منذ اندلعت نيران الحرب، وتحول قطاع غزة إلى مسرح مأساوى للدمار والخراب، كانت مصر - بجغرافيتها المجاورة وعمقها التاريخي في قلب القضية الفلسطينية - خط الدفاع الأول عن الإنسانية، على الطرق الترابية المؤدية إلى معبر رفح، وفوق الرصيف الذى يشهد دخول وخروج شاحنات القوافل الإغاثية، يقف المصريون صامدين، يحملون فوق عاتقهم الواجب الأخلاقي العربي والإنساني لتخفيف معاناة ملايين البشر الذين فقدوا كل شيء. لقد خطت القاهرة خطوة بعد أخرى في مواجهة الجحيم الذي تعيشه غزة من قوافل مساعدات إغاثية، ومبادرات دبلوماسية لوقف الحرب، لاستقبال الجرحى، ودعم الأممالمتحدة والمنظمات الإنسانية، وصولًا للتحرك السياسى إعلاميًا ودوليًا داعية لحماية المدنيين وضمان إيصال المساعدات دون عوائق. ووسط أوضاع إنسانية بالغة القسوة يواجهها نازحو قطاع غزة المدمر، أعرب وزراء خارجية مصر، والسعودية، والإمارات، وقطر، والأردن، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، عن بالغ قلقهم إزاء تدهور الوضع الإنسانى فى القطاع، الذى تفاقم بفعل الظروف الجوية القاسية والشديدة وغير المستقرة، بما فى ذلك الأمطار الغزيرة والعواصف، بالتزامن مع استمرار انعدام وصول المساعدات الإنسانية الكافية، والنقص الحاد فى الإمدادات الأساسية، وبطء وتيرة إدخال المواد الأساسية اللازمة لتوفير الخدمات الأساسية، وإنشاء مساكن مؤقتة. ◄ اقرأ أيضًا | مساعدات إنسانية وملابس شتوية من الهلال الأحمر المصري لأهالي غزة ◄ إنسانية عالمية وفي مشهد "إنسانى - عالمى" جديد احتضنه معبر رفح من الجانب المصرى، حضرت النجمة العالمية والمبعوثة الخاصة للأمم المتحدة لشئون اللاجئين سابقًا، أنجلينا جولى، للاطلاع على الأوضاع الإنسانية وجهود إدخال المساعدات لغزة، وقالت جولى إن ما يحدث فى غزة ليس مجرد أزمة سياسية بل مأساة إنسانية تمس ملايين الأرواح، داعية المجتمع الدولى لتحرك عاجل لوقف معاناة المدنيين وضمان تدفق المساعدات دون عراقيل، مشيرة إلى أن استمرار الأزمة يهدد بانهيار تام للنظام الصحى وبتفاقم أوضاع اللاجئين والنازحين، فى وقت يعانى فيه آلاف الأطفال من سوء التغذية ونقص الرعاية. البيان الصادر عن وزراء خارجية مصر وعدد من الدول العربية والإسلامية يهدف بالأساس إلى إبقاء الأوضاع الإنسانية الكارثية بغزة حاضرة فى الوعى الدولى، فى ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية نتيجة انخفاض درجات الحرارة وسقوط الأمطار الغزيرة، إلى جانب تعنت الاحتلال الإسرائيلى فى إدخال المساعدات الإنسانية اللازمة، وفقًا لخبير الشئون الدولية طارق البرديسى، والذى يشير إلى أن أحد الأهداف الجوهرية للبيان يتمثل فى ممارسة ضغط دولى متواصل على إسرائيل للسماح بدخول المساعدات الإنسانية بشكل كامل ودون عوائق، مشددًا على أن البيان يمثل أيضًا دعمًا سياسيًا وإقليميًا واضحًا لمنظمات الأممالمتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة بغزة والضفة الغربية، مشددًا على أن إسرائيل أقرت خلال الفترة الماضية قوانين وإجراءات استهدفت تقييد عمل هذه المنظمات وتعطيله، من خلال فرض شروط تسجيل معقدة والتضييق على أنشطتها، وهو ما يجعل هذا الدعم الإقليمى والدولى ضروريًا فى ظل حجم الكارثة الإنسانية القائمة. ◄ جهود حاسمة الجهود المصرية كانت حاسمة فى تخفيف حدة المعاناة، لكنها تبقى جزءًا من صورة أكبر، فإذا لم يتحرك المجتمع الدولى بشكل موحد لوقف العنف وإعادة الإعمار، ستظل الأزمة تتفاقم مهما عظمت المساعدات، حسبما يرى الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، مشددًا على أن الدور