فى ملف لا يقبل القسمة على اثنين، تتقاطع فيه مقتضيات «الأمن القومى» مع سلامة كل مواطن على أرض مصر، فتحت «الأخبار» أبوابها لنقاش استراتيجى من الطراز الرفيع، مستضيفة د. على الغمراوى، رئيس هيئة الدواء المصرية، فى ندوة موسعة بمقر الجريدة جاءت فى توقيت فارق يمثل «عنق زجاجة» عبرته الدولة المصرية بنجاح من اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية إلى مرحلة الاستقرار والوفرة. اللقاء لم يكن مجرد حوار صحفى عابر، بل كان «كشف حساب» وطنيًا لمسيرة هيئة ولدت عملاقة لتكون «حصن الأمان» لصحة المصريين. فى حضرة «الأخبار»، وضع د. الغمراوى النقاط على الحروف، متسلحًا بلغة الأرقام والحقائق الدامغة لدحض شائعات استهدفت التشكيك فى جودة المنتج الوطنى، ومعلنًا للعالم انضمام مصر رسميًا ل«نادى الكبار» بحصولها على أرفع الاعتمادات الدولية من منظمة الصحة العالمية، وهو ما يعد شهادة ميلاد عالمية جديدة للدواء المصرى. فى أجواء اتسمت بالشفافية المطلقة، والجرأة فى طرح الأسئلة الشائكة حول «نواقص الأدوية»، و»فوارق الفاعلية المزعومة»، و«مستقبل الصناعة»، دار هذا الحوار ليكشف كيف تحولت الهيئة من مجرد جهة رقابية إلى حائط صد منيع يحمى السوق، ويضمن للمريض المصرى دواءً آمنًا، فعالاً، وبمعايير لا تقل عن نظيرتها فى واشنطن أو بروكسل.. وإليكم تفاصيل ما دار فى «ندوة المصارحة»: اقرأ أيضًا | د. السعيد: ملف الدواء جماهيرى يرتبط مباشرة بالمواطن فى بداية الندوة رحب الكاتب الصحفى د. أسامة السعيد، رئيس تحرير جريدة الأخبار، بالدكتور على الغمراوى، رئيس هيئة الدواء المصرية، مؤكدًا أن ملف الدواء من أعقد الملفات، فهو مرتبط بشكل مباشر بالمواطن المصرى فى المقام الأول، كما أنه ملف جماهيرى، ملىء بكثير من الأسئلة. وأضاف «السعيد» أن رئيس هيئة الدواء د. على الغمراوى شخصية وطنية ومهنية مرموقة، يدير ملفًا من أعقد الملفات مرتبطًا بالمواطن المصرى فى المقام الأول. من جانبه قال الكاتب الصحفى إسلام عفيفى رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم إنه لا يوجد مواطن مصرى لا يسأل عن الدواء وأسعاره، مشيرًا إلى الهواجس التى تشغل المصريين فى ظل موجة كبيرة جدًا من الشائعات التى تستهدف المجالات الحيوية ومنها قطاع الدواء وهذه الشائعات تمس مخاوف المصريين وتهدد استقرارهم النفسى والذهنى والمجتمعى. وأضاف «عفيفى» أن الشائعات مثل نقص الأنسولين ينتج عنه إقبال كبير على الصيدليات وتحدث أزمة، لذلك هناك قيمة للكلمة فى الرد على الشائعات، فنحن فى سوق كبير نحتاج إلى الاطمئنان على توافر الأدوية خاصة الأدوية ذات الحساسية الخاصة أو ذات الأولوية القصوى للأمراض المزمنة وغيرها. الأخبار: فى ختام عام 2025، ماذا حققت الهيئة خلال الفترة الماضية؟ وما تطلعاتها لعام 2026؟ د. على الغمراوى: بدايةً، أعتز بجريدة «الأخبار» وأعتبرها صحيفتى المفضلة، فقد نشأت فى منزل يميل إليها ويحرص على قراءتها يوميًا، باستثناء يوم الجمعة حيث كانت «الأهرام» هى البديل. أدرك جيدًا قيمة هذا الصرح العظيم، وأتمنى دوام التوفيق لجريدة أقدرها على المستوى الشخصى قبل المهنى. أما عن الدواء، فهو يُعد سلعة شديدة الخصوصية لا غنى عنها فى أى منزل؛ فهو مسألة «حياة أو موت»، ويظل العنصر الحاسم فى المنظومة الصحية، جنبًا إلى جنب مع دور المستشفيات والتشخيص الطبى. لقد وصلنا خلال الفترة الماضية إلى مرحلة من الاستدامة، وهو ما نسعى لترسيخه فى عام 2026 والسنوات المقبلة؛ لضمان توافر الدواء فى السوق المصرية. شهدت الفترة السابقة تقلبات فى أسعار المواد الخام والعملة الصعبة اللازمة لاستيرادها. حيث إن 40% من مكونات أى عبوة دواء فى مصر تعتمد على مواد خام مستوردة، يأتى ما يقرب من 85% منها من الهندوالصين، وهما المنتجان الرئيسيان للمواد الخام للعالم بأسره. ومصر ليست استثناءً فى ذلك؛ حتى الولاياتالمتحدةالأمريكية تستورد المواد الخام منهما، وما حققناه خلال السنوات الست الماضية منذ تدشين الهيئة عام 2019 يُعد إنجازًا، فقد كانت المنظومة سابقاً تتكون من ثلاث هيئات متباعدة الأطراف، بعضها مستقل والبعض الآخر يتبع وزارة الصحة، ومع صدور قانون إنشاء الهيئة رقم 151 لسنة 2019، اندمجت تلك الجهات فى كيان واحد هو «هيئة الدواء المصرية»، وصدرت اللائحة التنفيذية عام 2020. كانت المهمة الرئيسية حينها توحيد هذه الجهات المستقلة تحت مظلة رقابية واحدة، وقد نجحنا فى ذلك. ولم يقتصر نجاحنا على الدمج المؤسسى فحسب، بل تمكنا من الحصول على الاعتماد الدولى الذى يرسخ مكانة الدواء المصرى عالميًا. وكنا نطمح دائمًا لاعتماد منظمة الصحة العالمية (WHO)، وبالفعل نجحنا فى عام 2022 فى الوصول إلى «مستوى النضج الثالث» وهو مستوى متقدم لا تحظى به سوى 16 دولة حول العالم. الأخبار: ماذا يعنى «مستوى النضج الثالث»؟ د. على الغمراوى: يعنى أن منظومة الدواء فى الدولة، بما تشمله من هيئة رقابية وتصنيع دوائى، هى منظومة مستقرة، منضبطة، وقوية. الأخبار: هل من الممكن سحب شهادة الاعتماد أو تغيير التصنيف فى وقت لاحق؟ د. على الغمراوى: بالطبع، أى تهاون فى أى مصنع بمصر يؤدى لإلغاء الاعتماد فورًا، والتفتيش يكون مفاجئًا. وهذا ما أود أن يركز عليه الإعلام هذا يعطى الثقة فى المنتج الدوائى المصرى. لا يوجد فرق بين منتج أجنبى ومصرى؛ فقواعد التصنيع الجيد (GMP) واحدة عالميًا؛ تلك المطبقة فى أمريكا هى ذاتها المطبقة فى مصر، ولا مجال للتحجج بالظروف الخاصة. الأخبار: ألا توجد مراعاة للفوارق أو المستويات الاقتصادية بين الدول؟ د. على الغمراوى: لا يوجد هذا الكلام مطلقًا هى معايير واحدة تطبق على الجميع. الأخبار: وبناءً عليه، هل كل ما يثار من شائعات حول نقص المادة الفعالة فى الدواء المصرى عارٍ من الصحة؟ د. على الغمراوى: هذا غير صحيح بالمرة. لست أنا من يقول ذلك، بل منظمة الصحة العالمية نحن لا نستطيع التلاعب فى ذلك، وهذه الشائعات لا أساس لها. الأخبار: لماذا لا يتم اعتماد كتابة الدواء ب «الاسم العلمي» بدلًا من «الاسم التجاري» حتى الآن؟ د. على الغمراوى: القضية هنا تتعلق بمراكز القوى واتخاذ القرار، والاسم التجارى لا يعنى شيئًا سوى لون العلبة وشكلها، بينما «الاسم العلمي» هو المادة الفعالة الحقيقية. عند تسجيل أى دواء فى هيئة الدواء المصرية، نفتح ما نطلق عليه 12 صندوقًا (Boxes)، أى يُسمح بتسجيل 12 مثيلًا لنفس المادة الفعالة بنفس التركيز والشكل الصيدلي على سبيل المثال، المادة الفعالة «باراسيتامول»، توجد فى 12 شركة تصنعها بأسماء تجارية مختلفة بنفس الكفاءة. الأخبار: ولكن هذا النظام معمول به عالميًا؟ د. على الغمراوى: نعم، وهو آتٍ لا محالة فى مصر، وسيطبق بالكامل عندما تغطى الدولة منظومة التأمين الصحى الشامل بنسبة 100%؛ وحينها ستكون الدولة هى «الممول» (Payer)، وستلزم المستشفيات بصرف الدواء الأكثر اقتصاديًا طالما يحمل نفس الفاعلية. الأخبار: هناك خلط لدى البعض بين دور «هيئة الدواء» و«هيئة الشراء الموحد»، ما طبيعة العلاقة والتنسيق بينكما؟ د. على الغمراوى: كلتا الهيئتين أنشئتا بموجب القانون رقم 151 لسنة 2019، وهما مكملتان لبعضهما البعض هيئة الدواء المصرية هى الجهة المسئولة عن الرقابة، التسجيل، التسعير، وتنظيم تداول الدواء فى السوق المصرى بالكامل. أما هيئة الشراء الموحد فهى المسئولة عن عمليات الشراء المركزى والموحد للمستشفيات الحكومية أو القطاع الحكومي. الأخبار: بالانتقال لملف النواقص، كيف توجد نواقص فى الأدوية بينما تؤكدون أن لدينا صناعة قوية تغطى احتياجاتنا؟ د. على الغمراوى: للإجابة بدقة، يجب العودة إلى الوراء قليلًا، تحديدًا مع بداية تحرير سعر الصرف فى مارس 2023. نحن كمصنعين نعمل بنظام سلاسل الإمداد (Supply Chain) بناءً على مخزون استراتيجى يتراوح بين 6 إلى 7 أشهر (3 أشهر مواد خام، شهر تصنيع، شهران لدى الموزع، وشهر فى الصيدلية)، والمصنعون لا يقدرون على شراء احتياجات العام مرة واحدة، الأزمة بدأت عندما واجهت الدولة تحديات فى توفير العملة الصعبة لاستيراد المواد الخام، حيث كانت البنوك ترجئ الاعتمادات فى بعض الشهور، والرئيس تدخل وقرر إنشاء لجنة لدراسة احتياجات القطاع الصحى فى يونيو 2023. هذا العجز اضطر المصانع للسحب من المخزون الاستراتيجى (Relying on Stock)، مما أدى لتآكل المخزون فى السوق وهو ما شعر به المواطن كنقص فى الأصناف ومع التدفقات الدولارية الأخيرة بعد قرارات مارس 2024، بدأت عجلة الإنتاج فى الدوران وبداية الانفراجة لتعويض هذا الفاقد.. ولكن يجب أن ندرك أن استعادة المخزون ليست عملية فورية؛ فالأمر ليس مجرد «زر» نضغطه، بل يرتبط بخطط إنتاج (Production Plans) مع الموردين فى الصينوالهند، الذين يضعوننا ضمن جداولهم الزمنية، وقد يتطلب الأمر وقتًا لمضاعفة الكميات لتعويض فترات العجز وسد فجوة الإمداد والطلب. الأخبار: هل ساهمت ثقافة «التخزين» لدى الناس فى تفاقم الأزمة؟ د. على الغمراوى: بكل تأكيد، وللأسف كانت هناك ممارسات سوقية غير منضبطة، سواء من بعض الموزعين أو حتى من المواطنين. إنها ثقافة إنسانية عامة لا تقتصر على المصريين فقط؛ واليوم، أستطيع القول إن الوضع اختلف تمامًا، والوضع ممتاز حاليا، حيث تجاوزت نسبة توافر الأدوية 95%، والوضع الحالى أفضل بمراحل مما كنا عليه فى منتصف عام 2024. الأخبار: بعد مرور 5 سنوات على إنشاء هيئة الدواء، ما هو تقييمكم لتجربة لأداء الهيئة، وماذا عن مؤشرات سوق الدواء فى عام 2025؟ د. على الغمراوى: عام 2025 هو استكمال لمسيرة التعافى التى بدأناها فى 2024 سوق الدواء المصرى يُعد حاليًا الأسرع نموًا فى المنطقة، ليس فقط من حيث القيمة، بل الأهم من حيث عدد الوحدات التى زادت بنسبة 10%، وهو معدل غير مسبوق فى الشرق الأوسط وإفريقيا. هذا النمو يعكس دخول 2.4 مليون مستهلك جديد سنويًا (المواليد الجدد) من حيث القيمة، ينمو السوق بنسبة تتجاوز 30%، وقد وصلنا لإنتاج ما يقرب من 4 مليارات عبوة سنويًا، مما يجعلنا السوق الأكبر فى المنطقة من حيث الحجم، يلينا السوق السعودى ب 1.2 مليار عبوة، هذا بخلاف الصادرات. الأخبار: وماذا عن خططكم لزيادة الصادرات الدوائية؟ د. على الغمراوى: مصانعنا تعمل حاليًا ب 60% إلى 65% من طاقتها الإنتاجية، وهذا يعنى أن لدينا فائض سعة (Capacity) يمكن توجيهه للتصدير. هدفنا هو تشغيل المصانع بكامل طاقتها (100%) لتقليل تكلفة إنتاج الوحدة الواحدة، ما يعظم الأرباح ويفتح أسواقًا جديدة. وأتوقع هذا العام الوصول إلى صادرات بقيمة 1.33 مليار دولار، وهو الرقم القياسى الذى حققناه فى عام 2021، ونسعى لتجاوزه مستقبلًا. الأخبار: وما التوجيهات التى يحرص عليها الرئيس عبدالفتاح السيسى فى قطاع الدواء؟ د. على الغمراوى: دائما يوجه الرئيس السيسى بتوطين الصناعة ونحن نجحنا فى ذلك واليوم وصلنا إلى 91% من منتجات الدواء صناعة محلية، و3% يتم تعبئته فى مصر، وستنضم قريبًا للتوطين، ونحن نشجع الشركات العالمية على التوطين المتدرج؛ نبدأ بمراحل التغليف الثانوى (Blistering)، ثم نلزمهم بالتصنيع الكامل خلال سنوات محددة. وبالتوازي، نتفاوض مع الدول الإفريقية لفتح أسواقها لمنتجاتنا، ما يخلق طلبًا (Volume) يشجع المستثمر على بناء مصانع متكاملة. الأخبار: بالانتقال للملف الرقابي، ما جهودكم فى مواجهة الأدوية المغشوشة، والمخازن غير المرخصة، والبيع عبر الإنترنت؟ د. على الغمراوى: خلال عام واحد، نفذنا أكثر من 170 ألف زيارة تفتيشية على الصيدليات (البالغ عددها 86 ألفًا)، والمخازن (1600)، والمصانع (حوالى 180 مصنع دواء و187 مستلزمات طبية). أسفرت هذه الحملات عن رصد 10 آلاف مخالفة تتراوح بين مخالفات فنية وجسيمة وفى حال المخالفات الجسيمة غلق فورى دون مجاملة. وهناك مرور دورى على كل المنشآت الصيدلية المرخصة سواء المخازن أو الصيدليات أو المصانع ولا يمر عام بدون تفتيش عليهم ويصل ل4 مرات سنويًا على المنشأة الواحدة، بالإضافة إلى التفتيش المفاجئ لمنظمة الصحة العالمية على المصانع، ويوجد يوميًا تحويل للنيابة أو الغلق الإدارى فلدينا منظومة رقابية صارمة تشمل أكثر من ألف مفتش يتمتعون بصفة «الضبطية القضائية» من وزارة العدل. الأخبار: وماذا عن «مافيا» بيع الأدوية عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي؟ د. على الغمراوى: لدينا وحدة متخصصة لمراقبة جرائم الإنترنت داخل إدارة التفتيش، ترصد الصفحات الوهمية وتجرى محاولات شراء بأسماء وهمية لإثبات الجريمة بالتعاون مع الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، وأغلقنا 94 صفحة فى 2024، وحوالى 72 صفحة فى 2025 حتى الآن وذلك بعد مخاطبة المجلس الأعلى للإعلام.. كما يتم تحويل المتورطين للنيابة العامة وتصل العقوبات للحبس والغرامات، وظاهرة الغش الدوائى تحدٍ عالمى لكن نواجهه بكل حزم. الأخبار: كيف تتعاملون مع معادلة التسعير الصعبة بين مصلحة المريض واستدامة الصناعة وتشجيع الاستثمار؟ د. على الغمراوى: الدواء هو السلعة الوحيدة المسعرة جبريًا فى مصر (حوالى 12 ألف صنف). عند التسعير، ونضع فى الاعتبار عند التسعير فى البداية سعر «المبتكر» (Innovator) فى أقل دول العالم سعرًا، ولكننا نوازن بحذر؛ فالتسعير المنخفض جدًا قد يدفع الشركات لتأخير طرح الأدوية الحديثة فى مصر، والتسعير المرتفع يرهق المواطن، نحن ندير هذه العملية بديناميكية عالية لضمان توافر الدواء بسعر عادل للمريض ومحفز للمنتج فى آن واحد. الأخبار: فى إنجازات عام 2025، برزت مبادرة سحب الأدوية منتهية الصلاحية (Expired) كحدث بارز.. نود إلقاء الضوء على دور الهيئة فى هذا الملف؟ د. على الغمراوى: لطالما كانت ظاهرة الأدوية منتهية الصلاحية تمثل تحديًا مزمنًا، حيث لم تكن هناك آلية واضحة فى السوق المصرى تحدد مسئوليات الجمع والاسترجاع بين المصنع والموزع. وبفضل الله، نجحنا خلال عام 2025 فى جمع كافة أطراف المنظومة من مصنعين، ونقابة الصيادلة ونقابات فرعية، وموزعين، على طاولة واحدة برعاية الهيئة، وقد تم الاتفاق على جمع أى دواء منتهى الصلاحية من السوق بدون قيد أو شرط، وهو إجراء لم يحدث منذ عام 2017. فترك هذه الكميات الهائلة من الأدوية المنتهية يفتح الباب لإعادة تدويرها وبيعها فى القرى والنجوع، أو تهريبها للخارج، ما يسيء لسمعة الدواء المصري، ولقد نجحنا من خلال هذه المبادرة فى استرداد ما يزيد على 18 مليونًا و700 ألف عبوة منتهية الصلاحية من الأسواق، ورجعوا للمصانع وتم الاتفاق على تعويض الصيدليات، ما يعد إنجازًا كبيرًا فى ضبط السوق. الأخبار: نلاحظ انتشار مبادرات مجتمعية لجمع متبقيات الأدوية من المنازل تحت شعار «عمل الخير».. هل لديكم ولاية رقابية على هذه الممارسات؟ د. على الغمراوى: دعنى أكون صريحًا، هذا ليس عملًا خيريًا بمفهومه الصحيح الطبي، فتداول دواء تم حفظه فى المنازل بظروف غير معلومة، أو استخدامه بعد فتح العبوة لفترات طويلة، يمثل خطورة بالغة على سبيل المثال، قطرات العيون يجب التخلص منها بعد شهر من الفتح بغض النظر عن تاريخ الصلاحية المدون عليها، وبالتالي، فإن ما يُظن أنه خير قد يحمل ضررًا بالغًا. الأخبار: فى مواجهة الغش التجاري، أعلنتم عن مشروع «التتبع الدوائي». ما فلسفة هذا المشروع وكيف سيتم تطبيقه؟ د. على الغمراوى: هذا مشروع قومى يأتى بتوجيهات رئاسية مباشرة، انطلاقًا من رؤية الدولة بأن الدواء سلعة استراتيجية لا يمكن تركها لآليات العرض والطلب العشوائية، نحن نطبق نظام (Track and Trace) أى التتبع الدوائى والذى يمنح كل عبوة دواء -وليس كل صنف- «رقم قومي» خاص بها، نحن ننتج 4 مليارات عبوة سنويًا، وكل عبوة ستحمل كودًا فريدًا يتم تسجيله لدينا، مما يتيح لى تتبع رحلة العبوة من خط الإنتاج، مرورًا بالموزع والمخزن، وصولًا إلى الصيدلية، ومنع تداولها بين الصيدليات بشكل غير قانوني. هذا النظام يفرض حوكمة كاملة على كل علبة دواء تباع فى مصر. الأخبار: متى سيدخل هذا المشروع حيز التنفيذ الفعلي؟ وما المطلوب من المواطن؟ د. على الغمراوى: لقد بدأنا بالفعل، حيث صدرت الآلية التنظيمية فى الجريدة الرسمية منذ أيام وسنبدأ المرحلة الأولى فى شهر فبراير المقبل بتطبيق النظام على الأدوية المستوردة، التى تمثل 9% من السوق (حوالى 400 مليون عبوة)، وعددها 1365 مستحضرًا، أما التطبيق الكامل على ال 4 مليارات عبوة، فهى رحلة طويلة نستهدف إتمامها خلال 3 إلى 5 سنوات؛ لأننا نقوم بتغيير ثقافة ونظم عمل فى 86 ألف صيدلية، و1600 مخزن، و180 مصنعًا الأمر يتطلب استثمارات تكنولوجية ضخمة (Scanners) وآليات ربط رقمى لضمان نجاح المنظومة دون إحداث فوضى فى السوق، وهناك استجابة قوية من كل شركاء المهنة. الأخبار: بالانتقال إلى ملف شائك يثار بين الحين والآخر.. «التجارب السريرية» هناك مخاوف لدى الرأى العام من تحول المواطنين إلى «حقل تجارب» لصالح الشركات العالمية. هل نمتلك الضوابط الكافية لطمأنة المواطن المصرى بسلامة الإجراءات؟ د.على الغمراوى: بدايةً، يجب الإشادة بقرار الرئيس السيسى الصادر العام الماضي، الذى فتح الباب لدخول مصر مجال التجارب السريرية وفق ضوابط صارمة تحمى المواطن المصرى قبل أى شيء نحن لسنا حقل تجارب لأحد؛ فالقاعدة الأساسية لدينا هي: «لن نسمح بإجراء تجربة سريرية لأى دواء فى مصر ما لم يكن قد تم اختباره واعتماده فى بلد المنشأ والدول المرجعية». الأخبار: ختاماً.. ما هى رؤيتكم الإستراتيجية لعام 2026 وأبرز المستهدفات القادمة؟ د.على الغمراوى: أولوياتنا واضحة ومحددة فى عدة محاور: أولاً، ضمان استدامة توافر الدواء والحفاظ على سلاسل الإمداد (Supply Chain) قوية ومستقرة. ثانياً، تعميق توطين الصناعة، ليس فقط للمنتج النهائي، بل للمواد الفعالة، ونحن بصدد افتتاح أول مصنع فى الشرق الأوسط وإفريقيا للمستحضرات الحيوية قريباً، إلى جانب تعميق توطين صناعات الأنسولين وأدوية السكر. ثالثاً، الاعتمادات الدولية؛ نحن نستهدف الوصول إلى مستوى النضج الرابع (Maturity Level 4) من منظمة الصحة العالمية، ونستعد حالياً لإعادة تقييم المستوى الثالث الذى حصلنا عليه فى عام 2022. الأخبار: هذه رؤية واضحة لقد طمأنتنا اليوم بوجود رؤية واضحة وهيئة قوية تمتلك الشفافية والكفاءة.