الدولة التى تذهب لا تعود، وتبدو الخريطة العربية لوحة تتكسر ببطء، بسبب معاناة بعض الدول من مخاطر التقسيم دون القدرة على وقف النزيف، وأخطر ما يحدث ليس فقط الحروب ولكن ضياع الهوية الوطنية، وتنامى النزعات الانفصالية. خطر الانقسام يزداد فى الصومال، وافتضحت المؤامرة بعد إعلان إسرائيل الغادر الاعتراف ب «أرض الصومال»، ككيان كان يسعى للاعتراف الدولى منذ التسعينات، وتمكن من الحصول على دعم عسكرى خارجي، يعمّق الشرخ بين أبناء الوطن الواحد، ويحوّل الجغرافيا إلى قواعد ومصالح، وتتحول القضية إلى أوراق ضغط إقليمية ودولية، تضرب وحدة وسلامة الدولة الصومالية. وفى اليمن تتجسّد المأساة عندما تتنازع سلطات متعددة فى وطن واحد، وكل جهة ترى نفسها الأحق بالحكم، ومدعومة من قوى خارجية لها أجندتها، الحوثى والمجلس القيادى والمجلس الانتقالى، وصراعات تتغذى على السلاح والمال، بينما يدفع الشعب الثمن، جوعًا ومرضًا وضياعًا، والخطر الأكبر أن فكرة «الانفصال» تُطرح علنًا وكأنها حلّ لكل الأزمات. والسودان بدوره شاهد آخر على شرارة اشتعلت ويصعب إطفاؤها، بلدٌ كان يومًا واحدًا، صار شمالًا وجنوبًا، ثم دخل الشمال فى حرب بين جيش وميليشيا موازية، وكل طرف يتحدث بلغة الدولة الخاصة به، وتُستنزف الموارد وتُستباح الأراضى وتُزرع الكراهية، وتضعف الدولة خلف دخان البنادق. أما ليبيا فالقصة معروفة، حكومتان ومشهد سياسى يفتقد الثقة والمرجعية الجامعة لكل أبناء الشعب الليبى، ويستنزف النزاع ثروات هائلة كان يمكن أن تكون مصدرا للخير. سوريا هدأت قليلا ولكن تتعدد الجبهات والولاءات، وصارت الخريطة الداخلية خليطًا من مناطق نفوذ، لكل منها داعموها، وكلما طال الصراع، ترسّخت الحقائق على الأرض، وتراجعت فكرة الدولة الواحدة. العامل الأخطر فى كل هذه النماذج هو تحويل الانقسامات إلى مشاريع تدعمها قوى خارجية تمويلا وتسليحا، مقابل نفوذ وقواعد ومكاسب، وحين تُختطف القضايا الوطنية من أصحابها، تتحول الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات، وتفقد الدولة هيبتها، ثم شرعيتها، ثم وجودها ذاته. وتتشدد مصر فى الدعوة إلى الحفاظ على أراضى الدول واستقلالها، إدراكا لخطورة التفتيت والانقسامات، وانطلاقا من مفهوم راسخ للأمن القومى العربى، لأن انهيار الدول لا يقف عند حدودها، بسبب قيام كيانات تفتقد روح الدولة الجامعة، والإحساس بالمصير المشترك. والمؤلم أن ما يجرى لا يحدث فقط بالقوة والسلاح، بل باستدعاء العصبيات القديمة، قبيلة ضد قبيلة وطائفة ضد طائفة ومنطقة ضد أخرى، ويُستبدل مفهوم المواطنة بروابط ضيقة، ويصبح الولاء للنزعة الانفصالية وليس للوطن الأكبر، ويُختطف الحاضر ويضيع المستقبل. ورغم شعورى بالحزن فالكتابة عنها ليست للتشاؤم.. الدولة مشروع إرادة وليست جغرافيا فقط، إذا لم يتم الدفاع عن فكرة الدولة العادلة الجامعة، سنصحو يومًا على خرائط ممزقة وكيانات هشة، وعندها سنكتشف متأخرين أن الدولة التى تذهب لا تعود .