يكتبها اليوم : د. عادل ضرغام السيولة تؤسس إطارًا شبه مقنع لكل ضئيل أو محدود القيمة، ومساحة للتطلّع والتسلّق، بما يكتسبه من ألاعيب وأساليب لتشويه الآخرين . يستحق وزير الثقافة أحمد هنو الشكر والتقدير، ويستحق فريق العمل الذى قام بتنظيم حفل التكريم الإشادة للجهد المبذول، لقد كان الحفل الذى أقيم فى الثامن من يناير 2026 رائعًا ومبهرًا ولائقًا باسم مصر العظيمة. فتكريم الدولة لأى مثقف يستحق دوره الإشادة والتبجيل شىء جميل، لأن التكريم الذى يأتى من دولتك لا يضاهيه تكريم آخر من أية دولة أخرى. لكن المتأمل للكيفية التى تمّ بها اختيار بعض المكرمين يدرك أنها لا تخضع لمنطق أو لمعيار ثابت، مما يضع الكثير من علامات الاستفهام على منطق الاختيار، بل يشير إلى فرضية الاحتماء بالمجموع، لصناعة هالة قد تكون غير حقيقية. اختيار المكرّمين- بعيدًا عن الحاصلين عن الجوائز، فهم أساس الحفل- كان يجب أن يخضع لمنطق، وغياب المنطق ربما يشير إلى حضور الارتجال وغياب التخطيط، وربما يشير إلى أن المسئولين عن التخطيط لهذا الأمر تركوه للموظفين الصغار، وهذا يولّد المصالح الصغيرة. فتكريم الحاصلين على الجوائز- من داخل مصر أو خارجها- شىء جميل وسعى جيد لعملية تسويق منجز الثقافة المصرية، شريطة أن يكون هناك اطراد فى منظور الاختيار، وألا يكون المبرّر خاضعًا للنسبية التى يستوى فيها الجميع أو المتشابهون فى الأثر. إن كلّ المختارين للتكريم- بعيدًا عن الفائزين بالجوائز، سواء كانت مصرية أو عربية أو عالمية، أو تكريم الذين اختارهم الله إلى جواره- يحتاج اختيارهم إلى تبرير أو تفسير مقنعين، لأن اختيار هؤلاء فقط لا ينفى أن هناك مثقفين مساوين لهم فى القيمة، يستحقون التكريم ذاته. ما نبحث عنه هو اطراد المنظور وأساس الاختيار، حتى لا يكون قائمًا على اجتهاد أو شبهة المعرفة أو الصداقة والانحياز. وهناك أمر آخر لا يقلّ أهمية عما سبق، يجب أن نلتفت إليه، يتمثل فى اختيار الشعار (صنّاع الهوية)، وهو اختيار لا يخلو من تهافت، وأشعر بأن من اقترحه أو وضعه ليس لديه وعى كبير بدلالة الهوية. الهوية فى التحليل المقبول تنبع من الروح التى لا تموت، وتظل فى حال تشكّل دائم بمرور العصور والأزمنة، لكنها لا تفقد أسسها الصلبة. صانع الهوية من يؤثر فى هذه الروح، ويضيف لحركتها مساحة لم تكن موجودة سابقًا. وكل المكرمين- باستثناء عمر خيرت وإن كان أثره فى شريحة جزئية- لا يرتبط منجزهم بهذا الشعار. فصانعو الروح أو الهوية يعدّلون فى المزاج العام للشعب، وهؤلاء قليلون، مثل أم كلثوم، ومحفوظ، وجاهين والأبنودي، وقبل هؤلاء جميعًا سيد درويش. فهذا الاختيار - اختيار الشعار- يفقد المصطلح نصاعته، ويجعل الهوية شائهة ومحدودة القيمة، لأنه دال يشير إلى مدلول غير متحقق. المثقف حين يخاطب كائنات غائبة لقد أثرت الثورة فى العقدين الأخيرين فى إحداث حالة من حالات السيولة لدى المصريين، وهى حالة لا تستطيع تصوّر مداها تصوّرًا تامًا فى كل مجالات الحياة، لكنها تأخذ إطارًا لافتًا وواضحًا، وربما أكثر أثرًا فى جانب المثقفين، وبشكل أكثر خصوصية داخل المثقفين الانتهازيين. فهؤلاء المثقفون- إن صحّت تسميتهم بهذا الاسم- سابحون فى الهواء غير ثابتين، فهم فى معرض دائم للانضمام إلى سياق أو جانب بحثًا عن مصلحة أو اقترابًا من سلطة. إن أبشع صورة من صور المثقف تتمثل فى المثقف الانتهازى الذى يملك قدرة على التحوّل، ويستطيع بما كوّنه من قدرة ثعلبية الوصول لأهدافه، ويستطيع أن ينتقل بين التناقضات أو الاتجاهات المتقابلة، لأنه جاهز دائمًا للنيل من الآخر، بالإضافة إلى تكوين ذاتى لا يخلو من الحنجلة والتسلّق من شجرة إلى شجرة، ومن فرع إلى آخر، فيكتسب بالتعوّد والمدى الزمنى الطويل الكثير من صفات القرود. واحد من المشهود لهم بهذه الصفات- وهو ذو منصب كبير بالجامعة- كان حاضرًا فى إحدى الندوات، وبعد انتهاء كلام المشاركين، طلب المداخلة. جاءت