لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه, بل أصبحت عوالم افتراضية مليئة بالإغراءات خلف الشاشات الصغيرة تختبر وعي الأطفال وتحرك مشاعرهم دون أن يلاحظ الأهل. ساعات طويلة من الانغماس في تلك الألعاب, وخاصة المفتوحة على العالم الرقمي مثل "روبلوكس", تجعل الطفل فريسة سهلة قد يتعرض لمحتوى غير آمن، وأحيانا ابتزازات إلكترونية تصطاد براءته, مما يعكس تحديات جديدة أمام الأسرة والمجتمع ويطرح تساؤل: "هل نحن كآباء ومربين مستعدون فعليا لمرافقة أطفالنا داخل هذا العالم الرقمي الفسيح؟. حتى جاء قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحظر لعبة "روبلوكس" ليكون خطوة هامة في حماية الأطفال, بينما سلط مسلسل "لعبة وقلبت بجد" الضوء على هذه المخاطر بطريقة درامية إنسانية, ليبرز دور الفن كأداة ناعمة وفعالة في توعية المجتمع من خلال طرح رسائل ضمنية تفتح نقاشا حول المخاطر وتدفع المؤسسات الرسمية إلى الاهتمام بحماية الأجيال الجديدة, دون أن تتحول الدراما إلى خطابة أو تلقين مباشر. وفي قراءة نقدية لتداخل الدراما مع القرار الرسمي, يطرح الناقد طارق الشناوي رؤية أكثر اتزانا للعلاقة بين الدراما وصناعة القرار, معتبرا أن الفن لا يقود المشهد بمفرده, بل يساهم في كشف المناطق المعتمة داخل المجتمع, وهو ما تحقق بوضوح في مسلسل "لعبة وقلبت بجد" الذي اقترب من عالم الأطفال الرقمي بحس إنساني بعيد عن المباشرة, ويقول: "بين قرار الحظر ورسالة الدراما, تتكشف معادلة دقيقة فالفن ليس صانع قرار, لكنه قادر على فتح الملفات المسكوت عنها وتحفيز النقاش العام حول قضايا تمس الأمن النفسي والاجتماعي للأطفال, ونجاح المسلسل لم يكن في طرح القضية فقط, بل في طريقة تناولها إنسانيا ودراميا بعيدا عن التلقين, وفي وقت تدخل فيه الدراما المصرية مرحلة جديدة يبقى الرهان الحقيقي على أعمال تحترم عقل المشاهد وتوازن بين الجاذبية الفنية والوعي المجتمعي مدعومة بمناخ إنتاجي يتيح للمبدعين حرية التعبير حتى يظل الفن وسيطا ذكيا بين المواطن والواقع لا مجرد أداة مباشرة للتوجيه". ويتابع قائلا: "لا يمكن إنكار أن المسلسل كان له دورا مهما في كشف المخاطر الكامنة خلف بعض الألعاب الإلكترونية, وعلى رأسها اللعبة الشهيرة بين الجيل الجديد (روبلوكس), فالعمل أسهم في دق ناقوس الخطر بشأن ما يتعرض له الأطفال داخل هذا العالم الافتراضي وهو ما تزامن لاحقا مع قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحظر اللعبة, وهو تأثير قوى للدراما لا يمكن تجاهله, لكن المبالغة في تقدير تأثير الدراما على صناعة القرار أو تغيير الواقع الاجتماعي ليست دقيقة تماما, وعلى الجانب الآخر أيضا من تحميلها مسؤولية الترويج للسلوكيات المنحرفة يعد تبسيطا مخلا", مؤكد أن الدراما تمتلك قوة التأثير العاطفي بلا شك لكنها ليست الفاعل الأوحد في تشكيل الوعي العام أو صناعة القرارات. ويضيف: "ما يميز المسلسل هو ابتعاده عن الوعظ المباشر واعتماده على بناء درامي تدريجي قدم القضية في إطار إنساني قريب من الجمهور دون ادعاء التوعية الصريحة، فأسوأ ما قد تقع فيه الدراما هو التحول إلى منبر تعليمي أو تلقيني, وهو النموذج الذي أثبت فشله تاريخيا فيما عرف بدراما الرسائل المباشرة في زمن الاتحاد السوفيتي". "ورسالة أي عمل فني يجب أن تكون مضمرة داخل السياق الدرامي لا هدفا مسبقا يفرض على الحكاية, مع ضرورة ترك مساحة الحرية للإبداع كي تتحرك الدراما بطبيعتها, فالفن قادر على طرح كل القضايا بهدوء وذكاء وتحقيق المعادلة الصعبة بين التوعية غير المباشرة والجاذبية الدرامية". ويشير الشناوي إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب مناخا أكثر انفتاحا للمبدعين, محذرا من أن تضييق مساحة الحرية يؤدي