في مشهد سياسي يعيد صياغة خرائط القوة في الشرق الأوسط يطل دونالد ترامب في نسخته الرئاسية لعام 2026 بلهجة لا تقبل القسمة على اثنين واضعاً طهران أمام خيار تاريخي إما التخلي الكامل عن أذرعها الإقليمية حماس حزب الله والحوثيين أو مواجهة مصير وصفه ب الإبادة الكلية لبرامجها الحيوية لم تعد المسألة تتعلق فقط ب اتفاق نووي معيب كما كان يصفه سابقاً بل تحولت إلى استراتيجية بتر الأذرع كشرط وحيد لأي انفراجة اقتصادية أو سياسية. إن هذه التصريحات ليست مجرد وعود انتخابية أو شعارات عابرة بل هي جوهر عقيدة الضغط الأقصى 2.0 التي تهدف إلى تجريد إيران من نفوذها الجيوسياسي قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات وانعكاسات هذا التوجه على الشرق الأوسط بدأت تظهر بالفعل في حالة الترقب القلق التي تعيشها العواصم الإقليمية حيث يدرك الجميع أن تجفيف منابع الدعم المالي والعسكري ل محور المقاومة سيعني حتماً تغيير قواعد اللعبة في غزة ولبنان واليمن وربما انهيار توازنات قوى استمرت لعقود. لكن وبالرغم من ضجيج التهديدات ومطرقة منتصف الليل التي لوح بها ترامب تبرز الحقيقة العارية حول الحرب الأمريكية الشاملة على إيرانفواشنطن وفي عهد ترامب تحديداً لا يبدو أنها تملك الرغبة الحقيقية في خوض مغامرة عسكرية برية أو إسقاط النظام الإيراني بشكل كامل الحقيقة أن الحرب في المنظور الترامبي هي حرب اقتصادية تقنية بامتياز تكتفي بضربات جراحية للمنشآت الحساسة دون التورط في كابوس الغزو الشامل الذي استنزف الولاياتالمتحدة في العراق وأفغانستان ترامب التاجر الذي يتقن فن المقايضة يدرك أن تدمير إيران كلياً قد يفقد واشنطن واحدة من أهم أدوات سيطرتها في المنطقة وهنا تبرز نقطة الفزاعة التي طالما كانت حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الخليج. إن الإبقاء على إيران في حالة من الضعف المستدام قوية بما يكفي لتمثيل تهديد وضعيفة بما يكفي لعدم الحسم هو الهدف الاستراتيجي الأعمق فوجود إيران ك فزاعة دائمة لدول الخليج يضمن استمرار تدفق صفقات السلاح المليارية ويوفر الغطاء الشرعي للوجود العسكري الأمريكي الدائم في القواعد الإقليمية تحت مسمى الحماية من الخطر الإيراني إن تحويل طهران إلى دولة مسالمة تماماً أو القضاء عليها نهائياً سيعني ببساطة تضاؤل حاجة دول المنطقة للمظلة الأمنية الأمريكية وهو ما لا يتماشى مع فلسفة ترامب أمريكا أولاً التي تفضل استثمار الخوف وتحويله إلى عوائد سياسية ومالية وهكذا تظل المنطقة عالقة في حلقة مفرغة بين تصعيد لفظي يوهم بالحرب وواقع جيوسياسي يحرص على بقاء البعبع الإيراني حياً وإن كان منزوع الأنياب لضمان بقاء مفاتيح الأمن الإقليمي في يد البيت الأبيض .