في عالم كرة القدم، كثيرًا ما تُختزل مسيرة المدربين في عدد البطولات والألقاب، لكن التجارب الكبرى أثبتت أن القيمة الحقيقية تظهر في اللحظة التى يقترب فيها المدرب من الرحيل، هنا فقط يتضح إن كان قد بنى مشروعًا متماسكًا، أم مجرد فريق مرتبط باسمه، تجربة يورجن كلوب مع ليفربول قدّمت نموذجًا واضحًا لهذه الفكرة، عندما غادر وهو يترك خلفه فريقًا مستقرًا قادرًا على المنافسة، دون حاجة إلى إعادة بناء من الصفر. اليوم، ومع تزايد التكهنات حول مستقبل بيب جوارديولا فى مانشستر سيتي، يبدو المشهد متشابهًا إلى حد كبير، المدرب الإسباني لا يتعامل مع فكرة الرحيل كحدث مفاجئ أو تهديد لمشروعه، بل كمرحلة طبيعية يجب الاستعداد لها مبكرًا، لذلك، لا يبدو السيتى فريقًا يقترب من نهاية دورة ناجحة، بقدر ما يظهر كنادٍ يمر بعملية إعادة ضبط محسوبة تهدف إلى الحفاظ على استمرارية النجاح. ◄ جرس إنذار مبكر موسم 2024-2025 كان الأصعب لمانشستر سيتي منذ تولى جوارديولا القيادة الفنية، تراجع فى النتائج، فقدان جزئي للإيقاع، وضغط متواصل كشف عن حالة تشبع طبيعى بعد سنوات طويلة من الهيمنة المحلية، الفريق بدا أقل حدة، وأكثر عرضة للتراجع فى فترات حاسمة، وهو ما طرح تساؤلات جدية حول مستقبل المشروع. لكن جوارديولا، على عكس كثير من المدربين، لم يتعامل مع هذه المرحلة كعثرة عابرة، التحركات بدأت مبكرًا فى سوق الانتقالات الشتوية، حيث سعى النادى إلى معالجة اختلالات واضحة فى بعض المراكز، قبل أن يتحول ميركاتو الصيف إلى محطة إعادة بناء حقيقية، لا تقتصر على ترميم الثغرات، بل تمتد لإعادة تشكيل الفريق بالكامل. ◄ اقرأ أيضًا | جوارديولا يكشف أسباب استبدال هالاند ◄ إعادة البناء دون التخلي اللافت فى تحركات مانشستر سيتى الأخيرة أنها لم تأتِ على حساب فلسفة اللعب، الصفقات ركزت على خفض متوسط الأعمار، وضخ طاقة بدنية وفنية جديدة، مع الحفاظ على الأسس التكتيكية نفسها التى صاغها جوارديولا منذ سنوات. انضمام لاعبين مثل عمر مرموش وخوسانوف فى يناير، ثم ريان شرقى وريان آيت نورى ونيكو جونزاليس ومارك جيهى فى الصيف، إلى جانب الاعتماد على جيانلويجى دوناروما فى حراسة المرمى، رسم ملامح فريق شاب وحديث التكوين، أكثر من نصف التشكيل الأساسى الحالى لم يُكمل موسمًا كاملًا داخل النادي، ومع ذلك لم يفقد السيتى توازنه أو شخصيته. اللاعبون الجدد تم دمجهم تدريجيًا، والأدوار داخل الملعب أصبحت أكثر وضوحًا، بينما تراجع الاعتماد على الحلول الفردية بعد رحيل أسماء ثقيلة مثل كيفين دى بروين، لصالح منظومة جماعية أكثر مرونة وقدرة على التكيّف. ◄ سيتي بلا مدرب منقذ ما يميز مانشستر سيتى فى هذه المرحلة أنه لم يعد فريقًا يحتاج إلى مدرب «منقذ» يعيد بناء كل شيء من البداية، الهيكل الفني، أسلوب اللعب، وثقافة المنافسة أصبحت جزءًا من هوية النادي، لا مرتبطة بشخص واحد فقط. هذا الاستقرار يجعل انتقال السلطة الفنية فى المستقبل أقل صدمة، ويمنح النادى القدرة على استيعاب أى تغيير دون أن يفقد مكانته بين كبار أوروبا.. جوارديولا، بهذا المعنى، لا يبنى فريقًا للموسم الحالى فقط، بل يؤسس لمنظومة قابلة للحياة حتى بعد رحيله. ◄ درس كلوب حاضر ما يحدث فى مانشستر سيتى يعيد إلى الأذهان ما فعله يورجن كلوب فى ليفربول، المدرب الألمانى واجه فترة تراجع واضحة قبل رحيله، لكنه تعامل معها كإشارة تحذير لا يمكن تجاهلها، بدلاً من البحث عن حلول مؤقتة، أطلق عملية تجديد شاملة شملت كل الخطوط، وعلى رأسها خط الوسط. رحيل أسماء بارزة تبعه تعاقد مع عناصر شابة وحيوية، إلى جانب إعادة صياغة الأدوار الهجومية ومنح الثقة للاعبين صاعدين. الهدف لم يكن إنقاذ موسم واحد، بل إعادة ضبط المشروع بالكامل، وعندما قرر كلوب الرحيل، ترك خلفه فريقًا جاهزًا للمنافسة، وهو ما سمح لآرنى سلوت بالنجاح السريع فى موسمه الأول. ◄ الرحيل بوصفه مسئولية الفارق بين المدرب الكبير وغيره لا يظهر فقط فى لحظات التتويج، بل فى طريقة الخروج، كلوب اختار أن يرحل وهو يضمن أن ليفربول قادر على الاستمرار، وجوارديولا يبدو مصممًا على تقديم النسخة الخاصة به من هذا النموذج فى مانشستر سيتي. المدرب الإسبانى لا يخطط لنهاية مفاجئة، بل لانتقال هادئ للسلطة الفنية، يضمن بقاء النادى فى دائرة المنافسة، دون أن يتحول إلى أسير لاسم صنع أمجاده، هكذا يرحل الكبار.. عندما يتركون خلفهم مشروعًا لا يتوقف عندهم.