إلى تشابه الأعمال وتصاعد نبرة الخطاب المباشر. ويختتم بالإشادة بدور "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" في تهيئة بيئة إنتاجية داعمة سمحت بتقديم أعمال قادرة على ملامسة قضايا المجتمع ومنها مخاطر الألعاب الإلكترونية على الأطفال دون التضحية بالقيمة الفنية. "جرس إنذار" وفي ذات السياق بشأن تأثير الدراما في تحريك المياه الراكدة ترى الناقدة ماجدة خيرالله أن مسلسل "لعبة وقلبت بجد" شكل جرس إنذار حقيقي تجاه خطورة الألعاب الإلكترونية وما تفرضه من حالة استغراق كامل للأطفال والشباب في ظل غفلة أسرية قد تنتهي بصدمات مفاجئة, وتقول: "مجرد كشف هذا الخطر يعد إنجازا كبيرا, وقرار حجب (روبلوكس) خطوة شديدة الأهمية, مع ضرورة التوسع في مواجهة أي ألعاب مشابهة تهدد وعي الأجيال, فهو يعكس بوضوح قدرة الدراما القوية على تحريك الرأي العام ودفع المؤسسات الرسمية إلى اتخاذ قرارات مؤثرة, مؤكدة أن التأثير يتعاظم كلما امتلك العمل حرية الطرح وقوة المعالجة, وتستشهد في هذا السياق بتجربة مسلسل (لام شمسية) الذي نجح في فتح ملف الاعتداء على الأطفال وشجع كثيرين على كسر حاجز الصمت والمطالبة بحقوق أبنائهم, ولكن المنع وحده لا يكفي, فالأهم هو تقديم بدائل جذابة للأطفال كما كان يحدث في السابق, فحرمان الطفل من اهتماماته دون توفير بديل يفتح الباب لمزيد من التعلق بالعالم الافتراضي". وتضيف: "مسسلسل (لعبة وقلبت بجد) تمكن من تحقيق معادلة صعبة, حيث جمع بين طرح القضية بشكل غير مباشر مع الحفاظ على الجاذبية الدرامية خاصة أنه يخاطب فئة عمرية حساسة, فجمع بين التسلية والأداء التمثيلي العفوي وطرح المخاطر بوعي فني,فالعمل المكتوب بحرفية والمدعوم بمساحة حقيقية للإبداع يترك أثره الطبيعي لدى الجمهور بعكس الأعمال التي تسقط في فخ الوعظ المباشر والذي غالبا ما يفقد الرسالة تأثيرها وينفر المشاهد". وتوضح ماجدة أن الأسرة تأتي في المرتبة الأولى لمعالجة هذه القضايا, ويقع على عاتقها مسؤولية أساسية في حماية أبنائها عبر الوعي والمتابعة وتوفير أنشطة بديلة تجنبهم الانزلاق إلى هذا العالم المدمر, تليها المدرسة ثم يأتي دور الفن في تقديم مشكلات المجتمع بأسلوب جذاب دون تزيين الخطأ, مع التأكيد على أن الفن لا يجب تحميله أكثر مما يحتمل, لأن وظيفته الأساسية هي المتعة تتخللها رسائل عند الضرورة. وفي ختام حديثها, تشير إلى أن دور "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" يتمثل في إتاحة الفرصة لصناعة فن جيد ودعم المبدعين من كتاب ومخرجين وممثلين, معتبرة أن الفن الجيد في حد ذاته رسالة, وإذا حمل بين طياته رسائل إيجابية إضافية, فذلك يعد مكسبا مضاعفا، خاصة أن الفن يعد إحدى القوى الناعمة الأساسية في المجتمع". "أسلحة مضادة" وفي مقاربة اجتماعية عملية لما بعد قرار الحظر, تقدم الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس, روشتة للتعامل مع الأطفال حال منعهم من الألعاب الإلكترونية, وتقول: "من منظور علم الاجتماع, لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه بل تحولت إلى فضاء اجتماعي بديل تتشكل داخله شخصية الطفل وسلوكياته وأنماط تفكيره, فالتعرض المفرط لهذا النوع من الألعاب خاصة تلك القائمة على العوالم المفتوحة والتفاعل مع الغرباء, يؤدي إلى ما يعرف ب(الإدمان الرقمي), وهو نمط من التعلق النفسي يفقد معه الطفل القدرة على ضبط الوقت والانفعالات وينعكس في صورة عزلة اجتماعية, اضطرابات في النوم, تراجع دراسي وسلوكيات عدوانية متزايدة, كما يصبح الطفل أكثر عرضة للابتزاز الإلكتروني والاستدراج وقد يجبر على ممارسات تؤذيه نفسيا وتضر بالآخرين". "وقرار المنع وحده لا يكفي, بل قد يتحول إلى صدمة نفسية إذا لم يسبق بتوفير بدائل جاذبة, فالمنع