تتفق أو تختلف معه.. يظل فاروق حسني الفنان والوزير الأسبق حاضرا فنيا وثقافيا على الساحة.. داخل أو خارج المنصب يظل هو الفنان وصاحب المسيرة الحافلة طوال عقدين من الزمن قضاها في منصبه وزيرا لثقافة مصر. يمكنني أن أصف تاريخ حسني بجملة واحدة - أرددها دوما- أنه صاحب مسيرة من الاشتباك الخلّاق بين الفن والسياسة الثقافية.. بين التجربة الفردية والمشروع العام.. ففاروق حسني لم يكن مجرد فنان تشكيلي ولا مجرد وزير ثقافة سابق بل كان حالة ثقافية وفنية مركبة.. وحالة إنسانية تركت أثرا عميقا في وجدان من يعرفه، وأنا واحد من هؤلاء الذين اقتربوا بحكم العمل الصحفي الثقافي من وزارة الثقافة في عهده ومن بعده، وشهدت نجاحات كثيرة لمشروعات أطلقها وتحمس لها فاروق حسني وما زالت مستمرة إلى الآن. خلال فترة توليه وزارة الثقافة سعى لإطلاق كثير من المشروعات وافتتاح مقار جديدة لقصور الثقافة والمسارح والمتاحف والمكتبات إضافة إلى عدة مهرجانات دولية أعادت القاهرة إلى قلب الخريطة الثقافية العالمية. يمكن القول أن الثقافة لدى فاروق حسني كانت فعلا تنمويا وأداة لصناعة الوعي لا ترفا نخبويا معزولا عن المجتمع.. فظهرات على سبيل المثال مراكز الإبداع الثقافية وصندوق التنمية الثقافية والتي ما زالت تشع إبداعا إلى الآن. من الإنصاف أن نؤمن جميعا أن تاريخ الأشخاص المؤثرين في مجتمعاتنا لا يمكن اختزاله في مواقف بعينها بل في مجمل الحياة الإبداعية والثقافية له، لذ فرغم الجدل الذي أحاط ببعض مواقف فاروق حسني فعلينا أن نعترف أن أثر الرجل لا يمكن اختزاله في لحظة خلاف، فقد راهن على كثير من المواهب والمبدعين وكسب الرهان بنجاحهم. كما راهن – بوصفه فنانا- على الفنون البصرية بوصفها لغة كونية قادرة على العبور خارج الحدود ففتح الأبواب أمام الفن التشكيلي المصري ليحاور العالم، لا بوصفه تابعا، بل شريكا في صياغة المشهد المعاصر. ويكفي أن تجربته الفنية الشخصية أصبحت علامة مميزة في تاريخ التشكيل العربي الحديث. تاريخ فاروق حسني يستحق متحفا.. كنا نقول هذه العبارة واليوم أصبحت واقعا بعد افتتاح متحفه.. وهو أمر له دلالات عميقة.. فهو تخليد لقيمة فاروق حسني وفنه وإقرار بأن الحفاظ على تجارب المبدعين ليست ترفا بل ركيزة لأي سياسة ثقافية. فالأمم التي لا تصون ذاكرتها الفنية وذاكرة مبدعيها تفقد قدرتها على إنتاج مبدعين في المستقبل. متحف فاروق حسني هو خلاصة رحلة طويلة مع الفن.. رحلة ترى في التشكيل فعل تأمل داخلي لا استعراضا بصريا. المتحف بما يضمه من أعماله ومقتنياته ومكتبته لا يقدم سيرة فنان فحسب بل يفتح مساحة للحوار بين الأجيال وبين المدارس الفنية. الحقيقة أن متحف فاروق حسني يكرس لفكرة سامية مفادها أن الثقافة مشروع مستمر.. وأن الفن حين يجد من يحميه ويؤمن به يتحول من تجربة فردية إلى ذاكرة وطن.. وهذا هو الدرس الأهم في تجربة فاروق حسني.. فنانًا ووزيرا.. وفاعلا رئيسيا في تاريخ الثقافة المصرية الحديثة.