السمة المهمة التى تميّز بين مثقف وآخر هى الاشتباك مع الحياة بكل قضاياها . فى الفترة من 24-28 نوفمبر 2024 أقيمت فعاليات مؤتمر أدباء مصر 36، بعنوان (أدب الانتصار والأمن الثقافى- خمسون عاما من العبور) بمحافظة المنيا، برعاية د. أحمد هنو وزير الثقافة واللواء عماد كدوانى محافظ المنيا، ورئاسة الفنّان أحمد نوّار، وتنفيذ محمد عبدالحافظ ناصف ومسعود شومان وعبده الزرّاع ووليد فؤاد، وأمانة ياسر خليل، وجميعهم يستحقون الشكر على نجاح هذه الدورة بشكل لافت، وإن كان الأمر فى مجمله -أى المؤتمر بشكل عام- يحتاج إلى إعادة نظر فى لائحته التنفيذية، وعدد المشاركين من أندية الأدب، وآلية اختيارهم. وفى الطريق إلى المنيا تذكرت أن للمدن روحًا ورائحة، وأن هذه الروح أو تلك الرائحة يشكلها أبناؤها ونجومها المنتسبون إليها، ودار بذهنى سؤال: هل ينسب طه حسين إلى المنيا، أم تنسب المنيا إلى طه حسين؟ فبعض الأبناء حين يكبرون ويشبّون عن الطوق يتحولون إلى أيقونات موازية ومساوية للمكان بكل تراثه وقيمته، وكأن هؤلاء فى خروجهم إلى المركز الثقافى يكتسبون قيمة فكرية وعلمية مضافة، تحرّر الفرد من ارتباطه المحدود، وتعطيه براحا ناميا داخل المتخيل الذهنى، ويكتسب المكان الذى ينتمون إليه جزءا من هذه القيمة، فالعلاقة بين المكان والإنسان علاقة أخذ وعطاء، فكلاهما يفيض على الآخر جزءا من قيمته وبريقه وبهائه. طه حسين وبراح الأغانى إنَّ معرفتنا بالشخص لا تتمّ فقط من خلال قراءة أعماله، لكنها تتم على فترات متباعدة، وحسب طبيعة الوسيط، وحسب الوعى الشخصى للذات، فمعرفتى ب «طه حسين» ظلّت لفترة طويلة أسيرة تمثيلات مسلسل الأيام، ولا أخفى اعترافى بأننى طوال الطريق إلى المنيا، ظلّت مشاهد من هذا المسلسل حاضرة أمام عيني، وأن هناك أغنيات كثيرة ظل وجيبها وأثرها حاضرين، بل وفى المنعطفات الحادة من حياتي، ربما كنت أمارس من خلالها نوعًا من الاستقواء. فالأغانى فى هذا المسلسل شاهدة على رحلة نجاح، وذات تستطيع الانتصار على كل المجابهات والأزمات المعوّقة، وبعد انتصارها تتخلص من كل الأعراض والآثار الجانبية لتلك الرحلة بصعوباتها، فالوصول إلى النجاح بالرغم من الصعوبات والتراتب الذى لا نملك له دفعا أو قدرة على تغييره مهم، ولكن الأكثر أهمية ألا تترك فينا هذه الرحلة ندوبا، فالوصول للنجاح لدى طه حسين ليس نجاة فردية، أو انتصارا وحيدا لشخص مهموم بذاته، يجعله -كما جعل كثيرين- يسدّون الأبواب فى وجه طامحين آخرين، يؤيد ذلك دعوته الأساسية أو هدفه الأسمى الذى عمل على تحقيقه على مراحل، فى جعل التعليم حقّا مجانيا مشروعا للجميع، ويتجلى - أيضا - فى وقوفه بجوار تلاميذ شعر أن بهم ميزة، وأنهم فى حاجة إلى دعمه وحدبه. الاشتباك مع الحياة السمة المهمة التى تميّز بين مثقف وآخر هى الاشتباك مع الحياة بكل قضاياها، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم ثقافية، وهذه سمة جليلة من سمات طه حسين، فوجود الإنسان يتعدد ويتكاثر، وتتشابك إطارات صوره وفاعليته طبقا للقضايا التى اشتبك معها مؤيدا موافقا أو معارضا مفنّدا، وقد ظلّ فى كل حالاته رائدا لا يكذب أهله. طه حسين جزء من زمنه وسياقه، ولكنّ أفكاره بها نوع من التجريد، حيث تستمرّ نافعة وحاضرة لفترة طويلة، لأن منجزه مشدود إلى رؤية كلية، وإلى أسس كبرى فى المقاربة النقدية، وفى طبيعة النظرة للأمور. أفكار طه حسين لها جانب يناسب سياقه الزمني، ولها جانب آخر، تتفلّت فيه من محدوديتها الزمنية، بأن تظلّ داخل نطاق الاستدعاء والحضور فى كل اللحظات الزمنية