المصرى يجب أن يتكامل مع ضغوط دبلوماسية ضخمة لوقف القتال، وتوسيع مداخل المساعدات تحت إشراف الأممالمتحدة دون قيود، وهو ما طالبت به مصر وغيرها من الدول أكثر من مرة، لافتًا إلى أن الاستجابة الإنسانية العالمية لم تتناسب مع حجم الكارثة حتى الآن، ولابد من إعادة النظر فى آليات تمويل وإيصال المساعدات، وحماية العاملين فى المجال الإنسانى من المخاطر، مضيفًا أن إسرائيل تواصل خروقاتها المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار بغزة، وهذه التصرفات تعد جزءًا من سلوكها المعتاد فهى تسعى لتنفيذ مخططها العسكرى بشكل تدريجى، مستغلة فترات الهدنة المؤقتة للتمهيد لتنفيذ أهدافها السياسية والعسكرية، موضحًا أن تل أبيب تسعى لتجفيف منابع المساعدات الإنسانية الموجهة لغزة، مما يزيد من معاناة السكان وسط ظروف إنسانية صعبة بالشتاء، مشيرًا إلى أن تصريحات الرئيس ترامب التى طالب فيها بتغيير السياسات الإسرائيلية بغزة والضفة لن تترجم على الأرض فى ظل تعنت إسرائيل، التى تستمر فى تنفيذ سياساتها العسكرية، بينما تواصل الأطراف الدولية محاولات الوصول لتسوية سلمية دون وجود إرادة حقيقية من إسرائيل لتنفيذ ذلك. الزيارة الإنسانية التى قامت بها النجمة أنجلينا جولى لمستشفى العريش بشمال سيناء، تمثل رسالة قوية للمجتمع الدولى، وتعكس حجم الكارثة الإنسانية التى يعانى منها المدنيون بغزة، خصوصًا المصابين الذين نقلوا للعلاج بمستشفيات مصر هربًا من ويلات الحرب ونقص الرعاية الطبية داخل القطاع. وحسبما يشير المهندس أحمد صبور عضو مجلس الشيوخ، فإن لقاء أنجلينا المصابين الفلسطينيين، وحرصها على الاستماع لشهاداتهم الإنسانية، يسلط الضوء على المعاناة الحقيقية التى يعيشها أهالى غزة، فى ظل العدوان المستمر، وتدهور الأوضاع الصحية، والنقص الحاد فى المستلزمات الطبية والأدوية، مؤكدًا أن هذه المشاهد تعكس فشل المجتمع الدولى فى توفير الحماية والرعاية اللازمة للمدنيين الأبرياء، منوهًا بإشادة النجمة العالمية بالجهود التى يبذلها الطاقم الطبى بمستشفى العريش بما يعكس حجم الدور الإنسانى الذى تؤديه مصر، سواء باستقبال المصابين أو توفير الرعاية الصحية لهم داخل المستشفيات المصرية، رغم الضغوط الكبيرة والتحديات المتزايدة الناتجة عن تدفق أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين، مشددًا على أن مصر لم تدخر جهدًا فى تقديم الدعم الطبى والإنسانى، رغم الظروف الإقليمية المعقدة، مؤكدًا أن زيارة شخصية دولية بحجم أنجلينا جولى، تمثل فرصة مهمة لإعادة تسليط الضوء عالميًا على خطورة الأوضاع الإنسانية بغزة، لاسيما مع استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات الطبية والإنسانية، وهو ما يضاعف من معاناة المدنيين. ◄ حلول سياسية لولا مصر، لكان مصير آلاف المدنيين في غزة أكثر بؤسًا، لكن التضامن يجب أن يتعدى حدود القوافل، إلى حماية المدنيين وتقديم حلول سياسية توقف دورة العنف المتواصلة، هذا ما يؤكده الدكتور أيمن محسب وكيل لجنة الشئون العربية بمجلس النواب. وعن إطلاق الهلال الأحمر المصرى لقوافل "زاد العزة.. من مصر إلى غزة" قال محسب إنها تعكس التزامًا وطنيًا وأخلاقيًا راسخًا تجاه دعم الشعب الفلسطينى فى محنته الإنسانية غير المسبوقة، مؤكدًا أن هذه القوافل الإنسانية التى تنطلق بشكل منتظم، وتحمل آلاف الأطنان من الغذاء والدواء والوقود والمستلزمات الطبية والإغاثية، تمثل شريان حياة حقيقيا لأهل غزة، وتؤكد أن مصر لم تتخل يومًا عن دورها التاريخى والإنسانى، رغم التحديات الإقليمية والضغوط السياسية والأمنية التى تفرضها قوات الاحتلال.