■ بقلم: إسلام الكتاتني منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023 والمنطقة تتهيأ لشكل جديد بها لتغيير تشكيل الخرائط السياسية والديموجرافية كما حدث منذ مئة عام في السايكس بيكو الأول والذي قسّم تركة الدولة العثمانية في ذلك الوقت أو كما أطلق عليها المستعمر (دولة الرجل المريض) حين تقاسمت بريطانيا العظمى (كما كان يطلق عليه آنذاك) وفرنسا كعكة المنطقة العربية بين هاتين الدولتين بالإضافة إلى العمل على زرع كيان سرطاني يحقق أهداف المستعمر في المنطقة العربية فيما عرف بوعد (بلفور) المشؤوم في عام 1917. ونرى دلالات هذا (السايكس بيكو الجديد أو الثاني) حينما أعلن رئيس وزراء دولة الكيان (بنيامين نتنياهو) حينما اندلعت 7 أكتوبر في بدايتها حين أعلن بكل وضوح أننا على أعتاب ميلاد شرق أوسط جديد، هذا عن الجانب الإسرائيلي والذي هدفه الأول والرئيسي العمل على تفتيت المنطقة وتقسيمها لتكون لها اليد الطولى في المنطقة وصاحبة السيادة والنفوذ والهيمنة على كافة دول المنطقة، أما من جانب الفصائل الفلسطينية والتي أطلقت رصاصة البدء لاندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023، لم يكن في حسبانها هذه النتائج الكارثية التي نجمت عن اندلاع هذه الأحداث، حيث كان أقصى طموح لها إطلاق سراح الأسرى والمسجونين في سجون الاحتلال والذين يبلغ عددهم آنذاك حوالي ستة آلاف أسير فلسطيني، كما أعلنوا في بيانهم الأول تحرير الأقصى الأسير، وتحرير الأراضي الفلسطينيةالمحتلة حينما أعلنها وبوضوح قائد كتائب القسام في ذلك الوقت (محمد ضيف) والذي استشهد لاحقاً فيما بعد (وقناعتنا الفكرية والفقهية أن نطلق على كل من يتم تصفيته أو اغتياله بيد المحتل هو شهيد بإذن الله تعالى حتى لو كنا نختلف معه سياسياً أو فكرياً... والله أعلم). وهذه الأهداف التي اتفقت عليها الفصائل الفلسطينية كانت مبنية على أن هناك داعمًا وراعيًا لتلك الفصائل سوف يقوم بتقديم الدعم السياسي والمادي والعسكري لتلك العملية بإيعاز ورعاية إيران (دولة ولاية الفقيه) حيث كانت الخطة تقتضي أن تقوم الفصائل الفلسطينية لتنفيذ تلك العملية عبر الحدود في قطاع غزة على أن يقوم حزب الله الذراع اليمنى للدولة الإيرانية في المنطقة بالهجوم من الناحية الشمالية، أي شمال دولة الكيان، فيما يعرف في العلوم العسكرية بآلية الكماشة، وأي متابع لهذا التحليل العسكري سوف يقابله بالترحاب، حينما تكون الأجندة التي تنطلق منها أجندة المقاومة هي أجندة وطنية خالصة وأن أي داعم أو راعٍ لهذه الفصائل التي تقوم بتنفيذ تلك العملية فسيكون له أجندته الخاصة جراء تنفيذ تلك العملية، وسرعان ما أعلنتها إيران بكل وضوح أن هدفها من هذه العملية هو الانتقام لمقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس والذي أغتيل في مطار بغداد عن طريق ضربة أمريكية دقيقة، والذي أُغتيل في الثالث من يناير من العام 2020 م، قبل نهاية ولاية ترامب الأولى بعام، ولا شك أن فكرة المقاومة في حد ذاتها هي فكرة نبيلة ندعمها بكافة أشكالها طالما أن هناك محتلًا للأرض العربية، على أن لا تكون لهذه المقاومة أي أجندات خاصة تريد تحقيقها على حساب القضية والشعب والأرض، هذا موقف الطرفين المتصارعين، طرف يحتل الأرض يمتلك أحدث أنواع الأسلحة الفتاكة ولديهم مخزون هائل من الترسانة العسكرية الباطشة ودعم هائل وبلا حدود من دولة العم سام، والكاوبوي الأمريكي بالإضافة إلى دول حلف شمال الأطلسي موازية وداعمة ومساندة، أما الطرف الثاني فهو يمتلك أسلحة بدائية محدودة التأثير حتى وإن تطورت أشكالها وقدراتها وبينها شعب بريء أعزل يحلم بدولته المستقلة المحررة ليعيش في أمن وسلام بعيداً عن منغصات الاحتلال اليومية والتي تؤرقه في نومه ومعيشته بل وحياته المهددة طول الوقت تحت فوهات بنادق الاحتلال، ثم نأتي إلى الطرف الأهم في المنطقة الذي له الدور المحوري والرئيسي عبر التاريخ وهي مصر والتي كانت تقرأ المشهد جيداً بكل تفاصيله والتي حملت على أكتافها