مداخلته بعيدة عن موضوع الندوة، فقد شكّلت خطابًا ليس موجّهًا إلى المشاركين، ولا إلى الحضور، وإنما هو موجه إلى غائب متخيل، يتوهّم دائما أنه يرافقه وينصت إليه، بل ويسجّل عليه كل ما يقول أو يفعل. إن هذا النوع من المثقفين- وهم يشكلون شريحة لا تستحق هذا الوصف- يبدو شديد الخطر لسببين: الأول منهما يتمثل فى تغييب دور أو فاعلية المثقف، لصالح انتهازية المصلحة، أو لمحدودية القيمة المرجوة أو الهدف المنتظر، فى ارتباطها بهموم وتطلعات ذاتية ضيّقة. أما الأخير فيتمثل خطره فى استمرار واستفحال حالة السيولة التى تحدثنا عنها سابقًا، لأن السيولة تؤسس إطارًا شبه مقنع لكل ضئيل أو محدود القيمة، ومساحة للتطلّع والتسلّق، بما يكتسبه من ألاعيب وأساليب لتشويه الآخرين. فى ظلّ هذا الفهم لتلك الحالة وتداعياتها الكبرى، نجد أن كلّ محدود المعرفة أو القيمة- وإن كان فى منصب أو يجلس على مقعد يتسم بالاتساع يتجلّى ذلك فى احمرار عينيه الكاشف عن العناء فى الحفاظ على المقعد- لديه هذا الخوف المرضى من الخطاب الحرّ، ويأتى خطابه الناتئ- دفعا للخطأ- بعيدا عن الموضوع أو المطلوب كاشفا عن حالة من حالات السخرية المملوءة بالمرارة التى تفقد معها الثقافة أية دلالة أو أى معنى إيجابي. فالثقافة مع هذا النوع من المثقفين الحواة تفقد أسسها ومنطلقاتها المثالية فى تمثّلها للحرية، وفى بحثها عن الخير والجمال، وتحضر الضآلة بسلوكها المتسلّق المشين. عبدالحميد حمودة: نسّاج فى صمت أعلنت يوم الأربعاء الموافق 7 يناير 2026 أمانة جائزة الملك فيصل العالمية فوز الأستاذ الدكتور عبدالحميد حمودة بالجائزة- فرع الدراسات الإسلامية لعام 2026 عن موضوع طرق التجارة فى العالم الإسلامي. وقد أعادنى هذا الفوز- فضلا عن السعادة الكبرى التى شعرت بها- إلى استعادة اللحظات الأولى لمعرفتى بهذا الرجل، فتذكرت أول لقاء بيننا فى مبنى استراحة أعضاء هيئة التدريس بجامعة الفيوم حى المشتل فى بداية التسعينيات من القرن الماضي، وكان مدرسا مساعدا بقسم التاريخ كلية الآداب، ولا أزال فى بداية حياتى الجامعية معيدًا بقسم الدراسات الأدبية كلية دار العلوم. أدركت بعد فترة التعارف أننى أمام شخص مختلف خلقًا وعلمًا، فقد ظهر ليّن الجانب مسالمًا إلى أبعد الحدود، لديه نزوع لا يفترّ إلى المعرفة، ورغبة هادئة فى البحث والتقصى، مع جلد وصبر، وقدرة على مناوشة الأفكار السائدة فى مجاله العلمي، فهو لا يسلّم قياده لأية فكرة إلا بعد دراسة وتمحيص ونقاش ونقد موسّعين. وقد أوجدت كل هذه الصفات أرضية حية للاشتغال، وللتحليل والاستنباط فى مجال تخصصه البحثى وتخصصه فى مجال التاريخ، وهو مجال منفتح حتمًا على مجمل العلوم العربية على تنوّعها وتعددها، وتعدد أساليب ومناهج البحث فيها. وتميّز عبدالحميد حمودة العلمى ومنجزه الفائق، لا يمثل المدخل الوحيد لمقاربة حالته الوجودية، أو معاينة أثره، فهناك مداخل أخرى لا تقلّ أهمية عن الجانب العلمى الذى أثمر حصوله على جوائز عديدة، منها الحب الذى يشعر به الجميع تجاهه، وذلك لتواضعه الجمّ، ومنها أيضا قدرته الفائقة فى الجانب الإداري، فقد كان وكيلًا للكلية وعميدًا لها فى فترتين متتاليتين، أوجد فيها الكثير من الأقسام التى لم تكن موجودة. وفى هذه المساحة الإدارية الكاشفة عن تكوين خاص، تأتى قدرته الإدارية واضحة وملهمة فى تجميع كلّ أطياف المختلفين والمتناقضين. يمثل عبدالحميد حمودة الأستاذ بكلية الآداب جامعة الفيوم فى عمله العلمى ومثابرته الممتدة، الوجه الرائق لأستاذ الجامعة الذى بدأت ملامحه تختفى وتذوب من حياتنا بالتدريج، وحين تنظر إلى هذه الملامح المثالية تشعر بأنك تنظر فى مرآة مغبّشة بالتراب. فى أعماله العلمية يطلّ أشبه بالنسّاج الذى لا يشغله مرور الزمن عن هدف الوصول إلى الجودة المرجوة، أو أشبه بالنحلة التى لا تكفّ عن العمل لتقديم العسل المصفّى إلى كثيرين من الطلاب والزملاء الآخرين.