صحيح هو العام الأول من ولاية ترامب الرئيس ال 47 فى ترتيب من حكموا الولاياتالمتحدة وهى الثانية له، والذى يمكن أن نصفه بأنه عام ترامب بامتياز، فتحولت العاصمة واشنطن والمكتب البيضاوى إلى قبلة للعالم، بما يكشف ملامح عصر جديد فى السياسة الأمريكية مختلفة وقد تكون استثنائية، سماتها أنها قد لا تخضع لنمط ثابت خارجه عن التوقعات لا تحركها تحالفات ثابتة، وقد نكون أمام نظام دولى وفقا لرؤية الرئيس الأمريكى ترامب، فإدارته موجودة فى كافة الملفات ومتفاعلة مع كل القضايا، من منطقة الشرق الأوسط التى غاب عنها الهدوء والاستقرار لسنوات وعقود، حتى روسيا والصين، مرورا بأوروبا وآخرها. إعلانه رغبة التوسط فى أزمة السد الإثيوبى، فى الأولى وجد ترامب نفسه أمام أحد وجوه الصراع العربى الإسرائيلى، خاصة بعد أكتوبر 2023، فسعى منذ اليوم الأول لدخوله مكتبه إلى إيجاد حل يتوافق مع رؤيته لهذا الملف، حيث نجح فى إتمام وقف لإطلاق النار، والتوصل إلى اتفاق سلام، بمراحل مختلفة، أعلن منذ يومين فقط دخوله الثانية رغم أنه الأولى. لم تلتزم بها تل أبيب بصورة واضحة، له رؤية واضحة وصريحة تجاه حلفائه فى حلف الناتو تقوم على أنها المشاركة فى التكاليف الخاصة بتوفير الحماية للقارة الأوروبية، خاصة بعد اندلاع الحرب الأوكرانية الروسية وسعيه إلى إيجاد حل لها، عام ترامب الأول كرس سياسة أمريكا أولا، أمريكا عظيمة تستخدم كافة أسلحتها الخارجية لتحقيق ذلك. وهذا الملف محاولة لرصد عام ترامب الأول، مع محاولة استقراء توقعات السنة التالية. اقرأ أيضًا | ترامب يعلن فرض رسوم جمركية بقيمة 10% على 8 دول بسبب جرينلاند بعد عامٍ كامل فى البيت الأبيض، لم يعد السؤال المطروح فى الشارع الأمريكى هو من يحكم أمريكا، بل كيف حكمها.. عام مضى محملًا بالوعود الصاخبة والقرارات المثيرة للجدل والانقسامات التى لم تهدأ. فى المقاهى، ووسائل النقل ووسائل التواصل الاجتماعى يتشكّل مزاج عام متقلب، تتداخل فيه مشاعر الرضا المحدود مع الإحباط العميق، ويعلو فيه صوت المواطن العادى الباحث عن إجابة بسيطة.. هل تغيّرت حياته فعلًا بعد عام من الرئاسة، حيث يسكن البيت «الأبيض» رجل متعصب لكل ماهو «أبيض» وكاره للألوان الأخرى وراغب فى طردها وهى التى كانت دائما سر تلك الولاياتالمتحدة.. بعيدًا عن الخطابات الرسمية والبيانات الحكومية، واستنادًا إلى استطلاعات الرأى بوصفها المرآة الأقرب لنبض الشارع. كيف يرى الأمريكيون أداء الرئيس ترامب..ما الذى يعتبرونه إنجازًا حقيقيًا وما الذى يصنّفونه إخفاقًا صارخًا؟ بين الأرقام والنسب تتكشف صورة مجتمع منقسم، يراقب سلطته بعين القلق ويقيّم عام الحكم الأول بحسابات الحياة اليومية لا بشعارات السياسة. كان فوز دونالد ترامب بالرئاسة فى انتخابات 2024 متوقعا إلى حد كبير بعد تأخر انسحاب بايدن الذى لم يعط لنائبته الفرصة كاملة فى منافسة ترامب، وتولّى الرئاسة للمرة الثانية، وسط وعود بإعادة توجيه السياسات الأمريكية نحو ما يسميه مؤيدوه «أولويات الشعب الأمريكى» قبل كل شىء. وكانت الفترة السابقة للرئاسة مليئة بالانقسامات الحادة فى المجتمع الأمريكى، وعلى رأسها القضايا المتعلقة بالاقتصاد والهجرة والرعاية الصحية وطرق التعامل مع الحكومة والبيروقراطية. ووفقًا لمراكز الدراسات المختلفة، فإن الرأى العام الأمريكى خلال هذه الفترة شهد انقساما شديدا..بين فريق يرى ترامب قائدًا قويًا يحقق وعوده، وآخر ينظر إليه باعتباره السبب فى عمق الخلاف والتوتر داخل المجتمع. هذا المشهد يعكس استمرار حالة الاستقطاب التى اتصفت بها السياسة الأمريكية فى العقد الأخير، حيث يصعب غالبًا قياس رضا عام موحّد بسبب الانقسامات الحزبية والفكرية. من بين أبرز الإنجازات التى يدافع عنها المؤيدون، تصريحات الإدارة بأنها خفّضت بعض تكاليف السلع وتقليل معدلات التضخم، واتخاذ إجراءات لتحفيز النمو الاقتصادى، بما فى ذلك سياسات ضريبية وحوافز للتجارة الداخلية وهو ما لاينعكس على الشارع الأمريكى الذى يشعر بارتفاع أسعار كل شىء. ومع ذلك صمم ترامب على آرائه وفى خطاب ألقاه قبل فترة راح يردد أبرز بعض هذه «الانتصارات