة 10٪ من إجمالى الرسوم التى يسددها كل طالب. وبحساب أرباح الوسيط بعد توفير الحد الأدنى بمتوسط مصروفات 3000 دولار لكل طالب، يكون إجمالى الرسوم 36 ألف دولار، تحصل الجهة الوسيطة منها على عمولة تبلغ 3600 دولار، أى ما يعادل نحو 170 ألف جنيه مصرى فى الشهر، أما وسائل التحصيل، فتتم داخل الدولة نفسها، إما من خلال حسابات بنكية محلية، أو عبر وسطاء ماليين معتمدين لدى الكيان، دون اللجوء إلى أى تحويلات مالية مباشرة إلى الخارج، مع التأكيد على أن صياغة الإعلان المنشور لابد من موافقتهم عليها. «اختلاف التكلفة حسب توثيق الشهادة» حسبما ادعى ممثلو الكيان، وأن بعض الطلاب يكتفون بالحصول على الشهادة فقط، بينما يطلب آخرون توثيقها من الخارجية البريطانية فى لندن، أو توثيقًا مزدوجًا يشمل الخارجية البريطانية ونظيرتها المصرية، لكننا لم نبدأ العمل مراعاة للمعايير الأخلاقية. تواصلنا مع وزارة الخارجية المصرية والتى أكدت بدورها ل «الأخبار» أن التصديق على شهادات التخرج الجامعية الصادرة من الخارج يمر بعدة اجراءات تبدأ بتصديق الشهادة من وزارة خارجية الدولة الأجنبية المانحة لها ثم وضع خاتم شعار الجمهورية من السفارة المصرية فى الدولة نفسها، أو اعتماد الشهادة من سفارة الدولة الأجنبية المعتمدة داخل مصر، وتُستكمل الإجراءات فى مرحلتها الأخيرة بتصديق أحد مكاتب التصديقات التابعة للخارجية المصرية. وعن نوع الشهادات، طرح «ليفربول كوليدج» خيارين وهما بكالوريوس أكاديمى أو بكالوريوس مهني، رغم حكم المحكمة الإدارية العليا بعدم قانونية الشهادات المهنية ومنع منحها أو الاعتداد بها داخل مصر، وأن قانون تنظيم الجامعات ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 809 لسنة 1975 لا تتضمن أى درجة علمية تحت مسمى «مهني»، وشدد الحكم على أن استحداث هذه المسميات بقرارات إدارية يُعد مخالفة صريحة للقانون، ولا يترتب عليه أى أثر قانونى فى التعيين أو القيد بالنقابات المهنية. «بعض التخصصات يتوقف عليها حياة المواطنين ولا تصلح للدراسة أونلاين»، هذا ما يؤكده أ. د. هانى مصطفى، الأستاذ بجامعة كيبك فى مونتريالبكندا، ورئيس تحالف الجامعات الكندية للثورة الصناعية الخامسة، وأن التدقيق فى الشهادات الأكاديمية مسألة بالغة الأهمية، مشيرًا إلى أن الواقع العملى فى كندا يكشف عن حالات لشهادات غير معتمدة أكاديميًا. ويضرب الأستاذ بجامعة كيبك مثالًا بأن بعض القادمين إلى كندا يحملون ما يُقدَّم على أنه «بكالوريوس هندسة»، بينما تكون هذه الشهادات فى حقيقتها أقرب إلى شهادات مهنية لا يُعتد بها قبل المرور بإجراءات المعادلة الأكاديمية، وتتطلب أحيانًا تعليمًا إضافيًا والحصول على مناهج مكملة لاستحقاق لقب «مهندس»، وفى حال عدم المعادلة، يكون الوضع المهنى لحامل الشهادة «فني» دون اعتراف نقابي. ويشير إلى أن التشديد فى معادلة الشهادات أمر حتمي، لا سيما فى المهن الحساسة مثل الطب والهندسة، موضحًا أن مهندسًا مدنيًا، على سبيل المثال، يكون مسئولًا عن رسومات وتصميمات هندسية تنطوى على مسئوليات جسيمة وكذلك الطبيب وغيرها من المهن، فعدم الكفاءة يعرّض الأرواح للخطر.