ممدوح رزق «عندما تختلج شفتا الحكّاء / تتوقف بلحظة / فناجين القهوة فى طريقها للأفواه / كذا الأرض عن الدوران / والنحل عن الطنين! / عليه أن يتركها تذوب فى فمه أولًا: قصدتُ الحكاية!». فى تلك الاختلاجة تنفض الحكاية يقينها، تفضح مزقها، تتحوّل إلى شاهد إرجاء، ومن ثمّ لا يبقى فى الفم سوى مذاق غياب لما لا يُدرَك أصل له هكذا تفعل قصائد أحمد سعيد فى مجموعته الشعرية «كلب بخط وحيد تظنه الأمل» الصادرة عن سلسلة الإبداع الشعرى بالهيئة المصرية للكتاب؛ ثمة لحظة تتجمّد قبل فعل القول، شيء مستتر يتراجع، يتناثر، يتلاشى فى صمت التهيؤ للبوح، فيصبح القول استدراكًا متعذرًا لخلاص تم تأجيله. «كانت له ابتسامة جميلة / تفضح بإنصاف / أسنانًا كبيرة بيضاء / وكان للحقيقة / يبتسم دائمًا / يبتسم للكل / بلا طائل / ودون تفرقة / تكرارًا ومرارًا / حتى عندما أخبرته اليوم / أمه: / هل تُخفى هذه الابتسامة شيئًا؟ / ابتسم أيضًا: / أنسى كثيرًا / وأخاف أن أترك الابتسامة / فى مكان ما / أعود فلا أتذكره / فيمتلئ وجهى / حينئذ / بالحزن / على ما فقدت». الابتسامة فى قصيدة «خط أول»؛ كلمة مخذولة استباقيًا، شكّلها المحو من قبل أن يُنطق بها، التذكر / إعادة الكتابة ليس انتباهًا متأخرًا لذلك الفقدان المضمر فحسب، وإنما اكتشافًا للغفلة الذاتية عن تلك الابتسامة أيضًا، عن كونها شيئًا لا يقبل التحديد، وبالتالى لا يمكن امتلاكه، مجرد فكرة عن سراب يدّعى التمثل ويتحصن ضده. هذا الانتباه هو ما يمنح الابتسامة جوهرًا مضادًا لمعناها المستبعد، يجعلها إيماءة شاحبة إلى الحياة التى لم تحدث، الكمال الغيبى الغامض الذى جُرِّدت منه الذات قبل أن تكون ذلك الكائن الزائل الذى «يمتلئ وجهه بالحزن على ما فقد». «وعليها الآن / أن تحزم كل أمتعتها / وتلحق بى / إذا ما حالفها الحظ / وبأقدام خفيفة فى المطارات / تخبرنى أنها تحبنى جدًا / ومحض سوء تفاهم / لا أكثر / هذا الذى حدث بيننا / لم أعد صغيرًا بعد / لتتركنى هكذا.. / كما كانت دائمًا تفعل: / ذاهبة للطبيب ليعطيها حقنة. / هذه الحياة.. / ما عرفتها غير مريضة!». تعيد قصيدة «خط أطباء» التأكيد على تلك الحياة التى لم تحدث، الحياة التى جرى استبدالها بحياة «مريضة» حيث يُعرّف بالضرورة كل ما "ينتمي" إلى الذات بالصفة نفسها. الحياة التى كلما تصنّعت يقينًا كلما أمعنت فى تلغيز مرضها، أى فى حمايته من أن يكون نقيضًا لما تحتم أن يكونه المرض الذى يجعل كل محاولة للنجاة أشبه بشفرة لا يفهمها سوى الموت. "فى الآونة الأخيرة / أصيب باستجماتيزم من نوع عجيب / فحين اشتعلت رؤوس الصحف / بقمل إعلان الحرب / قرأها «إعلان الحب» / ولما تحدثت فى إلحاح / عن الحاجة الماسّة إلى العسكر / حسبها «السكر»: / قلّبه جيدًا فى فنجان الصباح / كضرورة مع الجريدة. / وكان إذا أذاع الراديو بيانات / عن أم المعارك / لم يرها سوى «أم كلثوم»: / بالتأكيد هو موعدنا الغرامى / الأول من كل شهر / أعرف تمامًا / صوت هذا المذيع الحربى / الذى يمتلئ بالدبابات. / ذات مرة: واجهه الناس بحقيقة ما يحدث / عاد إلى الصفحة الأولى / فالتقطها ثانية / قرأ سطرين كاملين دفعة واحدة / ثم تغطّى بها ونام. / مبتسمًا.. / كمانشيت بالأحمرالعريض". كأن مزق الحكاية هو من يتكلم فى قصيدة «استجماتيزم»، وليس «هو» الغائب، المحكى عنه مزق الحكاية يروى سيرة مختصرة لمن يعيش على وهم رتقها، الذى هو «نحن». لمن «يستبصر» مع كل محاولة للالتئام أن «الحرب» ما زالت شيئًا يمكن «رؤيته»، غير قابل للإزاحة، يحاصر صوت «أم كلثوم» ويخترقه ممتدًا نحو المدى المعتم الذى يحجب سر «العمى». كأن كل «ابتسامة نوم» لا تشير إلى «ما يحدث» فقط، وإنما إلى «الحدوث المعاكس» الذى ظل مرجئًا أيضًا. "الطبيب