وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مواجهة أخطر اختبار جيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط للإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، لينهى مسار التصعيد العسكري الذي امتد لمدة 12 يوما بينهما، متجنبًا اتساع رقعة الصراع الإقليمي. فلم تكن سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران قائمة على تغيير النظام بالقوة، بل على أساس الانفصال الاستراتيجي عن النظام وإعادة التواصل مع الشعب، وذلك دون نشر وحدات برية أمريكية، ودون ضغوط الدبلوماسية البيروقراطية؛ حيث أعلن ترامب تحقيق ما تم النظر إليه على أنه مستحيل، من خلال تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية وفرض وقف إطلاق النار بين تل أبيب وطهران، وهو الأمر لم يكن هذا ثمرة إجماع متعدد الأطراف، بل تم فرضه بالقوة بحزم وفق ما ما قاله ترامب. وما يجعل هذا الإجراء أكثر أهمية، يتمثل في تنوع الجهات الفاعلة التي اتحدت تحت الضغط، ووجد كل من البنتاجون ووزارة الخارجية نفسيهما يتفاعلان بوتيرة لم يتم تحديدها، كما أدرك رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن الطريق إلى الأمام قد رُسم بالفعل، وقبلت إسرائيل وقف إطلاق النار ليس لأنه كان مناسبًا، بل لأن التصعيد كان يُنذر بتفاقم الوضع وخروجه عن السيطرة. وترك إعلان ترامب عن اتفاق الهدنة عددا من التساؤلات الكبيرة، واكتفى الطرفان الإيراني والإسرائيلي بإعلان التزامهما طالما أحجم كل منهما على مهاجمة الثاني، ولم يكشف أي من الأطراف الثلاثة عن شروط الاتفاق أو بنوده، وحتى تغريدات ترامب الحماسية على وسائل التواصل الاجتماعي لم تشر إلا إلى وقف إطلاق النار الكامل والشامل، ولم تتحدث لا عن إحياء مفاوضات البرنامج النووي الإيراني ولا عن مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ولا عن موعد محتمل للقاءات مستقبلية، إلا أنه يمكن إرجاع أسباب هذا الإعلان إلى شعور إدارة الرئيس ترامب أن الوقت حان لوضع حد للتصعيد قبل أن تنجر المنطقة إلى صراع إقليمي أوسع نطاقًا. اتجاهات عديدة إن استمرارية أي اختراق في هذا الملف لا تعتمد على بدايته بل على مدى قدرة هذا التوجه على الصمود والتحكم في أطراف الصراع، وعلى الرغم من أن خطوة الرئيس ترامب أنهت بصورة مؤقتة المواجهة العسكرية، إلا أن ذلك دفع ببروز مجموعة من التساؤلات والمتعلقة بمسارات هذا الإجراء وما إذا كان وقف إطلاق النار يُشير إلى إعادة توازن إقليمي، أم أنه يُؤجل المواجهة التالية فحسب؟ ففي إسرائيل، لاقت النتيجة ترحيبًا، ولكن لم يُنظر إليها على أنها حل، لقد أكدت الحرب مجددًا ضرورة حماية استقلالية مؤسسات الأمن القومي الإسرائيلي، وخاصة الموساد، من الآثار المدمرة للاستقطاب السياسي الداخلي؛ حيث لعب اختراق الموساد الهادئ للبنية التحتية العسكرية الإيرانية دورًا حاسمًا في التأثير على مجريات العمليات العسكرية الإسرائيلية في الداخل الإيراني بالإضافة إلى دوره في مواجهة القوى التابعة لإيران في المنطقة، فلم يشكل الموساد المحرك الاستراتيجي الذي ساهم في وقف إطلاق النار فحسب، بل عطّل بشكل حاسم منظومة وكلاء طهران، وغيّرَ موازين القوى في الشرق الأوسط. على الجانب الآخر، لم يتم تدمير الحرس الثوري الإيراني، لكنه تعرض لانتكاسة واضحة؛ حيث حُيدت منشآته الرئيسية، وتعرضت شبكاته للخطر، وخسارة كوادره، وفي إطار إعادة بناء ذلك، يمكن أن تتجه طهران شرقًا إلى موسكو وبكين. لكن أيًا منهما لم يُقدِّم مساعدة غير مشروطة؛ حيث ستطالب روسيا بحقوق في القواعد العسكرية ووصول أعمق إلى البنية التحتية الإيرانية، كما ستسعى الصين للحصول على شروط تفضيلية في أسواق الطاقة وممرات العبور. سيعتمد بقاء الحرس الثوري الإيراني كقوة إقليمية الآن على تقديم تنازلات للرعاة الأجانب، وهو واقع يُضعف استقلاليته وموقعه الاستراتيجي. اتجاهات التعامل الأمريكي تنظر واشنطن إلى الخيارات الإيرانية باعتبارها مهددًا للاستراتيجية الأمريكية، ففي حال لم تتحرك واشنطن، سينمو النفوذ الروسي في إيران والقوقاز بلا رادع، كما سيترسخ نفوذ الصين في الموانئ وخطوط الأنابيب الإيرانية. وهو ما دفع الدبلوماسية الأمريكية إلى البحث عن التنسيق الإقليمي من الخليج إلى آسيا الوسطى؛ حيث يمكن للقيادة الأمريكية أن تخفف من وطأة هذا التغيير قبل أن يتفاقم. ومع