محمد عبد النبى بعد العَصر بقليل تمشَّى حتَّى محطة مترو غمرة وقطع تذكرة وشعرَ بنفس الخوف وهو يمرُّ من الماكينة إلى داخل المحطة، ثم بنفس الخوف وهو يمرُّ من باب العَربة الأتوماتيكي. اليوم قراءة فاتحة دُعاء بنت أخته، وَلا بدَّ أن يركب المترو للأسف، وحتَّى آخِر الخط لينزل فى محطة المَرج سمعَ عن محطة جديدة أضيفت منذ فترة اسمها المرج الجديدة، أقرب إلى بيت أخته، لكنه يخاف التغيير المفاجئ وسوف ينزل فى المرج القديمة كما اعتاد من قبل. لم يرتح يومًا لركوب هذا المترو منذ افتتاحه، هو أصلًا يتجنب المواصلات العامَّة بقدر استطاعته، يفضِّل المشي لا يعرف مبررًا وجيهًا لخوفه من المترو، ولا لخوفه من أشياء أخرى كثيرة، سواء تسير على عجلات أو تدبّ على أقدام أو لا تتحرَّك بالمرة. حرصت أخته على تذكيره بالموعد مرتين، مرة منذ أسبوعين وهو عندها فى البيت ومرة منذ أسبوع على تليفون البنك تعرف أنه ينسى كثيرًا، أو ربما يتناسى. تقول له ضاحكة إنه ينسى ما يريد ويتذكَّر ما يريد، ولا يعرف إن كان هذا حقيقيًّا أم لا. الحقيقة أنَّ ذاكرة سلامة لا تعمل دائمًا بكامل كفاءتها، وهذا فقط لكثرة شروده، لكنه لا يظن أنه كثير النسيان مخُّه ليس دفترًا، وقد تأكَّد هذا للجميع منذ أيامه الأولى فى التعليم وحتى نهاية علاقته به مع انتهاء المرحلة الإعدادية ومع ذلك، فقد أخذ يستدعى الأعراض الغريبة ويرصُّها بعضَها بجانب البعض فى عقله، وهو جالس فى عربة المترو. قبلَ هذا الهاتف الغريب خلال استحمام الأسبوع، كان قد تعاملَ مع الأعراض بمهاراته المجرَّبة فى الإنكار والتغافُل والتطنيش. نومه المضطرب منذ نحو شهرين، وحساسية أنفه الحادة للروائح عمومًا والنفاذة منها خصوصًا، وغثيان صباحى فى بعض الأيام ارتبكت حياته بمشاعر وأحاسيس غريبة عليه، اختلطت جميعها فى عقله بحيث لم يعد قادرًا على فصل بعضها عن بعض آلام الظهر، الأرق بلا سبب والرغبة فى النعاس نهارًا أو حتَّى النوم فجأة وسط يوم العمل أو وهو جالس بين الناس، والصحيان للتبوُّل أكثر من مرة فى الليل إذا زاره النوم هذا غير انتفاح ثدييه كأنه امرأة، ووجعهما والبزابيز الغريبة التى طلعت فى الهالة السمراء حول الحلمتين. وجسمه كله هَمدان وحزين كأنه اختُطِف منه ولا يدرى مَن الذى اختطفه أو كيف ولماذا. هاجمه الغثيان والتقيؤ ذات مرَّة فى البنك منذ نحو ثلاثة أسابيع. كان يوم سبت وقد خلا المبنى الهائل لسلامة وزملائه فى قسم الصيانة والنظافة، حتَّى أفراد الأمن بجلال قدرهم ينكمشون فى أركانهم لا يتجاوزونها أمام الغبار والتراب والمقشات والمماسح وسوائل التنظيف وروائحها النفاذة. صارَ العملُ أهون الآن على سلامة، فقد أصبح أقدم مِن أن يمسح سلالم وأكبر سِنًّا مِن أن يصعد سُلَّمًا لتنظيف أى أتربة أو عناكب فى الأركان. كان يمر بريشة على سطح أحد المكاتب وأجهزة الكمبيوتر المربعة بشاشتها التى تشبه أنيسَه التليفزيون، عندما داهمته رائحة مزعجة لم يستطع أن يتبينها. وسرعان ما انفتح فمه على آخره، أمام تيارٍ لا رادَّ له من القيء لتندفع بقايا سندوتشات الإفطار ممضوغة لم تُهضَم بعد فى عصارة سميكة بلا لون محدد. تمكَّن خلال ثوانٍ من توجيه فمه نحو سلة قمامة قريبة فيها كيس بلاستيك وهكذا أنقذ المكتب والكمبيوتر من التلوث بقيئه وإلَّا لقضى بقية اليوم فى تنظيفهما وربما أفسدَ الكمبيوتر وراح فى ستين داهية. عامِل النظافة الشاب ثبت فى مكانه لا يدرى ماذا يفعل بالغَ سلامة فى إظهار أمارات الدوار والتوعك، متجاهلًا أنه بدا كالحصان قبل دقائق. غمغمَ بعبارات مفككة عن زجاج نافذة كسره العيال أولاد الحرام بالكُرة وعن هواء بارد دخل مِعدته وهو نائم، من غير أن يطلب الولد المسكين منه أى تبرير أو تفسير، ولا أظهر تقززًا حتَّى. عَرضَ على سلامة أن يكمل العمل بدلًا منه، تمنَّع قليلًا ثم استسلم وسحب الكيس البلاستيكى المحتوى على سائل قيئه وأخذه نحو دورات المياه، فعلى المذنب وحده يقع عبء تنظيف آثار ذنوبه. لكن ما طبيعة هذا الذنب بالضبط؟ فى اليوم نفسه، بعد العَمل، لجأ إلى صيدلية قريبة مِن البيت لم يجد الصيدلى المُسن الذى يطمئن إليه، بل فتاة بنظَّارة مُقعَّرة وحجاب ملون، وعلى شفتيها طلاء شفاه أحمر دموي بدت له صغيرة السِّن جدًّا، أصغر مِن أن تكون قد تخرجت من أى كُلية على الإطلاق، لا صيدَلَة ولا غيرها انتزعت البنت بصرها من فيلم أجنبى عرفه سلامة مِن أول لقطة اقتربت من النضد واكتفت بهز رأسها فى تساؤل نحو سلامة، دون أن تنطق بكلمة. تلعثم، رغم الكلام الذى حَضَّره وهو فى الطريق، وتكلم عن برد فى المعدة وانتفاخ منذ عدة أيام، وأيضًا عن ظهره الذى ينقح عليه قليلا بالليل. بانت الحيرة على وجه الفتاة وظلَّت صامتة فى صبر على أمل أن ينير لها سلامة سبيلًا وسط العتمة، ولما سكت سألته باختصار إن كان عليها أن تحضر له شيئًا للبرد أم للانتفاخ. كأنه ليس من حقه أن ينالَ الاثنين معًا، وكأنَّ الإنسان عليه أن يكون محددًا فى المرض الذى يريد أن يُشفى منه، فإمَّا هذا وإمَّا ذاك، وكأنَّها ستدفع له ثمن الأدوية من جيبها. ورغم كل شكوكه فى جدارة البنت الواقفة أمامه، بعينين بارزتين من وراء العدستين، تراجع سلامة قليلًا عن موقفه وآثر أن يعالج برد معدته أولًا لكيلا يتكرر موقف القيء أمام أحد من جديد. وبعد ذلك يلتفت لهذا الانتفاخ الغريب بالصبر وقلة الأكل. أكَّد لها اختياره وكأنه كان يشترى قميصًا جديدًا واحتار قليلًا بين الأزرق والبُنّي. ابتعدت البنت خطوتين ومدَّت يدها نحو أحد الأرفف. على شاشة التليفزيون رأى سلامة بطلة الفيلم بعد أن اكتشفت إصابتها بمرض خبيث، تمشى فى الشوارع مصدومة ضائعة، تتراءى لها صور أولادها الصغار. ما هذا الفأل السيِّئ فى صيدلية؟ آخر شيء يريد أن يراه الآن، جالَ ببصره على أرفف الشامبو والكولونيا وبودرة التلك، ثمَّ دفع ثمن شريط دواءٍ وأخذه وذهب. ارتاح يومين، أو ظنَّ أنه ارتاح، ثم عاودته الأعراض الغريبة، تظهر وتختفي، ولم يكن غثيان الصبح إلَّا واحدًا من مجموعة عفاريت مُسلَّطة عليه لتعذيبه. وتواصلَ العذابُ مجهول السبب حتَّى انشقَّ الظلام عن حُلمٍ وصوت. انكمشَ سلامة فى ركن من طَقم الكَنَب، متجمِّلًا بالصمت كعادته فى هذا النوع من المناسبات العائلية التى يُضطر إلى حضورها، ومُثبتًا عينيه على صورة للكعبة الشريفة وحولها الحُجَّاج منقوشة على سجَّادة قطيفة زرقاء كبيرة معلقة على الجدار المواجه له، أعلى جهاز التليفزيون المغلق الآن وقد أُسدلَ عليه مفرش أبيض مشغول بالورد فى حوافه وأركانه. لا يطيق التجمُّعات، عائلية أو غير عائلية. وما زادَ مِن بؤسِه حالته الجديدة التى أرهقت ذهنه فى محاولة اكتشاف أصلها وفصلها ربما كلُّ هذا بسبب أكله من الشارع، والرمرمة بتعبير أخته جازية. حاول أن يطبخ كثيرًا وفشل، وكان يُحبَط من النتيجة بعد مجهودٍ مفرط، ويُضطر لأكل ما يعدُّه استخسارًا لأنَّ وجَع البطن ولا دَلق الطبيخ. اليوم على الأقل لن يضايق معدته بطبخه أو أى أكل من الشارع. وعدته أخته بمحشى الكرنب الذى اشتهرت به أمُّهم، وباعته بالأصابع لسنوات، حتَّى صار اسمها خضرة بتاعة المحشي ضايقه العيال