الذى أخبرها بضرورة الإجهاض خوفًا على صحتها من خطورة مثل هذا حمل .. لم يفهم أن حقيقة الجنين هى قصيدة: / وأنها منذ أغلقت عينيها على ذلك المشهد الذى تتجمّع عليه العصافير.. / وكل الأشعات التى ستُجرى لها / من الآن فلاحقًا / ستُظهِر بكل وضوح شجرة». قد يبدو أن أحمد سعيد فى قصيدة «أشعة» وهذا مثال يفكر مجازيًا: الجنين قصيدة والأشعات ستُظهِر شجرة، لكننى أتخيّله يفكر بشكل واقعى تمامًا. ثمة نكزة وجدانية فى القصائد تحرّض على الانشغال بتلك الواقعية، والتى تخط مثل هذه الكلمات الأشبه فى مجموعها ب «صورة الحكمة» فى قصيدة «حبل سُري»: «لن تفهم أبدًا.. / أن كل ما يربطك بالواقع هو فقط حذاء / وأنك بمجرد أن تُلقى به بعيدًا / ومن وقتها.. / لن تتخلّى عنك الحكايات!». كل كائن هو قصيدة تُكتب دون علم بذلك، وأحيانًا يبدأ الوعى مبكرًا بها، وفى أحيان أخرى يكون الانتباه على «شجرة الباطن» مباغتًا بالرغم من مساره التدريجي، المشيّد بتراكم من «الكلمات المخذولة». الواقعى فى الأمر هو «التخلى عن الحذاء» الذى قد يكون شرطًا لمعرفة القصيدة. أن تسير حافيًا كأنك تسترد أصالة ما لكينونتك خارج الأقنعة. أى شيء فى الحكايات لن يتخلى عنك؟.. إنه ما غاب عنها تحديدًا، ما تحاول كل حكاية أن تكون تعويضًا له، ما لا يمكن البوح به. «صاحبنا ذلك الذى دشّن / الألعاب الخطرة / فى مدن الملاهي: / كان رجلًا جدُّ قدير. / لأنه كان يدرك جيدًا: / أن ثمة من هم فى حاجة إليها؛ / ليصرخوا: / صرخة كبيرة.. / صرخة هائلة، / فى حجم هذا العالم. / ليس من الخوف فحسب، / لكن الغضب / عادة ما أفعل ذلك: / أذهب إلى هنالك، / أفتح فمي.. / وأنتظر». تفصح قصيدة "خط تكراري" المقصود بالواقعية فى هذه المجموعة: «الغضب». الكائن / القصيدة صرخة فعلية، مكتومة. الهيمنة الكونية «المعطّلة» لشجرة الباطن. ما ينبغى أن يركله الحذاء المخلوع من قدم الحكّاء مقابل «الابتسامة المطلقة» التى حُرم منها. «ربما لو تمكنت من أن أجمع / الخطوط كلها: / أبي، أمي، أخويّ، الصّحبَ، / وفتيات تعرفننى جيدًا، / وأخريات لا أعرفهن حتى.. / هكذا.. وأقول لهم / فى كادر واحد / «أحبكم جميعًا!» / لاسترحت / بديلًا عن قصائد كثيرة / أنتظر أن يقرأها أحدهم. / أنا المُتنَزه العتيق / الذى تصدر أراجيحه صهيلًا / كعجوز / يئن صدره تحت وطأة الشوق: / يا حظك العسِر / لن تنامى اليوم / يا شجرة». قال الشاعر «أحبكم جميعًا» لكنه لم يقلها. لأنه مررها فى قصيدة، وهذا يعنى أن الحب المقصود لا يمكن التلويح به إلا من خلال قصيدة. أن القصيدة مأزق وجودي؛ يطارد كاتبها سوء فهم دامغ؛ فالعاطفة التى يُشهرها تبدو معادية ل «الحب»، وهى أكثر ولاءً لأولئك الذين يريد الشاعر جمعهم فى كادر واحد من كل ما تحيل إليه الكلمة. "الحب" هنا مسألة غير رومانسية على الإطلاق، ذلك لأنه قائم على الحدس بما يختبئ وراء بداهة العاطفة، يقوده الشوق لإنقاذ الجميع من أكاذيب التماسك. الشاعر لا يصدّق حضورًا، ولا يريد أكثر من أن يخبر الجميع بذلك. لا يوعد بمصارحة منقذة، ولا باستعادة ضائع، ولا ينسج عشمًا فى ما احتجب عن ألمه. لا أنكر هذا الشعور ب «البراءة» فى قصائد أحمد سعيد، ولا حتى التصوّر الكلاسيكى ل «الشاعر الحالم» الذى قد تتركه هذه القصائد فى وعى قارئها؛ لكن عن أى «براءة» نتحدث؟ .. لنتذكر الغضب، وهذا يكفي. الغضب يجعلك ترى ما هو كابوسى فى أى حلم ولو رغمًا عنك. يمكنك أن تجاهد للحفاظ على ابتسامتك «البريئة»، أن تتذكر أثرها، لكن الغضب، مهما كان طفوليًا أو بالأخص، هو انتهاك المسالمة الظاهرية لتلك الابتسامة، سيبقى وعيدًا لذلك الظلام الحالك، غير المبرر، الذى يقبض على جذورها. الغضب نكاية الخيال التى تحوم حول كل ما قُدِّر ألا يتطهر من نقصانه.