الاقتصادية» من وجهة نظره ليطمئن الشعب الأمريكى بأن البلاد فى طريقها نحو ازدهار اقتصادى جديد. كما يروّج المناصرون أن الاقتصاد الأمريكى لا يزال قويًا نسبيًا مقارنة بالعقود السابقة مع مستوى بطالة منخفض نسبيًا بحسب بعض التقارير غير الرسمية التى ينشرها أنصار الإدارة. وعلى المستوى التشريعى حاولت الإدارة تمرير عدة مبادرات لإعادة هيكلة برامج اجتماعية، وتعزيز الأمن الداخلى، وسياسات صارمة بشأن الهجرة، وهو ما يراه المؤيدون تنفيذًا لوعد ترامب الانتخابى بتقليل تأثير الهجرة غير الشرعية واستعادة السيطرة على الحدود. ويشير البعض إلى أن السياسات الجديدة أسهمت فى بعض الجوانب الأمنية، سواء على الصعيد الداخلى أو فى التعامل مع التهديدات الخارجية، موضحين أن الإدارة حرصت على تقديم صورة قوية لأمريكا أمام العالم. ورغم ما يروّج له بعض مؤيدى ترامب، إلا أن عددًا من استطلاعات الرأى أظهرت تراجعًا كبيرًا فى رضا الأمريكيين عن أداء الإدارة بعد نحو عام من تولى ترامب السلطة حيث أظهر استطلاع أُجرى فى نوفمبر الماضى أن نسبة الرضا عن أداء الرئيس انخفضت إلى حوالى 33٪ فقط من البالغين الأمريكيين، وهى نسبة منخفضة مقارنة بفترات مشابهة فى السنوات السابقة، مع تراجع فى التأييد حتى بين بعض الجمهوريين أنفسهم. كما أظهر استطلاع آخر أن 63٪ من المواطنين رأوا أن أداء ترامب لم يرتق إلى مستوى التوقعات فيما يتعلق بالاقتصاد، وأنه لم يكن قادرًا على دعم الطبقة المتوسطة أو التعامل الفعال مع قضايا التضخم وتكاليف المعيشة. هذه البيانات تشير إلى استياء واسع نسبيًا بين قطاعات كبيرة من الأمريكيين من الأداء العام للإدارة، خاصة فى القضايا الاقتصادية والاجتماعية الحياتية اليومية. ورغم أن ترامب ما زال يتمتع بدعم بين قواعد الحزب الجمهورى، فقد أشارت بعض الاستطلاعات إلى انخفاض مستويات التأييد داخل القاعدة نفسها منذ بداية ولايته الثانية، وهى إشارات مهمة لأن أى زعيم سياسى يعتمد غالبًا على دعم قوى داخل حزبه كمرجعية أولى لشعبيته ونجاحه السياسى. ولأن الاقتصاد يظل فى صميم اهتمامات الأمريكيين ووفق الاستطلاعات، فإن أغلب المواطنين لا يشعرون بتحسن كبير فى القدرة الشرائية أو فى دعم الطبقة المتوسطة. وكذلك قضية الرعاية الصحية باعتبارها إحدى أهم القضايا التى أثارت الجدل، ومع أن الإدارة طرحت أفكارًا لإصلاحها، فإن رضا الأمريكيين عنها ظل منخفضًا وفق استطلاعات نوفمبر 2025. ورغم أن الانقسام العميق فى المجتمع الأمريكى ليس جديدًا، إلا أن فترة الرئاسة الحالية سجلت مستويات عالية من الاستقطاب السياسى. حيث نسبة كبيرة من الرأى العام لا ترى فى سياسات ترامب حلولاً تخدم المواطنين من كل الأطياف، بل تراها تعزيزًا للانقسامات القائمة مسبقًا.. وقد أظهرت استبيانات وتحليلات سابقة أن تقييمات الشعب للرؤساء تختلف باختلاف الخلفيات الاجتماعية والسياسية، وأن الرضا الشعبى يتأثر بالحالة الاقتصادية العامة، بالإضافة إلى الأجندات السياسية للحزب الحاكم والمعارضة. لكن ما يلاحظ فى حالة ترامب هو التراجع فى مقاييس الشعبية مقارنة بفترة سابقة من ولايته الأولى «2017 -2021» عندما كانت المؤشرات الاقتصادية تُعدّ من نقاط القوة فى عيون البعض، مقارنة بمحاولة الإدارة الحالية التعامل مع قضايا أعلى تعقيدًا مثل التضخم وتكاليف المعيشة، وقضايا الحكومة الداخلية. وبعد عام من حكمه، يبدو أن الرؤية الداخلية تجاه إدارة ترامب تتميز بانقسام حاد بين مؤيدين يرون فيه من ينفّذ وعوده، ومعارضين يرون أنه لم يقدّم حلولًا كافية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية اليومية. الاستطلاعات تشير بوضوح إلى تراجع نسبة الرضا العام عن الأداء، ويتضح أن الشارع الأمريكى خصوصًا فى الطبقة الوسطى والمستقلة يعبر عن استياء من التقدم البطىء فى تحسين مستوى المعيشة والخدمات الأساسية.. بينما يُواصل أنصار ترامب التأكيد على إنجازات فى بعض المجالات، فإن أغلب البيانات المُجمعة من استطلاعات الرأى تُظهر عدم رضا شعبى واسع نسبيًا، مما يعكس تحديًا كبيرًا أمام الإدارة فى كسب ثقة قطاعات أوسع من المجتمع.