بينما كان محللون كثيرون ينتظرون أن يحل محل نظام القطب الواحد دوليًا نظام متعدد الأقطاب أكثر عدلاً، فإن العالم بات يعانى من فوضى دولية تسهم فى تقويض النظام الدولى الحالى الذى تأسس بعد الحرب العالمية الثانية وتجعله بلا قواعد كما قال الرئيس الفرنسى ماكرون ڤى دافوس، وأيضاً كما اعترف بذلك الرئيس الأمريكى ترامب حينما لم يستبعد هدم النظام الدولى الحالى وقال للصحفيين الذين سألوه: ربما يحدث ذلك فعلاً!.. وإذا حدث ذلك فإن معناه أن تنشب نيران الفوضى فىى كل أرجاء عالمنا المعاصر وسيدفع الجميع، كبار الدول وصغارها، أفدح الأثمان!. ومن يتأمل ملياً عالمنا وأحداثه اليوم سوف ينتهى إلى هذا الاستنتاج الخطير.. فها هو سيد البيت الأبيض يتصرف وكأنه حاكم بأمره فى كل شئون العالم.. يقرر تشكيل مجلس للسلام العالمى يرأسه وليس للسلام فى غزة وحدها كما تقضى خطته التى أقرها مجلس الأمن فى قرار له، ويوجه ترامب الدعوة لقادة وزعماء العالم للمشاركة فى عضويته لثلاث سنوات مقابل اشتراك قدره مليار دولار، ومن يريد منهم تمديد عضويته. لأكثر من ثلاث سنوات يدفع أكثر،، وبعد أن يغادر البيت الأبيض بانتهاء فترة رئاسته سيختار ترامب من يخلفه فى رئاسته!.. أما من يرفض دعوته فإنه لا يسلم من غضبه وعقابه كما حدث مع الرئيس الفرنسى ماكرون الذى قال إنه لن يستمر فى حكم فرنسا!. وفى ذات الوقت ها هو ترامب يصر على امتلاك أمريكا جزيرة جرينلاند رغم رفض أوروبا كلها وليس الدنمارك وحدها ويؤكد أنه سيحصل عليها ولو اقتضى الأمر استخدام القوة، وعندما قادت فرنسا أوروبا للتصدى للرئيس الأمريكى استخدم سلاحه المفضل وهو التعريفة الجمركية لعقابها وضاعف منها على صادرات الخمور الفرنسية!. وقبلها قامت أمريكا بخطف مادورو، باقتحام قصره الرئاسى بعملية عسكرية وفرضت على رئيسة فنزويلا الجديدة أن تقدم لأمريكا خمسين مليون برميل من النفط وتنفيذ كل طلباته فى ثروتها النفطية.. أى أنه رغم التباهى بإطفاء نيران النزاعات العسكرية فى العالم ليؤكد أحقيته فى جائزة نوبل للسلام فإنه هو شخصيًا من أمر باستخدام السلاح لتحقيق مصالح أو بالأصح أطماع بلاده فى ثروات بلد آخر لا يملك ذات قوتها العسكرية.. وهو ذات الشيء الذى كان يجهز لتكراره فى إيران وأعلن تأجيله بناء على طلب نتانياهو كما فأل الإعلام الإسرائيلى حتى تجهز إسرائيل نفسها للرد الإيرانى الذى قد يطولها!. وهكذا صارت الفوضى هى السمة الأساسية لعالمنا اليوم.. وهى فى الغالب فوضى متعمدة وممنهجة ومقصودة لإضعاف الذين ينافسون أمريكا الآن وتعتبرهم يشكلون خطرًا عليها مستقبلًا مثل الصين اقتصاديًا وروسيا عسكريًا، وهذا ما تشى به تبريرات ترامب مثلًا لإصراره على امتلاك أمريكا جزيرة جرينلاند وعدم اكتراثه باعتراض حلفائه الأوروبيين حينما قال إنه يسعى للاستيلاء على هذه الحزيرة حتى لا تستولى عليها روسيا أو الصين!. وترتيبًا على ذلك فإن هذه الفوضى العالمية المخططة والمتعمدة تستهدف تغيير خارطة التحالفات القديمة التى شهدناها منذ تأسس نظام القطبين (الولاياتالمتحدة والاتحاد السوفيتى) والتى استمرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وتحول النظام الدولى إلى الأحادية القطبية التى منحت أمريكا السيطرة على العالم العقود الماضية.. وقبل ذلك فهى تستهدف تحويل العالم إلى غابة يستباح فيها علنًا الاستيلاء على أراضٍ وثروات الشعوب ولا يسمح لهم بمجرد الرفض أو الاعتراض ولو بالكلام. وهذا ما يمكن الآن رؤيته فى المدى المنظور. الممتد لثلاث سنوات قادمة هى فترة وجود ترامب فى البيت الأبيض، أما بعدها فقد تتغير أساليب فرض الهيمنة الأمريكية بتغيير ساكن البيت الأبيض ولكن سيبقى هدف الهيمنة قائمًا لا يتغير!.