المفاجئ قد يدفع الطفل إلى التمرد أو ممارسة اللعبة في الخفاء, ومن هنا نطرح (روشتة اجتماعية) تقوم على عدة محاور: أولها إتاحة أنشطة بديلة تناسب طبيعة الجيل الحالي, تجمع بين الترفيه والتعلم, فالأجيال السابقة نشأت على محتوى صنع خصيصا للطفل مثل برامج (بابا شارو) و(أبلة فضيلة)، أما اليوم فنحن أمام طفل ذكي ومنفتح على العالم عبر الهواتف المحمولة, وخلف الشاشات يتعرض لإغراءات وأجندات تستهدفه بشكل مباشر, مما يستدعي امتلاك أسلحة ثقافية مضادة قادرة على منافسة هذا المحتوى, فهل نحن مستعدون حاليا لتقديم برامج ومحتوى يدعم الأسرة ويحمي الطفل؟.. ثانيا: الاحتواء الأسري القائم على الحوار والتعاطف بعيدا عن أساليب التعنيف مع تعزيز شعور الأمان حتى لا يقع الطفل فريسة لآليات التخويف والترهيب التي يقوم عليها الابتزاز الرقمي". وتضيف: "منظومة التربية تبدأ من الأسرة تليها المدرسة ثم الدور الديني إلى جانب أهمية المحتوى الإعلامي الموجه للطفل, فالتعامل مع هذه القضايا يتطلب رؤية تكاملية دون إلقاء العبء على طرف واحد.. ومن هنا يبرز دور الفن كقوة ناعمة مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي, فالفن الراقي القادر على تقديم القضايا بشكل إنساني غير مباشر، بعيدا عن الوعظ, ينجح في لفت الانتباه إلى مخاطر قد تغيب عن كثير من الأسر, خاصة الفئات الأقل حظا في التعليم, مع العلم أن الدراما الواعية لا تحل محل الأسرة أو المدرسة, لكنها تفتح المجال للنقاش المجتمعي وتدعم بناء إدراك أعمق لطبيعة التحديات الرقمية التي تواجه الأطفال اليوم". "إن مواجهة مخاطر الألعاب الإلكترونية لا تتحقق بالمنع فقط بل ببناء بدائل ثقافية وتربوية جاذبة وبتضافر أدوار الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية مع دعم الفن الجيد الذي يحمل رسائل ضمنية إيجابية, فحماية الطفل في العصر الرقمي أصبحت مسؤولية مجتمعية شاملة لمواجهة عالم افتراضي شديد الجاذبية لكنه مليء بالمخاطر إذا ترك بلا وعي أو احتواء". "رحلة داخل روبلوكس" ماذا كان يرى أطفالنا قبل الحجب؟ قبل أن يصبح اسم "روبلوكس" على قمة الجدل في مصر ويتحول إلى قرار رسمي بالحجب, كان الملايين من الأطفال والمراهقين يغوصون يوميا في عالم افتراضي شاسع لا يشبه لعبة واحدة محددة بل منصة تضم ملايين الألعاب والعوالم التي يصممها مستخدمون آخرون. "Avatar" المنصة تسمح لكل لاعب بإنشاء شخصية والتفاعل مع آخرين عبر اللعب والدردشة, مما يجعلها بيئة جذب قوية للصغار, لكنها في الوقت نفسه تحمل تحديات حقيقية على المستوى الأمني والسلوكي. من داخل هذه العوالم الافتراضية, أظهرت تحقيقات دولية أن بعض التجارب داخل "روبلوكس" تتجاوز الترفيه البسيط إلى محتوى قد يصعب تفسيره للطفل, ففي بعض الألعاب تظهر محادثات نصية بلغة قد تكون غير مناسبة للأطفال, رغم وجود نظم فلترة تلقائية لمتابعة الرسائل, كما وثقت حالات تواصل غير آمن بين الأطفال وحسابات غير معروفة, إلى درجة اقتراح الانتقال إلى تطبيقات أخرى خارج المنصة للدردشة بشكل مباشر. أيضا وجود خرائط وألعاب لا علاقة لها بالترفيه البريء مما دعا للتساؤل عن كيفية مراقبتها فعليا داخل بيئة ضخمة مفتوحة لكل المستخدمين. اقرأ أيضا: a href="https://akhbarelyom.com/news/newdetails/4766453/1/%D8%AA%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B2%D8%A7%D9%87%D8%B1-%D9%88%D8%A3%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84-%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A9-%D9%88%D9%82%D9%84%D8%A8%D8%AA-%D8%A8%D8%AC%D8%AF-%D8%A8%D9%85" title="تكريم أحمد زاهر وأبطال "لعبة وقلبت بجد" بمهرجان حكاوي"تكريم أحمد زاهر وأبطال "لعبة وقلبت بجد" بمهرجان حكاوي