التالية التى تناقش فيها مفاهيم محددة، فما زلنا نتحدث عن كتبه أو منهجه أو مواقفه التى لم تفعل شيئا سوى أنها ألقت حجرا فى الماء الآسن، فحركته فى شكل دوائر، وأعادت تقليبه، وجعلتنا -حتى بعد مرور سنوات طويلة- نتذكره ونسير على وقع خطاه. مواقف طه حسين فعل تأسيس للقادم، مثل موقفه مع المسئولين السياسيين والوزراء حين كان عميدا لكلية الآداب، فهذا الموقف يمثل طريقا تمّ تعبيدها لاستقلال الجامعة فى كلّ ما تتخذه من قرارات. رؤية مختلفة ومنهجية مغايرة يتميز منجز طه حسين برؤية مغايرة، والمغايرة فى الرؤية لا تتأتى لمجرد الاختلاف، وإنما لأن هناك بُعدا أكثر عمقا وغورا، يستطيع ببصيرته أن يراه، فمقاربة طه حسين للأمور مغايرة لمقاربة الآخرين، ومنهجيته - أيضا- تشكلت فى إطار مختلف، فهى لا تسدل قداسة على أحد، فكل شيء داخل هذه المنهجية يمكن إعادة النظر إليه، ومنهجه لا يبحث عن جزئيات الاتساق والتجاوب، فهو فى كل ما كتب لا يبحث عن الإثبات، بل عن جزئيات النفى والتفكيك، فهو لا يكوّم للمستقر حُججًا جديدة، تزيد من درجة استقراره، بل يبحث عن خطأ يقارب به على نحو مغاير هذا المستقر، فكل شيء مهما كانت درجة صحته وصلابته يمكن النفاذ إليه من مدخل ما، مدخل يجعله يتجلى أمام العيان على نحو أكثر وضوحا وجلاء، بدلا من تركه على أسسه التى لا تستقيم. وسوف أتوقف عند رواية يتداولها المثقفون، سمعتها للمرة الأولى من الشاعر الكبير عبدالمنعم رمضان، فقد أقام أحمد شوقى وطه حسين ومحمد عبدالوهاب بفندق ببيروت، تعوَّد المثقفون المصريون على النزول به صيفا. وقد اتفق مدير الفندق مع عبدالوهاب على إقامة حفل غنائى له، وقبل الحفل بيومين وصله خبر وفاة والده بالقاهرة، فاتخذ قرارا -بعد مشاورته مع شوقى- بإلغاء الحفل نظرا لحالته النفسية، وتمت إعادة مبالغ التذاكر إلى أصحابها. لكن طه حسين استدعاه، وسأله: كيف حالك يا محمد؟ فقصّ عليه عبدالوهاب الحكاية. فقال له طه حسين: لماذا تلغى الحفل يا محمد؟ أليس الفن وسيلتنا فى التعبير عن حالنا فى الفرح والحزن؟ وبسبب ذلك تمّ الإعلان عن إقامة الحفل مرة أخرى. ليبرالية دائمة فى الطريق إلى المنيا، إلى العميد، ظل سؤال يؤرقني، وأعتقد أنه سؤال جوهرى مؤرق لكثيرين، لماذا ليس لدينا طه حسين آخر يشابهه أو يقاربه فى عصره أو فى عصور تالية؟ والسؤال يمكن طرحه بشكل آخر: لماذا ظلّ طه حسين متفرّدا؟ وأعتقد أن الإجابة تتمثل فى كون طه حسين ظلّ وفيًّا لمنهجيته حتى وهو يكتب فى موضوعات مثل (على هامش السيرة)، أو (الفتنة الكبرى)، منهجيته العلمية الناقدة التى تتعامل مع كل هؤلاء على أنهم بشر، يرتبطون بنزوعات البشر، وطبائعهم، وأخلاقهم. وسبب آخر يتمثل فى كون طه حسين -وربما ينضم إليه نجيب محفوظ- المثقف المصرى الوحيد الذى ظل فى كل منجزه دون أن تظهر عليه أية بادرة كاشفة عن ردّة ما عن مشروع الليبرالية، أو بادرة كاشفة عن فقد الإيمان بها. الردّة هنا ردّة فكرية وليست دينية. ففى الإجابة عن أسئلة الحياة الوجودية الملحّة، هناك دروب كثيرة للسير فيها والتدثّر بها، منها ما هو فكرى عقلاني، ومنها ما هو ديني، ومنها ما هو معرفى عرفاني، فالإنسان بحاجة دائما إلى سياق فكرى عقلانى أو دينى أو عرفانى يهدهد حيرته، وقد ظلَّ طه حسين محتميا بخياره الفكرى العقلاني، وظل رصيفه التالى نجيب محفوظ محتميا بسيرة المفكّر المتصوف، ففى مشروع طه حسين ثمة انتصار دائم لليبرالية العقل والفكر، حيث باتت السبيل الأولى للوصول المنهجى إلى اليقين أو شبهة اليقين فى كل منجزات مشروعه وشواهده ومواقفه.