ذلك، لا تزال عقيدة الحرب غير المتكافئة التي تنتهجها إيران قائمة، ولم يُسلّم وكلاؤها - حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والميليشيات في العراق- أسلحتهم. ولا تزال هذه الجهات الفاعلة، التي لم يمسها وقف إطلاق النار، بمثابة الذراع الأمامية لطهران. فهي تُتيح الإنكار والمرونة والتهديد المستمر. ولم يُغيّر وقف إطلاق النار الكثير في هذا الصدد؛ وقد يبدأ معها اندلاع الحرب القادمة. وفي ضوء ذلك، برزت مجموعة من التساؤلات في أوساط الرأي العام والمؤسسات الأمريكية والمتعلق بإمكانية القدرة على تغيير النظام في إيران، وإن كان كذلك، فما هي الشروط، ولعل السبب وراء ذلك يتمثل في أن الجمهورية الإسلامية أكثر هشاشة من أي وقت مضى فهي مُنهكة اقتصاديًة ومُشرذمة سياسيًا، وعلى الرغم من ذلك فإن التغيير لن يأتي من غارات جوية أو إطلاق الشعارات، بل يجب أن ينبع من الداخل. وهذا يعني دعم الإعلام المستقل والالتفاف على سيطرة النظام على الاتصالات، وبناء آليات اقتصادية طويلة الأمد تُمكّن المجتمع المدني من مواجهة النظام، وهذا الأمر وفق الرؤية الأمريكية ليس تغييرًا للنظام بالقوة، بل هو فك ارتباط استراتيجي بالنظام وإعادة تواصل مع الشعب الإيراني. على الجانب الآخر، فإن ما حققه الرئيس ترامب لا يمكن إنكاره استراتيجيًا، فقد أوقف صراعًا قبل أن ينتشر، وقبل أن تجرّه قوى خارجية، وقبل أن يصبح التصعيد الإقليمي حتميًا، وقد فعل ذلك دون احتلال، ودون استسلام، ودون جرّ أمريكا إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط. ومع ذلك، لا يُعلن السلام أبدًا، بل يُبنى ببرامج وتخطيط. وسواءٌ أكان وقف إطلاق النار هذا يُمثل توازنًا إقليميًا جديدًا أم مجرد استراحةٍ قصيرةٍ في عاصفةٍ مستمرة، فإن ذلك سيعتمد ليس فقط على إيران أو إسرائيل، بل على مدى استعداد الولاياتالمتحدة وحلفائها للقيادة برؤيةٍ وانضباطٍ واستعدادٍ لاغتنام الفرصة التي تُتيحها هذه اللحظة. صناعة السلام الإقليمي والاختبار الصعب في أعقاب الهجوم العسكري الإسرائيلي على طهران، أصدرت دول المنطقة إداناتٍ وحشدت جهودها لتمهيد الطريق لخفض التصعيد ووقف إطلاق النار المحتمل. وسعيًا للتوسط في الصراع أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتصالات هاتفية مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وترامب، كما أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالين هاتفيين منفصلين مع المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لتأكيد الدعوات المصرية لوقف إطلاق النار. بالإضافة إلى ذلك وخلال السنوات الأخيرة، سعت دول الخليج، إلى جانب قوى مؤثرة أخرى في الشرق الأوسط، إلى تعزيز مكانتها كقنوات للدبلوماسية وخفض التصعيد وحل النزاعات. ومن الأمثلة على هذه الاستراتيجية، محاولة قطر ومصر التوسط في الصراع بين إسرائيل وحماس، ودور تركيا والمملكة العربية السعودية في استضافة محادثات أوكرانياوروسيا. إلا أن النتائج كانت متباينة، إذ لم يتم التوصل إلى تسوية تفاوضية في أيٍّ من مسرحي الصراع. ولا يُعزى هذا إلى نقص البراعة الدبلوماسية أو الالتزام بالسلام من جانب المحكمين. فالصراعات، بمجرد أن تدخل في مسار تصعيدي، يصعب تغيير مسارها. وبالتالي، من الأفضل للإدارة الأمريكية أن تتعاون مع هذه الأطراف في إيجاد اتفاقًا تفاوضيًا يُلزم إيران بالوفاء بمعايير تخصيب أقل، ومراقبة دولية قابلة للتحقق، والتزامات بمنع الانتشار. وهذا من شأنه أن يُجرد إيران من قدرتها على الردع التي قد تُمكّنها من أن تصبح دولة نووية. وتحاول الولاياتالمتحدة إثبات أنها القوة الدولية الوحيدة القادرة على حسم الصراعات في الشرق الأوسط، وشريك أساسي في توجيهها بما يتفق مع سياساتها ويخدم مصالحها، وذلك مقارنةً بالدور المحدود لكل من روسياوالصين، ومن المُرجح أن واشنطن سوف تسعى لفرض وجهة نظرها على طهران في القضايا محل الخلاف مثل تخصيب اليورانيوم، ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الرقابة والتفتيش؛ وذلك مقابل حوافز مالية واقتصادية، بالإضافة إلى ذلك فإن استئناف المفاوضات لا يعني نهاية التوتر بل قد يكون تمهيدًا لمرحلة تفاوضية جديدة تندمج فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية، وسط استمرار الغموض في المواقف الأمريكية والإسرائيلية تجاه البرنامج النووي الإيراني.