فى المدرسة بهذا اللقب أحيانًا، مِن بين طرق المضايقات الكثيرة الأخرى، ولم يفهم سلامة قَط لماذا يُفترَض به أن يخجل لأنَّ أمَّه تبيع المحشى اللذيذ وهؤلاء العيال أنفسهم يدفعون مصروف جيبهم كله لتعطيهم طورة كما تسمّيها مغلَّفة بإحدى صفحات كتب مدرسية قديمة. ورثت البنات الثلاث، بدرجاتٍ متفاوتة، عن أمهنَّ مهارة إعداد أصابع محشى الكرنب الصغيرة الرائعة التى تذوب فى الفم. لم يكن غريبًا أن يشمَّ سلامة تلك الرائحة فى شَقَّة أخته جازية، عندما رفعت غطاء الحلة لتطمئن على نضجه، فتصاعدَ منها عبيرٌ فوَّاح ومُغوٍ، بلغ مجلس الرجال بصالة الشقة الضيقة تناهَت إليه رائحة المحشى الحبيبة المألوفة التى تعيد إليه أمَّه حيَّة تُرزق كُلَّما شمَّها، لكنها كانت هذه المرة مختلفة، هاجمته مثل كابوسٍ خفيّ يأخذ بخناقه. هبَّ سلامة واقفًا فجأة مثل عفريت العلبة بلا سابق إنذار وأسرعت يداه إلى كتمان فمه، ونجدته قدماه ببضع خطوات حتى الحمَّام الشاغِر لحُسْن الحظ، وهناك أغلق الباب بكتفيه وظهره ثم انحنى إلى الأمام وصوَّب رأسه نحو الحوض الصغير متقيئًا سائلًا خفيفًا بلا لون، وهو يشعر بروحه تنسحِب منه مع مياه الصنبور نحو المجاري. فضيحة هذه هى إذًا الفضيحة التى عاشت أمُّه ريَّا طول عمرها تخافها وتدعو الله أن يحوشها عنهم لماذا خدعته البنت ذات النظارة فى الصيدلية؟ ما الذى يحدث له؟ لا بدَّ أن يذهب إلى مستشفى السيد جلال غدًا قبل كل شيء، ولكن كيف سيغيب عن العمل؟ هل يتصل ويأخذ إجازة عارضة؟ عمره ما عملها إلَّا للشديد القوي. أوليس هذا هو الشديد القوي؟ ما الذى يحدث له؟ ليتك لم تخرج اليوم من البيت يا سلامة، ليتك تحجَّجت لأختك بأيّ حجة، ليتك لم تولد حتَّى، ليتَ الأرض تنشق وتبلعك. غسل وجهه وجففه ثم خرج عليهم وهو يتوارى فى ثيابه. فى لحظة ضياع وتَشتت وخِزى اعترف لهم بكل شيء مُبتسمًا كأنه يمزح، كأنما ليختبر رد فِعلهم. قال للحاضرين ببساطة دون أن ينظر إليهم: - بقالى مُدَّة تَعبان ونِفْسى غَامَّة عليَّا كأنى حامل. المزاح ليس من بين مهارات سلامة القليلة، لكنه وعلى عكس المتوقَّع قال ما قاله ربما لأنه لم يجد وسيلة أخرى غير أن يقول الحقيقة ببساطة، ولو فى صيغة نكتة. وربما على أمل خفى أن يدرك ولو شخص واحد منهم أنَّ سلامة لا يمزح، وأنه صادق وأنه ضائع وأنه لا يدرى ماذا يفعل بنفسه وبجسمه وبذلك التحرُّك الغريب فى بطنه. ضحك الخاطبُ الشاب ضحكة قوية متوترة، فَوجدَ الآخرون فى ضحكه مبررًا للضحك والابتسام على سبيل المجاملة والدعم، لكنَّ أحدًا لم يعلِّق على الأمر بكلمة. سارعت أخت سلامة تدعوهم إلى تناول الطعام. لم يشأ سلامة أن يُفسِد عليهم لقمتهم ويقرفهم بغثيانه وقيئه. استأذن لينصرف ولم يتشبَّث به أحد إلَّا أخته من باب العيب، عرضت عليه أن تضع له بضعة أصابع محشى فى علبة كما تفعل أحيانًا. وجدَ نفسه يفكِّر، لكنه خجل من تردده أمام جميع هؤلاء الغرباء. سلَّم عليهم بسرعة واستدار ليخرج. على البَسطة أمامَ باب الشقة شجَّعته أخته جازية من جديد، بلا حماس وبحكم العادة لا أكثر، على استئناف البحث عن بنت الحلال، لأنَّ الأوان لم يفُت. كأنها لم تيأس مِنه بعد وكأنه لم يزل صالحًا للعَرض فى سوق الزواج. كَم ارتاحت نفسه بعد النطق بما يحسُّه، وكأنَّ العبء قد انزاح من فوق صدره، دفعة واحدة، بجملة واحدة. لم يكن الكلام صعبًا جدًّا كما تخيَّل. لكن مَع مَن يتكلَّم؟ وماذا يقول وهو لا يفهم شيئًا ممَّا يحدث رغم جوعه وحُزنه، راوده أملٌ ضعيف فى الإفلات قريبًا من هذا الحالة الطارئة.