في حواري منطقة الهنيدي ب امبابة الضيقة، حيث تتشابك البيوت والقلوب، لم يكن صباح ذلك اليوم عاديًا ولم تكن الحاجة «عواطف» تعلم أن مشوارها اليومي المعتاد من منزل زوجها إلى منزل والدها المسن في «عقارات الهنيدي» سيكون هو الفصل الأخير في رواية عنوانها «الوفاء حتى الموت». اقرأ أيضا| مأساة في إمبابة| «شارع الهنيدي» يستيقظ على أنقاض عقار منهار وأسرة مشردة تستغيث ابنة بدرجة «سند» يقول جيرانها بدموع لم تجف: «كانت تأتي كل صباح كالنسمة»، لم تمنعها مسؤولياتها كزوجة وأم من أن تخصص جلّ وقتها لوالدها الذي نال منه الكبر و كانت هي عينه التي يبصر بها، وقدمه التي يتحرك بها وفي كل فجر، كانت تقطع الطريق بابتسامة راضية، لتعد له طعامه وتؤنس وحدته، ضاربةً أروع الأمثال في بر الوالدين. 36 ساعة تحت الركام حين وقع الحادث المأساوي وانهار العقار، توقفت أنفاس الجميع، وظلت القلوب معلقة بآمال واهية واستمرت فرق الإنقاذ في العمل ليل نهار، ومرت 36 ساعة من القلق والترقب ومع خروج جثمان الحاجة عواطف من تحت الأنقاض، تكشفت تفاصيل اللحظات الأخيرة؛ لم تكن تحاول الهرب وحدها، بل أراد الله أن يجمعهما القدر في مكان واحد، كما جمعتهما المحبة في الدنيا. ماتت كما عاشت يقول أحد شهود العيان: هذه السيدة ماتت وهي في قمة طاعتها، وأن خروجها بعد كل هذه الساعات يبعث برسالة صامتة لكل من سمع قصتها، بأن من عاش على شيء مات عليه ولقد عاشت بارّة، ورحلت شهيدة «تحت الهدم» وهي في محراب خدمتها لوالدها. وداع حزين وفخر باقٍ رحلت الحاجة عواطف، لكن قصتها لم تنتهِ بسقوط جدران عقار الهنيدي. تركت خلفها سيرة عطرة يتداولها أهالي إمبابة كدرس عملي في الوفاء.. غادرت الدنيا ومعها والدها، وكأنها أبت أن تتركه وحيداً حتى في رحلتهما إلى السماء. خرجت من تحت الركام جثة هامدة، لكنها تركت في قلوبنا حكاية لا تموت عن ابنة صالحة اختارت أن تكون بجوار والدها حتى النفس الأخير.