قولاً واحداً، أسباب أزمة اليمن متعددة، ولكنْ الأبرز فيها مكونان، جماعة الحوثى فى الشمال، والمجلس الانتقالى فى الجنوب، الأهداف واحدة، مشروعهما مشترك، الاستيلاء على الحكومة بعد التقسيم، وإن اختلفت الوسائل. الأول: جماعة الحوثى، التى استهدفت إعادة صياغة اليمن على أسس طائفية، دخلت فى مواجهات عسكرية مع الحكومة اليمنية عبر ست جولات، بدأت فى يونيو 2004، وانتهت فى فبراير2010، وانحاز إلى ثورة الشباب فى العام التالى ضد الرئيس على عبدالله صالح لمصالحه، واستثمر فى الأزمة التى مرت بها البلاد خلال عام كامل، حتى تنازل عن الرئاسة فى فبراير2012، وتمدد فى ظل حالة عدم الاستقرار التى عاشتها البلاد، حتى قام بالاستيلاء على السلطة، وأسقط العاصمة صنعاء في21 سبتمبر2014، وحاول شرعنة هذا الانقلاب، بإصدار إعلان دستورى فى فبراير من العام التالي، والذى تضمن تشكيل مجلس رئاسى من خمسة أعضاء، كلهم من قيادات الجماعة، وآخر وطنى للإشراف على تنظيم مرحلة انتقالية، حددتها اللجنة بعامين، ويتولى حكم جزء من شمال البلاد من العاصمة صنعاء. الثانى: المجلس الانتقالى الجنوبى، الذى يسعى إلى يمن ما قبل مايو 1990، واستعادة دولة اليمن الجنوبى، ويمثل القبول به من قبل الحكومة الشرعية كارثة حقيقية، بعد الإعلان عن تأسيسية عام 2017، من بعض الشخصيات والحركات السياسية اليمنية، والذى تحول سريعاً إلى اللاعب الأبرز فى الجنوب، وترأسه عيدروس الزبيدى وكان محافظاً لمدينة عدن، وقام الرئيس السابق عبدربه منصور هادى بعزله، ورفض القرار، وكانت كل خطواته واضحة نحو التقسيم والعودة إلى التشطير، فى غياب إرادة سياسية وقدرة تنفيذية على مواجهتها من قبل الشرعية، بل سمحت له بتشكيل ميلشيات خاصة به، وتضم قوات المقاومة الوطنية، وقوات العمالقة، والأحزمة الأمنية والنخبة الحضرمية والنخبة الشبواني، ولم ينفذ الزبيدى وعوده والتزاماته العلنية فى الثامن من يناير عام 2021، بدمج قواته مستقبلاً ضمن وزارتى الدفاع والداخلية، زاعماً بأن غالبية أولوية المجلس الانتقالى، صدرت بها قرارات جمهورية، بل بدأت قواته فى الثامن من أغسطس 2022، مواجهات عسكرية مع الجيش اليمني، إثر نزاع حول صلاحيات تأمين مدينة عدن، العاصمة المؤقتة ومقر الحكومة، وحاولت فرض سيطرتها على كل مدن ومحافظات الجنوب. وجاءت العمليات العسكرية الأخيرة للمجلس التى أطلق عليها اسم (المستقبل الواعد)، التى بدأت فى أول ديسمبر الماضى، نتيجة طبيعية لكل ما سبق، بتحريك قواته وفرض سيطرته العسكرية على كل محافظات الجنوب، فى إعادة رسم خريطة جديدة للصراع، خاصة محافظات المهرة وحضرموت، والتى تمثلان نحو نصف مساحة اليمن، وترتبطان بحدود مع السعودية، وكانت العملية استثمار لحالة عدم الاستقرار فى المنطقة، ولأن الأمور خرجت عن السيطرة وتجاوزت كل الحدود، وتحولت إلى خطر على الأمن القومى السعودي، فكان تدخل الرياض بالتحذير أولاً، ثم اللجوء إلى القوة العسكرية عبر قوات التحالف العربي، بالهجوم على تجمعات الانتقالي، واستنفار قوات درع الوطن التابعة للمجلس الرئاسي، والتى تم تشكيلها بمرسوم فى يناير2023، حيث بدأت عملية (استعادة المعسكرات)، ونجحت بسرعة ملحوظة فى إعادة سيطرتها على مناطق كانت بحوزة المجلس الانتقالي، فى محافظات جنوبية مختلفة، وكذلك فى محافظات الشرق، حضرموت والمهرة، وكذلك شبوه، مما دفعه إلى إعلان الاستسلام يوم السبت الماضي، ليحاول تحقيق ما فشل فيه بالحرب. وكانت خطوة الإعلان الدستورى من قبل عيدروس الزبيدى، دعوة صريحة لإعلان انفصال الشمال عن الجنوب، فى تحرك أحادي، رغم أنه طرف مشارك فى السلطة، مما يفتح الباب أمام إشكالات قانونية وسياسية، حول جدواها وإمكانية تطبيقها، والذى مثل إعلاناً مقنعاً لحكومة موازية وترتيباً لفترة انتقالية، هدفها تفكيك الدولة وتقسيمها، وادعى أن إجراءاته جاءت استناداً على التفويض الشعبى، والمسئولية الوطنية، وتضمن مرحلة انتقالية لمدة عامين، وحواراً تحت إشراف دولى بين الأطراف المعنية جنوباً، حول مسار وآليات تضمن حق شعب الجنوب، وفق الإطار الزمنى المحدد، يصاحبها إجراء استفتاء شعبي، ينظم ممارسة حق تقرير المصير لشعب الجنوب، عبر آليات سلمية وشفافة، ومتسقة مع القواعد والممارسات الدولية، مما لاقى ردود فعل جنوبية، رافضة لاحتكار القضية الجنوبية، وقصرها على المجلس الانتقالي، وكان هذا واضحاً فى بيان أصدره تحالف جنوبى واسع، برئاسة عبدالله العليمى عضو مجلس القيادة، ووقع عليه، ورئيسا الحكومة ومجلس النواب، وقادة ورموز جنوبية، رافضة للإعلان ومضمونه. وبدأت التحركات تأخذ منحنى جديداً، فى إطار تحرك سريع ومنسق، حيث تقدم رئيس مجلس القيادة رشاد محمد العليمي، بطلب رسمى إلى السعودية، لاستضافة مؤتمر جنوبى شامل فى الرياض، والتى رحبت بالطلب، وبدأت فى الإعداد له، والبحث فى ضمانات نجاحه، ولعل ذلك كان فى مقدمة الموضوعات التى بحثها وزير الدفاع السعودى خالد بن سلمان، مع نائب رئيس المجلس الانتقالى عبدالرحمن المحرمي، وكذلك العميد طارق صالح، الذى رحب بدعوة المملكة لمؤتمر الحوار، وهو ما يعتبر رسالة طمأنة من ناحية، ومحاولة محاصرة المتشددين داخل الانتقالي. وبعد، فعلى السعودية أن تستمر فى دورها التاريخى، كجزء من حماية أمنها القومى، بالحفاظ على اليمن الموحد، توسيع دائرة البحث فى مؤتمر الرياض، وعدم قصره على المسألة الجنوبية، بل العودة من جديد لنتائج الحوار الوطنى الشامل، واتفاق السلم والشراكة، والذى بدأ فى مارس2013، استمر عدة أشهر، واختتم أعماله فى 25 يناير من عام 2014، وعالج كافة القضايا الملحة على اليمن، وتوافق على تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، أربعة فى الشمال، واثنان فى الجنوب، فى إطار دولة اتحادية.