هم وعبء القضية الفلسطينية منذ ثمانين عاماً ويزيد، باعتبار قضية فلسطين هي القضية المركزية والمحورية والرئيسية في المنطقة، وتحملت في سبيل ذلك الكثير من التضحيات والدماء فداءً لفلسطين الحبيبة ولأن هذا قدرها المحتوم تاريخياً وجغرافياً باعتبار مصر هي الشقيقة الكبرى لأخواتها من الدول العربية، وانطلاقاً من رسالة مصر التي قدمتها عبر التاريخ وعبر عصور وأجيال متعاقبة ومتتالية، قالت الدولة المصرية كلمتها وهي تعلم جيداً أن ثمن موقفها الرشيد والحكيم والذي يتسم ببعد نظر وقراءة جيدة للأحداث والمعطيات على الأرض، مع توفر كافة المعلومات الدقيقة لكل ما يجري من أحداث عبر أجهزة الدولة السيادية والوطنية حين قدمت قراءة دقيقة لتلك الأحداث فكان قرار القيادة السياسية الرشيدة في التعاطي مع هذه الأزمة بكل تفاصيلها وتعقيداتها هو القرار الأصوب والأصح والأدق لتفسير ما جرى وهي تعلم جيداً أنها سوف تدفع أثماناً غالية جراء هذا الموقف الحكيم والذي ارتكز على سبعة محاور رئيسية للتعاطي مع هذه الأزمة. أولاً :- العمل بكل قوة وصلابة لوقف مخطط التهجير (الترانسفير) أو مشروع الوطن البديل حيث أدركت القيادة المصرية في وقت مبكر من تلك الأزمة أن الهدف الرئيسي من تلك الحرب هو التهجير أي تهجير الأشقاء الفلسطينيين إلى سيناء الحبيبة حين يتم اقتطاع جزء من سيناء لتكون وطناً بديلاً للفلسطينيين وذلك المشروع الذي وافق عليه مندوب مكتب الإرشاد في قصر الرئاسة (محمد مرسي) والذي كان يمثل جماعة الإخوان والتي حكمت مصر في السنة السوداء 2012 / 2013 وهذا باعتراف الرئيس الفلسطيني محمود عباس والذي أعلن بكل وضوح أن محمد مرسي عرض عليه هذه الفكرة الخبيثة ورفضها آنذاك الرئيس الفلسطيني بينما لم يجد الإخوان أي غضاضة من قبول تلك الفكرة وهذا المخطط والذي سوف يؤدي بلا شك إلى تصفية القضية الفلسطينية، فلا عجب أن تتخذ هذه الجماعة هذا الموقف غير الوطني وغير المسؤول لأنها بكل بساطة هي أداة من أدوات المستعمر وتؤدي دوراً وظيفياً بالنيابة عن الكيان المحتل (إسرائيل) وتعمل بكل وضوح لتنفيذ المخطط الصهيوأمريكي في المنطقة والعمل على تنفيذ مخطط (السايكس بيكو الثاني) وهذا ما أكده سير الأحداث طيلة السنتين الماضيتين (أحداث 7 أكتوبر) حيث تبين للكافة أن جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي تخدم بكل وضوح الرواية الإسرائيلية وتروج لها، بل وتنفيذها على أرض الواقع، ومثال بسيط على ذلك تظاهرة الإخوان التي أقاموها بتل أبيب أمام سفارتنا المصرية تنديداً بموقف مصر وهو الموقف الشريف في التعاطي مع أحداث غزة وليس تنديداً بالاحتلال وجرائمه الوحشية وحرب الإبادة الجماعية التي شنتها على أهلنا في فلسطين الحبيبة وفي القلب منها غزة الجريحة والتي دفع ثمنها ربع مليون مواطن فلسطيني ما بين شهيد وجريح ومصاب وتدمير غالبية مباني قطاع غزة وتصبح أطلالًا يتباكى عليها الفلسطينيون بالإضافة إلى احتلال غزة بالكامل ومن سخرية القدر أن يحصل زعيم الإخوان في عرب 48 رائد صلاح والملقب زوراً وبهتاناً ب«شيخ الأقصى» ونائبه كمال خطيب على تصريح مظاهرة العار التي أقاموها أمام سفارتنا المصرية بتل أبيب من وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي (أيتيمار بن غفير) والمعروف بتطرفه الشديد تجاه العرب والفلسطينيين بل والأنكى من ذلك حين رأينا الإخوة والأخوات من أبناء وبنات تلك الجماعة يأخذون السلفي مع جنود ومجندات الاحتلال». يا للعجب... !!!، ودون حتى أن يرفعوا علم فلسطين الحبيبة وعلى مقربة منهم مبنى وزارة الدفاع الإسرائيلية والذي لم يجرأوا على تنظيم مظاهرة أمامه أو حتى أمام الكنيست الإسرائيلي أو حتى أمام منزل ومجرم الحرب بنيامين نتنياهو والذي كان يسير في شوارع القدسالغربية وتل أبيب بكل أريحية وسهولة ويسر وكأنه لا حرب موجودة بينه وبين الفصائل الفلسطينية وكأن حياته ليست مستهدفة أو تحت التهديد. نلتقي في الأسبوع القادم مع الجزء الثاني من المقال بإذن الله تعالى.